على مر العصور، عرفت الإنسانية مدنًا كُتب على حجارتها ألا تركع، وصارت أسمائها مرادفًا للصمود الاستثنائي. يذكر التاريخ حصار “طروادة” العاشق، ويقف إجلالاً أمام صمود “ستالينغراد” العصية تحت أنقاض الثلج والحديد، ويتأمل ثبات حصن “سرقسطة” أمام أعتى الجيوش. لكن ما شهدته “الفاشر – ابوزكريا” يضعها في مرتبةٍ فريدة من السمو والخلود؛ فهي المدينة التي ظلت لقرون عاصمة الهيبة والسلطنة لعموم غرب السودان، والمحراب الذي استعصى على الانكسار عبر الأزمان.
لم تكن الفاشر مجرد جغرافيا، بل كانت تجسيدًا لكبرياء أمة ورمزية تاريخٍ ممتد من السلطنة والسيادة. ظن الكثيرون أن التاريخ قد توقف عند أسوارها. لكنهم نسوا أن في هذه الأرض عرقًا يجري ببسالة الأجداد، وأن هناك ثوارًا لا يقبلون بغير النصر أو الشهادة
بإرادةٍ قُدّت من حديد، وعزيمةٍ تُلامس السحاب، تقدم الأشاوس نحو أسوار الفاشر، لا لفتح مدينة فحسب، بل لتحرير الإرادة السودانية ووضع نقطة النهاية لعهد الاستبداد. لقد حوّل الأشاوس أرض الفاشر إلى “ستالينغراد السودان”؛ المعركة الفاصلة التي قلبت موازين القوى، وغيرت مجرى التاريخ، وهدمت عروش الظلم والتمكين.
إن تحرير الفاشر لم يكن حدثًا عابرًا، بل هو الشرارة الأولى لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسسٍ جديدة وراسخة:
عدالة تطوي صفحات التهميش والظلم إلى الأبد.
حرية تستعيد بها الأمة كرامتها وحقها في التقدم.
سلام حقيقي يصنعه الأقوياء والشهداء بدمائهم وأرواحهم.
تحية إجلال وإكبار للرجال الذين سموا بأرواحهم فوق الجراح، للأشاوس الذين كتبوا برصاصهم ودمائهم أنشودة الحرية الخالدة على أسوار مدينة الصمود
إن الفاشر اليوم لا تحتفل بنصرها فحسب، بل تُعلن ولادة السودان الجديد من بين ركام الحرب؛ سودانٌ يتساوى فيه الجميع، ويبقى فيه التاريخ شاهدًا على أن إرادة الشعوب الأبية لا تُقهر





