يتوهم البعض أن السودان “واحد” في الشعارات فقط، بينما هو في الحقيقة مقسم بفعل سياسات ممنهجة عمرها عقود.. حين اندلعت الحرب في كرينك بسبب شحن بطارية هاتف – في ظاهرها – لم يبحث الناس عن السبب الحقيقي وهو انتشار السلاح بلا رقيب وغياب القانون بفعل فاعل.. ذلك الفاعل هو المركز الذي خطط وأدار سياسة تسليح الأطراف، ليتقاتل الناس على توافه الأمور وينشغلوا في حروبهم الأهلية، بينما ينام المركز هادئًا على سرقة قوتهم وثرواتهم..
لم يكن ذلك مصادفة، فقد نشرت الأنظمة المتعاقبة – بإسم الدفاع الشعبي سابقًا والمقاومة الشعبية حاليًا – ثقافة تسليح المواطنين في كل مكان يمكن السيطرة عليه بالسلاح والفتنة، والنتيجة واضحة في دارفور وكردفان: حروب أهلية تبدأ بسرقة ماعز، أو هاتف، أو بسبب كوب قهوة!
اليوم، وبعد سنوات من الكذب والتضليل، وترويج ورثة الدولة الاستعمارية أن “الشمال” مستثنى من هذا المصير، لأن إنسانه متحضر بطبعه، لا يعرف الحرب ولا يحب العنف! فقد كذّب الواقع ادعاء التحضر وظهرت مقدمات الحرب الأهلية بالفعل في اشتباكات قبلية بالولاية الشمالية قبل أيام.. والحقيقة.. إستثناء الشمال من الصراعات.. فقط لأن المركز لم ينشر السلاح فيه، لا لغياب قابلية العنف هناك..
هذا السلاح متى ما تم نشره وفق سياسة تسليح الشعب تحت أي مسمى في أي جغرافيا من السودان ستشهد ما شهدته دارفور وكردفان من حروب أهلية ظاهرها أسباب تافهة.. وربما بانتشار السلاح في جغرافيات لم تعرف الحرب ولا السلاح ستقوم حروب أهلية لأسباب أتفه بكثير من تلك التي بدارفور.. فهذا الإنسان واحد وإن اختلفت الجغرافيا والفوارق هو وجود ونشر السلاح من عدمه..
وبسبب سياسة المؤسسة العسكرية والسياسة التي ورثت مؤسسات الاستعمار انتشرت الحرب بصورة أوضح في دارفور وكردفان بنشر الفتنة بجانب السلاح.. واليوم دارفور وكردفان تتعافى من الفتنة وسياسة فرق تسد بعد طرد الجيش واستخباراته، فمن يتحمل نتيجة نشر السلاح في الشمال وما المبرر الذي سيقولونه في حرب أهلية ظهرت رايات طليعتها قبل أيام، وما موقع التحضر بين فوهات البنادق..
إن الحل ليس في المزيد من المليشيات ولا في توزيع البنادق تحت أي اسم.. الحل في بناء مؤسسة عسكرية موحّدة محترفة، تحتكر السلاح وتبعد عن السياسة والتجارة والحكم، وتتفرغ لواجبها المقدس: حماية حدود البلاد والدفاع عن شعبها.
هنا يبرز الدور الذي يلعبه الدعم السريع اليوم، وقد أثبت أنه كسر ظهر سياسات المركز القديمة، وطرد استخبارات الفتنة من دارفور، ووحد جهود السلاح الذي كان يُستخدم لتقسيم الناس.. ودعمنا لهذه الجهود ليس انحيازًا أعمى، بل إيمانًا بأن وحدة السلاح بيد جيش وطني محترف هو الطريق الوحيد لوحدة البلاد وسلامها..
لا يمكن أن نبني دولة على بنادق موزعة بين القبائل، ولا على جيوش صغيرة مرهونة للسياسيين. هذه الوصفة مجربة ومفعولها قد أحرق السودان من أطرافه.. المطلوب اليوم هو جيش واحد، عقيدته حماية الوطن، لا حماية السلطة..





