رأي

✍️ *عادل ود سهل يكتب…* ‏*السودان، ذلك الفردوس المفقود…*

  *الجزء الثاني ( 2 / 2 )*

‏*حكاية الماضي التليد بين “نورة حميد ” وآفاق المجد الموعود*

‏*حين كان السودان يصدّر العلم… لا أبناءه:*

‏هناك لحظة في تاريخ الأمم لا تقاس فيها قوة الدولة بعدد جنودها، ولا باتساع حدودها، ولا بحجم اقتصادها.

‏تقاس بشيء آخر.

‏*بالإنسان الذي تستطيع أن تصنعه.*

‏*والسودان، في سنواتٍ كثيرة من تاريخه، كان يصنع الإنسان*.

‏كان يخرج من مدنه وقراه ومدارسه وجامعاته رجالاً ونساءً حملوا العلم إلى أماكن بعيدة، وتركوا وراءهم أثراً يتجاوز حدود الوطن.

‏لم يكن السودان يومها دولةً غنية بالمال.

‏ولم تكن إمكاناته تقارن بإمكانات كثير من البلدان التي ذهب إليها أبناؤه.

‏لكن كان لديه شيء آخر…

‏*كان لديه الإنسان.*

‏*وكان ذلك الإنسان يعرف أن العلم طريقه.*

‏فخرج الطبيب من السودان.

‏وخرج المعلم.

‏وخرج المهندس.

‏وخرج القاضي.

‏وخرج الأكاديمي.

‏وخرج العالم.

‏وخرج الكاتب والمفكر.

‏ثم ذهب هؤلاء إلى العالم، لا بوصفهم لاجئين يبحثون عن مكانٍ ينامون فيه، ولا بوصفهم غرباء يبحثون عن وطنٍ بديل.

‏*كانوا يذهبون وهم يحملون سمعة السودان.*

‏وكان اسم السودان، في كثير من الأحيان، يسبق أسماءهم.

‏*ولعل واحدة من أجمل صور السودان القديم أن تجد سودانياً في بلدٍ بعيد، فيقول له الناس:*

‏*أنت سوداني؟*

‏ثم تبتسم الذاكرة.

‏*لأن كلمة «سوداني» لم تكن تحتاج دائماً إلى شرح طويل.*

‏*كان وراءها شيء من الثقة.*

‏*شيء من الاحترام.*

‏*شيء من الصورة التي صنعها آلاف السودانيين قبل ذلك الرجل*.

‏وهنا نستطيع أن نفهم معنى الدبلوماسية الشعبية التي تحدثنا عنها في صدر هذا المقال.

‏فالدبلوماسية لم تكن فقط في السفارات.

‏كانت في *الطبيب الذي أنقذ حياة إنسان*.

‏وفي *المعلم الذي علّم طفلاً*.

‏وفي *المهندس الذي شارك في بناء مدينة*.

‏وفي *الأستاذ الجامعي الذي خرج من قاعة محاضرته ليترك وراءه جيلاً من الطلاب*.

‏وفي *الباحث الذي أضاف شيئاً جديداً إلى المعرفة*.

‏*كل واحد من هؤلاء كان يقول للعالم، دون أن يقف خلف منصة:* *هذا هو السودان.*

‏وهنا يبرز أمامنا تاريخ طويل من العلماء والأكاديميين السودانيين الذين خرجوا من هذه الأرض إلى العالم، وبعضهم لم يكتفِ بالنجاح في الخارج، بل ترك أثراً علمياً ومؤسسياً ظل قائماً بعده.

‏كان بينهم علماء وأطباء وأساتذة جامعات عملوا في مؤسسات علمية وطبية داخل السودان وخارجه، وشاركوا في بناء أجيال من المتخصصين.

‏لكن القضية ليست في اسم واحد.

‏ولا في عشرة أسماء.

‏ولا حتى في مئة اسم.

‏*القضية أن ظاهرة الإنسان السوداني المتعلم لم تكن استثناءً*.

‏كانت جزءاً من شخصية المجتمع نفسه.

‏*كان السودانيون، في كثير من البيوت، يتعاملون مع التعليم باعتباره واحداً من أعظم أبواب الخلاص.*

‏*وكانت الأم السودانية تقول لابنها:* *اقرأ.*

‏وكان الأب، حتى عندما لا يملك الكثير، يحاول أن يفتح لابنه طريق المدرسة.

‏وكانت القرية الصغيرة يمكن أن تفرح لأن واحداً من أبنائها أصبح طبيباً.

‏وكان الحي كله يحتفل لأن فتاةً منه دخلت الجامعة.

‏كان التعليم، في الوعي السوداني، أكثر من وظيفة.

‏كان *كرامة*.

‏وكان *طريقاً إلى المستقبل*.

‏ولهذا لم يكن غريباً أن تجد الطبيب السوداني في مستشفى عربي أو إفريقي.

‏ولا المعلم السوداني في مدرسة بعيدة.

‏ولا الأستاذ السوداني في جامعة خارج البلاد.

‏ولا المهندس السوداني في مشروع كبير.

‏ولا القاضي السوداني في مؤسسة قضائية.

‏كانوا يذهبون إلى العالم…

‏*والعالم كان يحتاج إليهم.*

‏وهذه حقيقة تستحق أن نتوقف عندها.

‏*لم يكن السوداني يخرج دائماً لأنه لا يجد قيمةً لعلمه في وطنه.*

‏*كان يخرج أحياناً لأن العالم كان يعرف قيمة ذلك العلم.*

‏وهكذا حدث شيء جميل في تاريخ السودان:

‏*تحولت الهجرة أحياناً إلى امتداد للرسالة السودانية.*

‏ذهب المعلم…

‏فعلم.

‏ذهب الطبيب…

‏فداوى.

‏ذهب المهندس…

‏فبنى.

‏ذهب الأكاديمي…

‏فعلّم وبحث.

‏ذهب الدبلوماسي…

‏فتحدث باسم وطنه.

‏ذهب العامل…

‏فأثبت أن السوداني يستطيع أن يعمل ويعطي أينما وجد.

‏*ولذلك كانت صورة السودان في الخارج تُبنى، في جزء كبير منها، بأيدي أبنائه.*

‏لكن شيئاً ما بدأ يتغير.

‏*ببطء.*

‏*ثم بصورة أسرع.*

‏لم تعد الهجرة دائماً اختياراً.

‏*بدأت تتحول إلى ضرورة*.

‏وهنا تغير معنى الرحيل.

‏في الماضي، كان السوداني يذهب إلى الخارج لأنه يريد أن يعمل، أو يدرس، أو يكتسب خبرة، ثم يعود.

‏*ثم جاء زمن أصبح فيه السؤال مختلفاً:* *هل أستطيع أن أجد حياةً هنا؟*

‏*ثم أصبح السؤال أشد قسوة: هل أستطيع أن أجد الأمان هنا؟*

‏*ثم:* *هل يستطيع أبنائي أن يعيشوا هنا؟*

‏وهكذا تحول السفر من نافذةٍ إلى المستقبل…

‏*إلى بابٍ للهروب من الحاضر.*

‏وهذه واحدة من أكثر التحولات إيلاماً في قصة السودان.

‏*لأن الوطن الذي كان يرسل أبناءه إلى العالم ليضيفوا إليه، بدأ يرسلهم إلى العالم لأنهم لم يجدوا فيه ما يكفيهم.*

‏*بل كان السودان يصدّر العلم… لا أبناءه.*

‏فقد أرسل الطبيب الذي أنقذ حياة إنسان، والمعلم الذي فتح لطفلٍ باب المعرفة، والمهندس الذي شارك في بناء مدينة، والأستاذ الجامعي الذي ترك وراءه أجيالاً من الطلاب.

‏أما اليوم، فإن كثيراً من أبناء السودان يرحلون ولا يعرفون متى يعودون.

‏بعضهم خرج قبل الحرب.

‏وبعضهم خرج بسبب الحرب.

‏وبعضهم خرج قبل أن تبدأ الحرب بسنوات، لأنه شعر أن الطريق أمامه يضيق.

‏*وهكذا أصبح السودان لا يخسر الإنسان عندما يموت فقط.*

‏*أصبح يخسره عندما يرحل.*

‏وهذه خسارة لا تظهر دائماً في الإحصاءات.

‏فالطبيب الذي يغادر ليس مجرد طبيب غادر.

‏إنه سنوات من التعليم.

‏وساعات طويلة من التدريب.

‏وخبرة تراكمت.

‏ومرضى كان يمكن أن يعالجهم.

‏وطلاب كان يمكن أن يعلمهم.

‏ومؤسسة كان يمكن أن يبنيها.

‏والمهندس الذي يرحل ليس مجرد مهندس.

‏إنه مشروع لم يُبنَ.

‏ومدرسة لم تُشيد.

‏وطريق لم يُخطط.

‏ومصنع لم يُنشأ.

‏والأستاذ الذي يغادر ليس مجرد أستاذ.

‏*إنه جيل كامل كان يمكن أن يخرج من تحت يديه.*

‏*وهنا ندرك أن نزيف السودان الحقيقي ليس فقط في الدم.*

‏هناك نزيف آخر صامت.

‏نزيف العقول.

‏نزيف الخبرة.

‏نزيف الحلم.

‏*نزيف أولئك الذين كان يمكن أن يكونوا جزءاً من إعادة بناء الوطن.*

‏*وهذا النزيف ربما هو الأكثر خطورة.*

‏*لأن الحرب تنتهي يوماً.*

‏*لكن إذا انتهت الحرب ووجدنا أن أبناء السودان قد بنوا حياتهم في كل مكان إلا السودان، فمن سيبني السودان؟*

‏ومن سيعيد تشغيل مستشفياته؟

‏ومن سيعيد فتح جامعاته؟

‏ومن سيعيد بناء مدارسه؟

‏ومن سيعيد تشغيل مؤسساته؟

‏ومن سيعيد إلى السودان صوته؟

‏وهنا لا أريد أن أبدو متشائماً.

‏*بل العكس.*

‏*لأنني كلما فكرت في هؤلاء الذين خرجوا، رأيت فيهم دليلاً على إمكانية العودة*.

‏فالطبيب الذي تعلم في السودان ثم عمل في الخارج، لم يفقد سودانيته.

‏والأستاذ الذي بنى مسيرته في جامعة أجنبية، لم يفقد جذوره.

‏والمهندس الذي شارك في بناء مدن العالم، لا يزال يعرف من أين بدأ.

‏والعالم الذي نشر أبحاثه في مؤسسات دولية، لا يزال يحمل في داخله صورة المكان الذي خرج منه.

‏هؤلاء ليسوا خسارةً نهائية.

‏*هؤلاء يمكن أن يكونوا جزءاً من العودة.*

‏وهنا ربما تكون واحدة من أعظم فرص السودان بعد الحرب:

‏*أن يستعيد أبناءه لا بالشعارات…*

‏وإنما *بدولة تستحق أن يعودوا إليها*.

‏*دولة تحمي الإنسان.*

‏*وتحترم العلم.*

‏*وتكافئ الكفاءة.*

‏*وتفتح الطريق أمام المجتهد.*

‏ولا تسأل الطبيب عن قبيلته قبل أن تسأله عن تخصصه.

‏ولا تسأل الأستاذ عن منطقته قبل أن تسأله عما يستطيع أن يعلّم.

‏ولا تسأل المهندس عن ولائه السياسي قبل أن تسأله كيف سيبني الجسر.

‏ولا تسأل العالم عن أصله قبل أن تسأله ماذا يمكن أن يقدم لوطنه.

‏هنا فقط…

‏*يمكن أن تبدأ العودة.*

‏ليس عودة الطائرات فقط.

‏بل *عودة الإنسان*.

‏عودة الطبيب.

‏عودة العالم.

‏عودة المعلم.

‏عودة المهندس.

‏عودة الخبرة.

‏عودة الحلم.

‏*وربما عودة نورة نفسها…*

‏*إلى بيتٍ لا تضطر فيه المرأة إلى أن تحمل كل شيء وحدها.*

‏إلى وطنٍ لا يطلب من أبنائه أن يختاروا بين كرامتهم وبين سودانيتهم.

‏*إلى سودانٍ لا يرى في الإنسان مجرد رقمٍ في تعداد، ولا مجرد صوتٍ في انتخابات، ولا مجرد مقاتلٍ في حرب.*

‏*بل يراه كما يجب أن يكون: إنساناً.*

‏وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأنا به في أول المقال:

‏*ماذا حدث للسودان الذي كان له مكان بين الأمم؟*

‏ربما لم يختفِ تماماً.

‏ربما انتشر.

‏انتشر في أطباء السودان…

‏وفي علمائه…

‏وفي أساتذته…

‏وفي مهندسيه…

‏وفي معلميه…

‏*وفي أبنائه الذين يعيشون اليوم في مدن كثيرة حول العالم.*

‏*ربما السودان الذي نبحث عنه ليس مفقوداً تماماً.*

‏*ربما هو موزع في أبنائه.*

‏*وهذا هو الخبر الجميل وسط كل هذا الخراب.*

‏أن الوطن الذي ظننا أننا فقدناه…

‏*لا يزال موجوداً في الإنسان.*

‏ولهذا فإن مهمتنا بعد كل هذه السنوات ليست أن نبكي على السودان فقط.

‏*بل أن نجمع السودان من جديد*.

‏نجمعه من علمائه.

‏ومن أطبائه.

‏ومن معلميه.

‏ومن مزارعيه.

‏ومن نسائه.

‏ومن شبابه.

‏*ومن كل أولئك الذين حملوا اسمه، حتى عندما لم يستطع هو أن يحملهم.*

‏نجمعه من غربه وشرقه.

‏ومن شماله ووسطه.

‏ومن مدنه وقراه.

‏ومن قبائله وثقافاته ولغاته.

‏*ثم نقول لهم جميعاً: هذا وطنكم.*

‏لم يكن يوماً ملكاً لأحدكم وحده.

‏ولن يكون.

‏إنما هو لنا جميعاً.

‏وربما هنا تبدأ أولى علامات النهوض.

‏*حين يتوقف السوداني عن السؤال:* *من هو السوداني الحقيقي؟*

‏*ويبدأ في سؤال آخر:* *كيف نصنع السودان الذي يستحقه كل السودانيين؟*

‏عندها فقط…

‏لن يكون العالم هو الذي يستقبل أبناء السودان.

‏*سيكون السودان نفسه مستعداً لاستقبال أبنائه.*

‏وهنا…

‏نقترب من السؤال الأخير.

‏السؤال الذي لا يخص العلم وحده.

‏ولا الدبلوماسية وحدها.

‏ولا التعداد وحده.

‏*بل يخص السودان كله: كيف نعيد هؤلاء جميعاً إلى وطنٍ يستطيع أن يجمعهم؟*

‏وهذا هو السؤال الذي سيقودنا إلى الكلمة التي ربما تأخرنا كثيراً في فهمها:

‏*التعايش.*

‏*التعايش… ليس أن نحب بعضنا، بل أن نمنح بعضنا حق الحياة:*

‏*ربما وصلنا الآن إلى الكلمة التي ظل المقال كله يبحث عنها…*

‏دون أن نسميها.

‏كلمة تبدو بسيطة.

‏بل ربما بسيطة أكثر مما ينبغي.

‏*لكنها، في بلد مثل السودان، قد تكون أصعب كلمة في السياسة…*

‏*وأعمق كلمة في الحياة.*

‏*التعايش.*

‏*وأنا لا أقصد بالتعايش أن نحب بعضنا.*

‏*فالحب لا يمكن أن يكون قانوناً.*

‏*ولا يمكن للدولة أن تأمر الناس بأن يحبوا بعضهم.*

‏*ولا يمكن أن تطلب من إنسان أن يحب من يختلف معه في كل شيء.*

‏قد لا أحب قبيلتك.

‏وقد لا تحب قبيلتي.

‏قد أختلف مع فكرتك.

‏وقد ترفض فكرتي.

‏قد أصوت لغير حزبك.

‏وقد تعتبرني مخطئاً.

‏وقد تكون بيننا ذاكرة قديمة من الخصام.

‏كل ذلك يمكن أن يحدث.

‏*لكن شيئاً واحداً يجب ألا يحدث:*

‏*أن نعتقد أن اختلافنا يعطي أحدنا الحق في قتل الآخر.*

‏هنا يبدأ معنى التعايش الحقيقي.

‏التعايش ليس أن نتفق.

‏التعايش أن نختلف…

‏دون أن نقتل بعضنا.

‏أن نختلف…

‏دون أن نحرق بيوت بعضنا.

‏دون أن نطرد بعضنا من الأرض.

‏دون أن نحول اسم القبيلة إلى تهمة.

‏ودون أن يصبح لون البشرة أو اللهجة أو المنطقة سبباً في أن يفقد الإنسان حقه في الحياة.

‏*التعايش ليس فضلاً نمنحه للآخر.*

‏إنه حق متبادل.

‏أنا أحتاجه منك…

‏وأنت تحتاجه مني.

‏والدولة هي التي يجب أن تحميه لنا جميعاً.

‏*وهنا ربما نكتشف شيئاً بالغ الأهمية: السودان لا يحتاج إلى أن يصبح متشابهاً حتى ينهض.*

‏لا يحتاج المسيري إلى أن يصبح فورياً.

‏ولا المسلاتي إلى أن يصبح زغاوياً.

‏ولا النوبي إلى أن يتخلى عن نوبيته.

‏ولا الفور إلى أن ينسى تاريخه.

‏ولا المجانين إلى أن يثبتوا سودانيتهم لأحد.

‏*ولا أي سوداني إلى أن يتخلى عن جذوره حتى يصبح مواطناً.*

‏السودان يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:

‏*أن يصبح عادلاً.*

‏أن يشعر الإنسان أن الدولة تقف فوق الجميع.

‏لا مع القبيلة الأقوى.

‏ولا مع الحزب الأقرب.

‏ولا مع صاحب السلاح.

‏ولا مع صاحب المال.

‏وأن يكون القانون هو اللغة التي يفهمها الجميع.

‏وأن تكون المواطنة هي الصفة التي تسبق كل الصفات الأخرى.

‏*هنا فقط…*

‏يمكن للتعدد أن يتحول من خوف إلى قوة.

‏فالسودان لم يكن فقيراً في التنوع.

‏كان غنياً به.

‏*لكننا لم ننجح دائماً في إدارة هذه الثروة.*

‏أحياناً تركنا القبيلة تقوم مقام الدولة.

 

‏وأحياناً تركنا الحزب يقوم مقام الوطن.

 

‏وأحياناً تركنا السلاح يقوم مقام القانون.

 

‏وأحياناً تركنا الجغرافيا تحدد قيمة الإنسان.

 

‏*حتى وصلنا إلى اللحظة الأكثر خطراً: أن يبدأ السوداني في النظر إلى السوداني الآخر باعتباره غريباً.*

 

‏وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الوطن نفسه غريباً عن أبنائه.

 

‏لأن الوطن لا يسقط عندما تخسر الحكومة.

 

‏ولا يسقط فقط عندما تنهار المؤسسات.

 

‏*الوطن يبدأ بالسقوط حين يفقد الناس ثقتهم في أنهم جميعاً ينتمون إليه بالقدر نفسه.*

 

‏وحين يشعر إنسان أن هذا السودان ليس سودانه…

 

‏وحين يشعر آخر أن السودان ملكه وحده…

 

‏*تبدأ الكارثة.*

 

‏ولهذا فإن المعركة الحقيقية بعد كل هذا الخراب ليست فقط مع آثار الحرب.

 

‏*ستكون مع الفكرة التي أنتجت الحرب.*

 

‏فالبندقية يمكن أن تصمت.

 

‏*لكن الفكرة التي دفعتها إلى إطلاق النار قد تبقى.*

 

‏والبيت يمكن أن يُبنى.

 

‏*لكن الكراهية التي هدمت البيت يمكن أن تعود وتهدمه مرة أخرى.*

 

‏والطريق يمكن أن يُعبد.

 

‏*لكن إذا ظل الناس ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم أعداء، فلن يقود الطريق إلى وطن.*

 

‏سيكون مجرد طريقٍ فوق أرضٍ مكسورة.

 

‏ولهذا فإن السودان الذي نريده بعد الحرب، لا ينبغي أن يكون مجرد سودان بلا حرب.

 

‏*نريد سوداناً بلا الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة.*

 

‏وهذا فرق هائل.

 

‏نريد دولة تستطيع أن تقول للمواطن:

 

‏أنت آمن.

 

‏أرضك آمنة.

 

‏بيتك آمن.

 

‏اسمك آمن.

 

‏قبيلتك ليست تهمة.

 

‏لهجتك ليست تهمة.

 

‏لونك ليس تهمة.

 

‏منطقتك ليست تهمة.

 

‏*وأن تكون سودانياً يكفي.*

 

‏يكفي لكي تكون لك مدرسة.

 

‏ومستشفى.

 

‏وقانون.

 

‏وكرامة.

 

‏وصوت.

 

‏ومستقبل.

 

‏وهنا ربما نحتاج إلى إعادة تعريف كلمة *”الوطن.”*

 

‏الوطن ليس الأرض فقط.

 

‏فالأرض يمكن أن تبقى…

 

‏بينما يضيع الوطن.

 

‏*الوطن هو العلاقة بين الإنسان والأرض والدولة والآخر.*

 

‏أن تشعر أنك تستطيع أن تمشي في أرض السودان دون أن يسألك أحد:

 

‏من أنت؟

 

‏من قبيلتك؟

 

‏من منطقتك؟

 

‏من أين أتيت؟

 

‏*لأن السؤال الأهم يجب أن يكون: كيف نحميك؟*

 

‏وهذه هي الدولة التي نحتاجها.

 

‏دولة لا تسأل المواطن ماذا يمكن أن يقدم لها قبل أن تمنحه حقوقه.

 

‏بل تمنحه حقه أولاً…

 

‏ثم تطلب منه واجبه.

 

‏وهنا أعود إلى الوثيقة التي مررنا بها.

 

‏إلى تلك الأسماء القديمة.

 

‏إلى السودان الذي كان يعرف أن هؤلاء جميعاً موجودون.

 

‏لم تكن الدولة يومها مطالبة بأن تجعلهم متشابهين.

 

‏كانت مطالبة بأن تعرفهم…

 

‏وتسجلهم…

 

‏وتحمي وجودهم…

 

‏وتمنحهم مكاناً في الوطن.

 

‏واليوم، بعد أكثر من سبعين عاماً، ربما يكون السؤال نفسه لا يزال قائماً:

 

‏*هل نستطيع أن نفعل ذلك من جديد؟*

 

‏*أعتقد أننا نستطيع.*

 

‏*بل أعتقد أننا لا نملك خياراً آخر*.

 

‏لأن البديل ليس انتصار قبيلة على قبيلة.

 

‏ولا انتصار إقليم على إقليم.

 

‏ولا انتصار حزب على حزب.

 

‏*البديل هو أن نخسر جميعاً.*

 

‏وقد خسرنا بما يكفي.

 

‏نزفنا بما يكفي.

 

‏بكينا بما يكفي.

 

‏وهجرنا بما يكفي.

 

‏*ودفنّا من الأحبة ما يكفي، لكي نفهم أخيراً أن السودان لا يمكن أن يكون وطناً إذا ظل كل واحد منا يحاول أن يثبت أنه الأكثر سودانية.*

 

‏السودان ليس مسابقة.

 

‏ولا شهادة تمنحها جماعة لجماعة.

 

‏*السودان بيت.*

 

‏*وكل بيت كبير لا بد أن يسكنه المختلفون.*

 

‏فيه الكبير والصغير.

 

‏والغني والفقير.

 

‏والمدينة والقرية.

 

‏والفلاح والأستاذ.

 

‏والطبيب والراعي.

 

‏والنوبي والفور.

 

‏والبجاوي والمساليت.

 

‏والمسيري والمجانين.

 

‏والجعلي والشايقي والدنقلاوي والرفاعي والكناني…

 

‏وغيرهم كثير…

 

‏ليس مطلوباً من هؤلاء أن يصبحوا واحداً.

 

‏المطلوب أن يعرفوا أنهم أهل بيت واحد.

 

‏وهنا ربما تكون الكلمة التي تأخرنا كثيراً في فهمها:

 

‏*التعايش ليس أن نتنازل عن هويتنا.*

 

‏*بل أن نمنح الآخر الحق نفسه في أن يحتفظ بهويته.*

 

‏ليس أن ننسى جراحنا.

 

‏بل ألا نحول جراحنا إلى ميراثٍ نوزعه على أبنائنا.

 

‏ليس أن نقول إن الماضي لم يحدث.

 

‏بل أن نتعلم منه حتى لا يصبح المستقبل نسخةً أخرى منه.

 

‏*وليس التعايش أن نطلب من أمٍ فقدت ابنها أن تنسى.*

 

‏*ولا من إنسانٍ هُجّر من بيته أن يتظاهر بأن شيئاً لم يحدث.*

 

‏العدالة ضرورية.

 

‏والحقيقة ضرورية.

 

‏والمحاسبة ضرورية.

 

‏لكن كل ذلك لا يكتمل إلا إذا كان الهدف في النهاية:

 

‏أن يصبح السودان مكاناً يستطيع فيه أبناء القتيل…

 

‏وأبناء الناجي…

 

‏وأبناء المهجّر…

 

‏وأبناء من كانوا على طرفي الحرب…

 

‏*أن يعيشوا يوماً تحت سقف دولة واحدة.*

 

‏هذه ليست رومانسية.

 

‏هذه هي الضرورة.

 

‏*لأننا إذا لم نفعل ذلك، فسنظل ننتظر حرباً أخرى.*

 

‏قد تبدأ باسم آخر.

 

‏وبسلاح آخر.

 

‏وبشعار آخر.

 

‏*لكنها ستكون الحرب نفسها.*

 

‏ولهذا فإن النهوض الحقيقي ليس أن نعيد بناء الخرطوم فقط.

 

‏ولا أن نعيد فتح الطرق.

 

‏ولا أن نعيد تشغيل المصانع.

 

‏ولا أن نعيد الكهرباء والماء.

 

‏كل ذلك مهم.

 

‏لكن هناك بناءً أعظم:

 

‏*أن نعيد بناء الإنسان السوداني من الداخل.*

 

‏أن نعيد إليه ثقته في الآخر.

 

‏وثقته في الدولة.

 

‏وثقته في نفسه.

 

‏*وأن نقول له: يمكنك أن تكون ما أنت عليه…*

 

‏دون أن تخاف.

 

‏يمكنك أن تحب قبيلتك…

 

‏دون أن تكره قبيلة غيرك.

 

‏يمكنك أن تعتز بمنطقتك…

 

‏دون أن تحتقر منطقة أخرى.

 

‏يمكنك أن تختلف سياسياً…

 

‏دون أن تصبح عدواً.

 

‏يمكنك أن تكون سودانياً…

 

‏دون أن تضطر إلى الاعتذار عن سودانيتك.

 

‏وهنا ربما نصل إلى المعنى الأعمق لكل ما كتبناه في هذا المقال.

 

‏*نورة التي بدأت منها الحكاية…*

 

‏لم تكن وحدها.

 

‏*كان خلفها السودان كله.*

 

‏ذلك الإنسان الذي ظل يحمل البيت.

 

‏ويحمل الأسرة.

 

‏ويحمل الأرض.

 

‏ويحمل اللبن.

 

‏ويحمل المنجل.

 

‏*ويحمل الوطن…*

 

‏حتى عندما لم يجد من يحمل عنه شيئاً.

 

‏*وربما كان السودان نفسه مثل نورة.*

 

‏*ظل يحملنا جميعاً…*

 

‏بينما كنا نختلف حول من يملك الحق في أن يعيش فيه.

 

‏وهذا هو الدرس الذي يجب ألا نضيعه.

 

‏السودان لم يكن يحتاج منا أن نكون متشابهين.

 

‏كان يحتاج منا أن نكون عادلين.

 

‏وأن نكون رحماء.

 

‏وأن نفهم أن الوطن أكبر من القبيلة…

 

‏وأبقى من الحزب…

 

‏وأغلى من السلطة…

 

‏وأهم من البندقية.

 

‏وأن الإنسان…

 

‏قبل كل شيء…

 

‏*إنسان.*

 

‏ولهذا، إذا كان هذا المقال قد بدأ بسؤال:

 

‏*”ما عرفتِن نورة إنتن؟”*

 

‏*فربما لم نكن نعرف، في الحقيقة، ماذا كانت تعني لنا نورة.*

 

‏*كنا نظن أننا نبحث عن امرأة في قصيدة.*

 

‏*ثم اكتشفنا أننا نبحث عن وطن.*

 

‏*كنا نظن أننا نقلب صفحات الماضي.*

 

‏*ثم اكتشفنا أننا نقلب صفحات أنفسنا.*

 

‏*كنا نظن أننا نبحث عن السودان الذي ضاع.*

 

‏*ثم اكتشفنا أن السودان لم يضع كله.*

 

‏*بعضه ما زال فينا.*

 

‏وفي الطبيب الذي لم ينسَ بلده.

 

‏وفي المعلم الذي ما زال يحلم بمدرسة تفتح أبوابها.

 

‏وفي العالم الذي يحمل اسم السودان إلى قاعة علم في مكان بعيد.

 

‏وفي الأم التي لا تزال تقول لابنها:

 

‏اقرأ.

 

‏وفي المزارع الذي يزرع أرضه رغم كل شيء.

 

‏*وفي الشاب الذي، رغم الحرب، لا يزال يتخيل يوماً يعود فيه إلى بيته.*

 

‏وهنا…

 

‏*ربما لا يكون السؤال: هل سيعود السودان؟*

 

‏*بل: متى نبدأ نحن في إعادته؟*

 

‏وعند هذه النقطة، أظن أن المقال يجب أن يتوقف…

 

‏*لا لأن الحكاية انتهت.*

 

‏*بل لأن الحكاية الحقيقية تبدأ من هنا*.

 

‏*ختاماً: ما عرفتِن نورة إنتن؟*

 

‏*ربما عرفناها الآن…*

 

‏*أو ربما بدأنا فقط نعرفها.*

 

‏*لأننا لم نكن نعرفها كما ينبغي… إلا حين رأينا وجه الوطن في عينيها.*

 

‏عرفنا أنها ليست امرأةً واحدة.

 

‏وليست قصيدةً واحدة.

 

‏وليست صورةً معلقةً في ذاكرة شاعر.

 

‏*نورة لم تكن امرأةً من طين ودم وحسب، ولا قصيدةً حبسها شاعرٌ في دفتره.*

 

‏كانت هي السودان ذاته…

 

‏صابرةً كالأرض، معطاءةً كالنيل، حزينةً كالموال، تحمل الفجائع ولا تنكسر…

 

‏ثم تظل باسقة كالنخلة رغم انحناء التاريخ.

 

‏كانت شيئاً أكبر.

 

‏كانت امرأةً تشبه السودان.

 

‏تحمل كثيراً…

 

‏وتعطي كثيراً…

 

‏وتتعب كثيراً…

 

‏ثم تظل واقفة.

 

‏*ولهذا، حين نظرنا إلى السودان الذي كان، لم نجد فردوساً بلا عيوب.*

 

‏لم نكن نتباكى على أوهام أو نبحث عن فردوسٍ أسطوري.

 

‏بل تذكرنا وطناً حياً كان يحاول…

 

‏وطناً كان له صوتٌ يملأ الفضاء.

 

‏وله علماء.

 

‏وله أطباء.

 

‏وله معلمون.

 

‏وله دبلوماسيون.

 

‏كانوا يزرعون النور.

 

‏*وله شعب يعرف كيف يعيش رغم اختلافه.*

 

‏شعبٌ يعرف كيف يحول الاختلاف إلى مأدبةٍ للتعايش.

 

‏صحيحٌ أن الفجيعة كانت أكبر من الاحتمال…

 

‏*ثم ضاعت أشياء كثيرة.*

 

‏*ضاع الجنوب، وجُرحت الخرطوم*، *وضاعت مدن وقرى وبيوت.*

 

‏وتناثرت الأعمار في أشتات المنافي.

 

‏*وضاع كثير من أبنائه أنفسهم في المنافي.*

 

‏لكن شيئاً واحداً لم يضع تماماً.

 

‏وروح الوطن ظلّت عصيةً على الضياع… حيةً في جمرةٍ لم تطفأ قط:

 

‏الرغبة الصلبة في العودة والنهوض.

 

‏*وربما لهذا…*

 

‏*لن أختم هذه السطور بالبكاء، لقد بكينا بما يكفي، حتى جفت المآقي.*

 

‏*ولن أختمها بالغضب، فالغضب حريقٌ لا يبني حجراً في دار الوطن.*

 

‏*ولن ألوذ بالحنين الساكن، فالحنين بكاءٌ على الأطلال لا يسترد ما تساقط من أيدينا، ولا يعيد ما ذهب.*

 

‏*أريد أن أختمها بشيء أقوى وأبقى.*

 

‏أريد أن أختمها باليقين…

 

‏*نعم باليقين.*

 

‏يقينٍ قاطع بأن هذا الوطن، مهما أثخنته الجراح، لم يقل كلمته الأخيرة بعد.

 

‏وأن السودان الذي أوجعنا فقده.

 

‏وأن السودان الذي عرفناه…

 

‏والسودان الذي نحلم به…

 

‏والسودان الذي نغزل أحلامنا من أجله…

 

‏قد يلتقون يوماً في مكان واحد.

 

‏*سيلتقيان غداً هناك عند مجرى الضوء.*

 

‏حيث يسترد الإنسان آدميته بلا عصبية.

 

‏ولا يسأل السوداني أخاه: “من أي قبيلةٍ أنت؟”.

 

‏بل يمد يده ليقول: “كيف حالك يا أخي؟”.

 

‏*وهناك…*

 

‏حيث لا يحتاج الإنسان لوثيقةٍ ليثبت سودانيته.

 

‏بل يكفي نبض قلبه الذي يقول.

 

‏*أنا سوداني… أنا، وكل ارجائه لنا وطنٌ.*

 

‏*وهناك…*

 

‏*حيث تستطيع “نورة” أخيراً أن تضع ما حملته طويلاً على الأرض…*

 

‏أن تضع أثقال سنوات الصبر عن كاهلها… وتستريح.

 

‏ربما عندها فقط…

 

‏*نعرف حقاً:*

 

‏*ما عرفتِن نورة إنتن؟*

 

‏ونعرف أيضاً…

 

‏*أن الفردوس الذي ظنناه مفقوداً…*

 

‏*لم يكن قد اختفى تماماً.*

 

‏*كان ينتظرنا فقط…*

 

‏*أن نعرف الطريق إليه.*

 

 

 

‏✍️ *عادل ود سهل*

‏*الدوحة – الاثنين 24 أغسطس 2026*

.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى