اقتصادتقارير وتحقيقات

قرار تغيير العملة مرتين خلال اربعة اعوام .. هل هو قفز في الظلام 

تقرير – الجماهير

بينما يترنح الاقتصاد السوداني تحت وطأة التضخم، وانهيار القوة الشرائية، وتراجع الإنتاج، وشح النقد الأجنبي، تبرز فكرة تغيير العملة وحذف «ثلاثة أصفار» باعتبارها أحد الخيارات المطروحة لمعالجة أزمة الجنيه.

لكن السؤال الأكثر تداولا في مجالس خبراء الاقتصاد هل المشكلة في الأصفار التي تحملها الأوراق النقدية، أم في اقتصاد فقد مقومات استقرار عملته؟

ويرى خبراء اقتصاديون ومصرفيون أن تغيير العملة وربما حذف الثلاثة اصفار ، في ظل استمرار الاختلالات النقدية والمالية والإنتاجية، لن تكون علاجاً لأزمة الجنيه، وقد تتحول إلى خطوة كارثية إذا سبقت الإصلاحات التي يفترض أن تستند إليها.

ويرى الخبير الاقتصادي د. «الحاج إبراهيم»  أن اتجاه «السلطة»  إلى تغيير العملة وحذف ثلاثة أصفار كما يتداول يعكس، في تقديره، محاولة لمعالجة مظهر الأزمة أكثر من أسبابها.

وقال إبراهيم لـ«الجماهير» إن حذف الأصفار لا يعيد قيمة الجنيه، ولا يخفض التضخم، ولا يزيد الإنتاج، ولا يوفر الدولار، موضحاً أن قيمة العملة لا تتحدد بعدد الأصفار المطبوعة عليها، وإنما بقوة الاقتصاد الذي يقف خلفها.

وأضاف أن استمرار السياسات التي تنتج العجز والتضخم وتراجع سعر الصرف سيجعل تغيير شكل العملة عاجزاً عن إحداث تغيير حقيقي في الاقتصاد.

وانتقد ما وصفه بـ”هروب السياسة النقدية إلى الحلول الشكلية”، مؤكداً أن المواطن لا يحتاج إلى أرقام أقل على الأوراق النقدية بقدر حاجته إلى عملة مستقرة، وأسعار يمكن تحملها، وأجور تحفظ قيمتها، واقتصاد ينتج ويصدر.

وحذر «إبراهيم» من تنفيذ تغيير العملة في ظل الحرب والانقسام الاقتصادي وتعدد أسعار الصرف، معتبراً أن البيئة الحالية قد تخلق مساحات جديدة للمضاربة والتلاعب بالأسعار، ما لم تصاحب الخطوة رقابة صارمة وشفافية عالية.

وبحسب رؤيته، فإن الإصلاح يبدأ بوقف تمويل العجز عبر التوسع النقدي، وضبط الإنفاق العام، وزيادة الإنتاج والصادرات، ومعالجة أزمة النقد الأجنبي، وإعادة بناء الجهاز المصرفي.

ويختصر إبراهيم موقفه بقوله ” لا يمكن لثلاثة أصفار محذوفة أن تخفي سنوات من السياسات الاقتصادية الخاطئة؛ المشكلة في إدارة الاقتصاد، وليست في عدد الأصفار” .

من جهته، يتفق الخبير الاقتصادي د. «هيثم محمد فتحي» مع ابراهيم ووصف حذف ثلاثة أصفار بأنه إعادة ترقيم نقدي لا تعني تلقائياً استعادة الجنيه لقوته أو تحسين قيمته الحقيقية.

وقال فتحي لـ«الجماهير» إن الجنيه تراجع من نحو (600) جنيه للدولار قبل الحرب إلى قرابة (6) آلاف جنيه حالياً، بالتزامن مع ارتفاع التضخم وتراجع الإنتاج الصناعي والزراعي واتساع الاختلالات النقدية والمالية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين.

ويرى فتحي أن نجاح تغيير العملة ـ إذا اتخذت السلطات قرار كهذا فعليا ـ مشروط بحزمة إصلاحات متزامنة تستهدف استقرار سعر الصرف، والحد من التضخم، ومعالجة الاختلالات التي تقود إلى تآكل قيمة الجنيه.

وشدد على أن القرار ينبغي أن يستند إلى دراسات فنية دقيقة، تشمل مسار التضخم وسعر الصرف، وحجم الكتلة النقدية، وقدرة الدولة على إدارة عملية الاستبدال، فضلاً عن قدرتها على منع تكرار انهيار العملة.

وحذر «فتحي» من أن حذف الأصفار دون معالجة الأسباب الهيكلية للأزمة قد يجعلها تعود مجدداً، وربما بصورة أكثر تعقيداً، داعياً إلى ضبط السيولة، وإصلاح المالية العامة، وتعزيز الإنتاج والصادرات، واستعادة ثقة المواطنين في الجهاز المصرفي.

وحاولت سلطة بورتسودان تغيير العملة قبل أكثر من عامين، في خطوة تهدف إلى الحد من تداول العملة القديمة ومحاصرة المواطنين خارج مناطق سيطرتهم اقتصادياً ، وقد أدت تلك الخطوة إلى أزمة سيولة كبيرة، خاصة وسط المواطنين المقيمين خارج مناطق سيطرة الجيش وكذلك داخلها .

وتواجه سلطة بورتسودان هذه الأيام تضخما اقتصاديا متزايدا، إلى جانب هبوط حاد للجنيه السوداني مقابل الدولار، ما أدى إلى ارتفاع أسعار السلع ونقص حاد في معظمها .

ويواجه السكان في مناطق سيطرة الجيش موجة غلاء حادة، وسط مخاوف من تصاعد حالة الغضب والتنديد بالسياسات الاقتصادية لسلطة البرهان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى