رأي

عمار سعيد يكتب : السلاح الكيميائي «جراب دقيق»… هل ستبلع رماله القوات المشتركة

لم تعد قضية السلاح الكيميائي في السودان مجرد اتهام سياسي تتقاذفه أطراف الحرب. فالمعلومات التي نشرتها حديثاً نيويورك تايمز وواشنطن بوست تستند إلى ملفات وصور وفيديوهات ورسائل داخلية قالت الصحيفتان إنها تشير إلى برنامج سري لإنتاج ذخائر محشوة بالكلور وتخزينها واختبارها، مع مؤشرات إلى استخدام بعضها ضد قوات الدعم السريع. ومع ذلك، فإن الحسم القضائي النهائي يحتاج إلى تحقيق مستقل والوصول إلى مواقع وشهود وأدلة مادية.

وتزداد خطورة الملف لأن الولايات المتحدة سبق أن خلصت رسمياً إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية في 2024، بينما رفضت السلطات السودانية الاتهام ووصفت العقوبات بأنها غير قانونية.

لكن السؤال السياسي الأكبر الآن ليس فقط: من استخدم الكلور؟

السؤال هو: من سيتحمل المسؤولية السياسية والقانونية عن منظومة الحرب التي سمحت بذلك؟

*«جراب دقيق» قد لا يبقى داخل جراب الجيش*

إذا أثبتت التحقيقات الدولية أن مؤسسات عسكرية رسمية أنتجت أو خزنت أو استخدمت أسلحة كيميائية، فإن القضية لن تتوقف بالضرورة عند أسماء الضباط الذين شاركوا في البرنامج.

المسؤولية قد تتسع بحسب الأدلة إلى سلسلة القيادة، وإلى كل من شارك في التخطيط أو التنفيذ أو التسهيل أو التغطية أو علم باستخدام هذه الأسلحة ولم يمنعه.

وهنا تظهر المعضلة الأخطر بالنسبة للقوات والحركات المسلحة التي اختارت التحالف مع الجيش.

فالمشكلة القانونية لا تُحل بالقول: «نحن لم نصنع السلاح الكيميائي».

السؤال الذي سيطرحه التحقيق الدولي سيكون:

هل شاركتم في العمليات؟ هل قدمتم الدعم؟ هل كانت لديكم معرفة باستخدام أسلحة محظورة؟ ماذا فعلتم عندما ظهرت الأدلة؟ وهل واصلتم القتال والتحالف بعد علمكم بها؟

وهذا هو المكان الذي يصبح فيه «جراب الدقيق» سياسياً أكثر خطورة من مجرد فضيحة عسكرية.

*مناوي وجبريل وكيكل… متى يصبح الانسحاب مسؤولية سياسية؟*

بالنسبة إلى مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم وأبو عاقلة كيكل وغيرهم ممن ارتبطوا عسكرياً وسياسياً بمعسكر الجيش، فإن السؤال ليس اتهامهم باستخدام السلاح الكيميائي؛ لا توجد في المصادر التي راجعتها أدلة تثبت ذلك بحقهم.

لكن السؤال السياسي المشروع هو:

هل سيستمرون في التحالف مع طرف تحيط به اتهامات دولية متصاعدة باستخدام أسلحة محرمة، أم سيضعون مسافة واضحة بينهم وبين أي انتهاك للقانون الدولي؟

هذا التفريق مهم جداً.

فالانسحاب من تحالف سياسي أو عسكري لا يعني إدانة تلقائية لكل أفراده، لكنه يعني أن الطرف المنسحب يعلن بوضوح أن التحالف له حدود أخلاقية وقانونية.

وإذا كانت هناك أدلة جديدة، فإن الصمت لم يعد موقفاً محايداً في نظر الرأي العام.

*المشكلة ليست في «من ينتصر»… بل في أي سودان سيبقى*

الحرب السودانية تحولت إلى صراع تتداخل فيه الجيوش النظامية والقوات شبه العسكرية والحركات المسلحة والداعمون الإقليميون والدوليون.

والتقارير الأخيرة تضيف طبقة شديدة الخطورة إلى هذا المشهد: احتمال انتقال الصراع من استخدام الأسلحة التقليدية إلى توظيف أسلحة محظورة دولياً.

وفي الوقت نفسه، تؤكد تقارير أممية حديثة أن الدعم الخارجي بالسلاح والطائرات المسيّرة والمقاتلين ما زال يغذي الحرب، وأن الانتهاكات الخطيرة لا تقتصر على طرف واحد.

لذلك لا ينبغي أن تتحول قضية السلاح الكيميائي إلى أداة لتبرئة طرف آخر.

أي جهة تستخدم السلاح الكيميائي يجب أن تتحمل المسؤولية، أياً كان اسمها أو تحالفها أو الجهة التي تدعمها.

لكن المسؤولية أيضاً لا تسقط بالتقادم السياسي، ولا تُمحى بشعار «كل الأطراف مذنبة».

*ساعة الاختبار للقوات المشتركة*

القوات المشتركة والحركات المسلحة أمام اختبار حقيقي:

إما أن تقول بوضوح:

لا علاقة لنا بأي استخدام للأسلحة الكيميائية، ونطالب بتحقيق دولي مستقل، وسنحاسب أي فرد يثبت تورطه، ولن نقبل استخدام أراضينا أو قواتنا أو اسمنا لتغطية أي جريمة.

وإما أن تختار الصمت والاستمرار في التحالف وكأن شيئاً لم يحدث.

وفي الحالة الثانية، فإنها تخاطر بأن تتحول من شريك عسكري إلى شريك سياسي في منظومة المسؤولية إذا أثبتت التحقيقات وجود علم أو مشاركة أو تسهيل أو تستر.

وهنا تحديداً يصبح السؤال:

*هل آن أوان القفز من المركب الغارق؟*

ربما يكون هذا هو السؤال الأكثر إلحاحاً لمناوي وجبريل وكيكل، وليس فقط لأن المركب العسكري قد يغرق، وإنما لأن التاريخ لا يحاكم فقط من ضغط على الزناد؛ بل يحاكم أيضاً من عرف إلى أين تتجه السفينة وقرر البقاء فيها حتى النهاية.

والرسالة الأهم:

السلاح الكيميائي ليس «تفصيلاً عسكرياً». إنه خط أحمر في القانون الدولي. ومن يثبت تورطه فيه يجب أن يواجه العدالة، ومن لم يتورط عليه أن يعلن موقفه الآن، لا بعد أن تنتهي الحرب وتبدأ المحاكمات.

فقد تنتهي المعارك…

لكن ملفات الأسلحة الكيميائية لا تنتهي بانتهاء المعركة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى