*حكاية الماضي التليد بين “نورة حميد ” وآفاق المجد الموعود*
*حين كان السودان يصدّر العلم… لا أبناءه:*
هناك لحظة في تاريخ الأمم لا تقاس فيها قوة الدولة بعدد جنودها، ولا باتساع حدودها، ولا بحجم اقتصادها.
تقاس بشيء آخر.
*بالإنسان الذي تستطيع أن تصنعه.*
*والسودان، في سنواتٍ كثيرة من تاريخه، كان يصنع الإنسان*.
كان يخرج من مدنه وقراه ومدارسه وجامعاته رجالاً ونساءً حملوا العلم إلى أماكن بعيدة، وتركوا وراءهم أثراً يتجاوز حدود الوطن.
لم يكن السودان يومها دولةً غنية بالمال.
ولم تكن إمكاناته تقارن بإمكانات كثير من البلدان التي ذهب إليها أبناؤه.
لكن كان لديه شيء آخر…
*كان لديه الإنسان.*
*وكان ذلك الإنسان يعرف أن العلم طريقه.*
فخرج الطبيب من السودان.
وخرج المعلم.
وخرج المهندس.
وخرج القاضي.
وخرج الأكاديمي.
وخرج العالم.
وخرج الكاتب والمفكر.
ثم ذهب هؤلاء إلى العالم، لا بوصفهم لاجئين يبحثون عن مكانٍ ينامون فيه، ولا بوصفهم غرباء يبحثون عن وطنٍ بديل.
*كانوا يذهبون وهم يحملون سمعة السودان.*
وكان اسم السودان، في كثير من الأحيان، يسبق أسماءهم.
*ولعل واحدة من أجمل صور السودان القديم أن تجد سودانياً في بلدٍ بعيد، فيقول له الناس:*
*أنت سوداني؟*
ثم تبتسم الذاكرة.
*لأن كلمة «سوداني» لم تكن تحتاج دائماً إلى شرح طويل.*
*كان وراءها شيء من الثقة.*
*شيء من الاحترام.*
*شيء من الصورة التي صنعها آلاف السودانيين قبل ذلك الرجل*.
وهنا نستطيع أن نفهم معنى الدبلوماسية الشعبية التي تحدثنا عنها في صدر هذا المقال.
فالدبلوماسية لم تكن فقط في السفارات.
كانت في *الطبيب الذي أنقذ حياة إنسان*.
وفي *المعلم الذي علّم طفلاً*.
وفي *المهندس الذي شارك في بناء مدينة*.
وفي *الأستاذ الجامعي الذي خرج من قاعة محاضرته ليترك وراءه جيلاً من الطلاب*.
وفي *الباحث الذي أضاف شيئاً جديداً إلى المعرفة*.
*كل واحد من هؤلاء كان يقول للعالم، دون أن يقف خلف منصة:* *هذا هو السودان.*
وهنا يبرز أمامنا تاريخ طويل من العلماء والأكاديميين السودانيين الذين خرجوا من هذه الأرض إلى العالم، وبعضهم لم يكتفِ بالنجاح في الخارج، بل ترك أثراً علمياً ومؤسسياً ظل قائماً بعده.
كان بينهم علماء وأطباء وأساتذة جامعات عملوا في مؤسسات علمية وطبية داخل السودان وخارجه، وشاركوا في بناء أجيال من المتخصصين.
لكن القضية ليست في اسم واحد.
ولا في عشرة أسماء.
ولا حتى في مئة اسم.
*القضية أن ظاهرة الإنسان السوداني المتعلم لم تكن استثناءً*.
كانت جزءاً من شخصية المجتمع نفسه.
*كان السودانيون، في كثير من البيوت، يتعاملون مع التعليم باعتباره واحداً من أعظم أبواب الخلاص.*
*وكانت الأم السودانية تقول لابنها:* *اقرأ.*
وكان الأب، حتى عندما لا يملك الكثير، يحاول أن يفتح لابنه طريق المدرسة.
وكانت القرية الصغيرة يمكن أن تفرح لأن واحداً من أبنائها أصبح طبيباً.
وكان الحي كله يحتفل لأن فتاةً منه دخلت الجامعة.
كان التعليم، في الوعي السوداني، أكثر من وظيفة.
كان *كرامة*.
وكان *طريقاً إلى المستقبل*.
ولهذا لم يكن غريباً أن تجد الطبيب السوداني في مستشفى عربي أو إفريقي.
ولا المعلم السوداني في مدرسة بعيدة.
ولا الأستاذ السوداني في جامعة خارج البلاد.
ولا المهندس السوداني في مشروع كبير.
ولا القاضي السوداني في مؤسسة قضائية.
كانوا يذهبون إلى العالم…
*والعالم كان يحتاج إليهم.*
وهذه حقيقة تستحق أن نتوقف عندها.
*لم يكن السوداني يخرج دائماً لأنه لا يجد قيمةً لعلمه في وطنه.*
*كان يخرج أحياناً لأن العالم كان يعرف قيمة ذلك العلم.*
وهكذا حدث شيء جميل في تاريخ السودان:
*تحولت الهجرة أحياناً إلى امتداد للرسالة السودانية.*
ذهب المعلم…
فعلم.
ذهب الطبيب…
فداوى.
ذهب المهندس…
فبنى.
ذهب الأكاديمي…
فعلّم وبحث.
ذهب الدبلوماسي…
فتحدث باسم وطنه.
ذهب العامل…
فأثبت أن السوداني يستطيع أن يعمل ويعطي أينما وجد.
*ولذلك كانت صورة السودان في الخارج تُبنى، في جزء كبير منها، بأيدي أبنائه.*
لكن شيئاً ما بدأ يتغير.
*ببطء.*
*ثم بصورة أسرع.*
لم تعد الهجرة دائماً اختياراً.
*بدأت تتحول إلى ضرورة*.
وهنا تغير معنى الرحيل.
في الماضي، كان السوداني يذهب إلى الخارج لأنه يريد أن يعمل، أو يدرس، أو يكتسب خبرة، ثم يعود.
*ثم جاء زمن أصبح فيه السؤال مختلفاً:* *هل أستطيع أن أجد حياةً هنا؟*
*ثم أصبح السؤال أشد قسوة: هل أستطيع أن أجد الأمان هنا؟*
*ثم:* *هل يستطيع أبنائي أن يعيشوا هنا؟*
وهكذا تحول السفر من نافذةٍ إلى المستقبل…
*إلى بابٍ للهروب من الحاضر.*
وهذه واحدة من أكثر التحولات إيلاماً في قصة السودان.
*لأن الوطن الذي كان يرسل أبناءه إلى العالم ليضيفوا إليه، بدأ يرسلهم إلى العالم لأنهم لم يجدوا فيه ما يكفيهم.*
*بل كان السودان يصدّر العلم… لا أبناءه.*
فقد أرسل الطبيب الذي أنقذ حياة إنسان، والمعلم الذي فتح لطفلٍ باب المعرفة، والمهندس الذي شارك في بناء مدينة، والأستاذ الجامعي الذي ترك وراءه أجيالاً من الطلاب.
أما اليوم، فإن كثيراً من أبناء السودان يرحلون ولا يعرفون متى يعودون.
بعضهم خرج قبل الحرب.
وبعضهم خرج بسبب الحرب.
وبعضهم خرج قبل أن تبدأ الحرب بسنوات، لأنه شعر أن الطريق أمامه يضيق.
*وهكذا أصبح السودان لا يخسر الإنسان عندما يموت فقط.*
*أصبح يخسره عندما يرحل.*
وهذه خسارة لا تظهر دائماً في الإحصاءات.
فالطبيب الذي يغادر ليس مجرد طبيب غادر.
إنه سنوات من التعليم.
وساعات طويلة من التدريب.
وخبرة تراكمت.
ومرضى كان يمكن أن يعالجهم.
وطلاب كان يمكن أن يعلمهم.
ومؤسسة كان يمكن أن يبنيها.
والمهندس الذي يرحل ليس مجرد مهندس.
إنه مشروع لم يُبنَ.
ومدرسة لم تُشيد.
وطريق لم يُخطط.
ومصنع لم يُنشأ.
والأستاذ الذي يغادر ليس مجرد أستاذ.
*إنه جيل كامل كان يمكن أن يخرج من تحت يديه.*
*وهنا ندرك أن نزيف السودان الحقيقي ليس فقط في الدم.*
هناك نزيف آخر صامت.
نزيف العقول.
نزيف الخبرة.
نزيف الحلم.
*نزيف أولئك الذين كان يمكن أن يكونوا جزءاً من إعادة بناء الوطن.*
*وهذا النزيف ربما هو الأكثر خطورة.*
*لأن الحرب تنتهي يوماً.*
*لكن إذا انتهت الحرب ووجدنا أن أبناء السودان قد بنوا حياتهم في كل مكان إلا السودان، فمن سيبني السودان؟*
ومن سيعيد تشغيل مستشفياته؟
ومن سيعيد فتح جامعاته؟
ومن سيعيد بناء مدارسه؟
ومن سيعيد تشغيل مؤسساته؟
ومن سيعيد إلى السودان صوته؟
وهنا لا أريد أن أبدو متشائماً.
*بل العكس.*
*لأنني كلما فكرت في هؤلاء الذين خرجوا، رأيت فيهم دليلاً على إمكانية العودة*.
فالطبيب الذي تعلم في السودان ثم عمل في الخارج، لم يفقد سودانيته.
والأستاذ الذي بنى مسيرته في جامعة أجنبية، لم يفقد جذوره.
والمهندس الذي شارك في بناء مدن العالم، لا يزال يعرف من أين بدأ.
والعالم الذي نشر أبحاثه في مؤسسات دولية، لا يزال يحمل في داخله صورة المكان الذي خرج منه.
هؤلاء ليسوا خسارةً نهائية.
*هؤلاء يمكن أن يكونوا جزءاً من العودة.*
وهنا ربما تكون واحدة من أعظم فرص السودان بعد الحرب:
*أن يستعيد أبناءه لا بالشعارات…*
وإنما *بدولة تستحق أن يعودوا إليها*.
*دولة تحمي الإنسان.*
*وتحترم العلم.*
*وتكافئ الكفاءة.*
*وتفتح الطريق أمام المجتهد.*
ولا تسأل الطبيب عن قبيلته قبل أن تسأله عن تخصصه.
ولا تسأل الأستاذ عن منطقته قبل أن تسأله عما يستطيع أن يعلّم.
ولا تسأل المهندس عن ولائه السياسي قبل أن تسأله كيف سيبني الجسر.
ولا تسأل العالم عن أصله قبل أن تسأله ماذا يمكن أن يقدم لوطنه.
هنا فقط…
*يمكن أن تبدأ العودة.*
ليس عودة الطائرات فقط.
بل *عودة الإنسان*.
عودة الطبيب.
عودة العالم.
عودة المعلم.
عودة المهندس.
عودة الخبرة.
عودة الحلم.
*وربما عودة نورة نفسها…*
*إلى بيتٍ لا تضطر فيه المرأة إلى أن تحمل كل شيء وحدها.*
إلى وطنٍ لا يطلب من أبنائه أن يختاروا بين كرامتهم وبين سودانيتهم.
*إلى سودانٍ لا يرى في الإنسان مجرد رقمٍ في تعداد، ولا مجرد صوتٍ في انتخابات، ولا مجرد مقاتلٍ في حرب.*
*بل يراه كما يجب أن يكون: إنساناً.*
وهنا أعود إلى السؤال الذي بدأنا به في أول المقال:
*ماذا حدث للسودان الذي كان له مكان بين الأمم؟*
ربما لم يختفِ تماماً.
ربما انتشر.
انتشر في أطباء السودان…
وفي علمائه…
وفي أساتذته…
وفي مهندسيه…
وفي معلميه…
*وفي أبنائه الذين يعيشون اليوم في مدن كثيرة حول العالم.*
*ربما السودان الذي نبحث عنه ليس مفقوداً تماماً.*
*ربما هو موزع في أبنائه.*
*وهذا هو الخبر الجميل وسط كل هذا الخراب.*
أن الوطن الذي ظننا أننا فقدناه…
*لا يزال موجوداً في الإنسان.*
ولهذا فإن مهمتنا بعد كل هذه السنوات ليست أن نبكي على السودان فقط.
*بل أن نجمع السودان من جديد*.
نجمعه من علمائه.
ومن أطبائه.
ومن معلميه.
ومن مزارعيه.
ومن نسائه.
ومن شبابه.
*ومن كل أولئك الذين حملوا اسمه، حتى عندما لم يستطع هو أن يحملهم.*
نجمعه من غربه وشرقه.
ومن شماله ووسطه.
ومن مدنه وقراه.
ومن قبائله وثقافاته ولغاته.
*ثم نقول لهم جميعاً: هذا وطنكم.*
لم يكن يوماً ملكاً لأحدكم وحده.
ولن يكون.
إنما هو لنا جميعاً.
وربما هنا تبدأ أولى علامات النهوض.
*حين يتوقف السوداني عن السؤال:* *من هو السوداني الحقيقي؟*
*ويبدأ في سؤال آخر:* *كيف نصنع السودان الذي يستحقه كل السودانيين؟*
عندها فقط…
لن يكون العالم هو الذي يستقبل أبناء السودان.
*سيكون السودان نفسه مستعداً لاستقبال أبنائه.*
وهنا…
نقترب من السؤال الأخير.
السؤال الذي لا يخص العلم وحده.
ولا الدبلوماسية وحدها.
ولا التعداد وحده.
*بل يخص السودان كله: كيف نعيد هؤلاء جميعاً إلى وطنٍ يستطيع أن يجمعهم؟*
وهذا هو السؤال الذي سيقودنا إلى الكلمة التي ربما تأخرنا كثيراً في فهمها:
*التعايش.*
*التعايش… ليس أن نحب بعضنا، بل أن نمنح بعضنا حق الحياة:*
*ربما وصلنا الآن إلى الكلمة التي ظل المقال كله يبحث عنها…*
دون أن نسميها.
كلمة تبدو بسيطة.
بل ربما بسيطة أكثر مما ينبغي.
*لكنها، في بلد مثل السودان، قد تكون أصعب كلمة في السياسة…*
*وأعمق كلمة في الحياة.*
*التعايش.*
*وأنا لا أقصد بالتعايش أن نحب بعضنا.*
*فالحب لا يمكن أن يكون قانوناً.*
*ولا يمكن للدولة أن تأمر الناس بأن يحبوا بعضهم.*
*ولا يمكن أن تطلب من إنسان أن يحب من يختلف معه في كل شيء.*
قد لا أحب قبيلتك.
وقد لا تحب قبيلتي.
قد أختلف مع فكرتك.
وقد ترفض فكرتي.
قد أصوت لغير حزبك.
وقد تعتبرني مخطئاً.
وقد تكون بيننا ذاكرة قديمة من الخصام.
كل ذلك يمكن أن يحدث.
*لكن شيئاً واحداً يجب ألا يحدث:*
*أن نعتقد أن اختلافنا يعطي أحدنا الحق في قتل الآخر.*
هنا يبدأ معنى التعايش الحقيقي.
التعايش ليس أن نتفق.
التعايش أن نختلف…
دون أن نقتل بعضنا.
أن نختلف…
دون أن نحرق بيوت بعضنا.
دون أن نطرد بعضنا من الأرض.
دون أن نحول اسم القبيلة إلى تهمة.
ودون أن يصبح لون البشرة أو اللهجة أو المنطقة سبباً في أن يفقد الإنسان حقه في الحياة.
*التعايش ليس فضلاً نمنحه للآخر.*
إنه حق متبادل.
أنا أحتاجه منك…
وأنت تحتاجه مني.
والدولة هي التي يجب أن تحميه لنا جميعاً.
*وهنا ربما نكتشف شيئاً بالغ الأهمية: السودان لا يحتاج إلى أن يصبح متشابهاً حتى ينهض.*
لا يحتاج المسيري إلى أن يصبح فورياً.
ولا المسلاتي إلى أن يصبح زغاوياً.
ولا النوبي إلى أن يتخلى عن نوبيته.
ولا الفور إلى أن ينسى تاريخه.
ولا المجانين إلى أن يثبتوا سودانيتهم لأحد.
*ولا أي سوداني إلى أن يتخلى عن جذوره حتى يصبح مواطناً.*
السودان يحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه:
*أن يصبح عادلاً.*
أن يشعر الإنسان أن الدولة تقف فوق الجميع.
لا مع القبيلة الأقوى.
ولا مع الحزب الأقرب.
ولا مع صاحب السلاح.
ولا مع صاحب المال.
وأن يكون القانون هو اللغة التي يفهمها الجميع.
وأن تكون المواطنة هي الصفة التي تسبق كل الصفات الأخرى.
*هنا فقط…*
يمكن للتعدد أن يتحول من خوف إلى قوة.
فالسودان لم يكن فقيراً في التنوع.
كان غنياً به.
*لكننا لم ننجح دائماً في إدارة هذه الثروة.*
أحياناً تركنا القبيلة تقوم مقام الدولة.
وأحياناً تركنا الحزب يقوم مقام الوطن.
وأحياناً تركنا السلاح يقوم مقام القانون.
وأحياناً تركنا الجغرافيا تحدد قيمة الإنسان.
*حتى وصلنا إلى اللحظة الأكثر خطراً: أن يبدأ السوداني في النظر إلى السوداني الآخر باعتباره غريباً.*
وهذه هي اللحظة التي يصبح فيها الوطن نفسه غريباً عن أبنائه.
لأن الوطن لا يسقط عندما تخسر الحكومة.
ولا يسقط فقط عندما تنهار المؤسسات.
*الوطن يبدأ بالسقوط حين يفقد الناس ثقتهم في أنهم جميعاً ينتمون إليه بالقدر نفسه.*
وحين يشعر إنسان أن هذا السودان ليس سودانه…
وحين يشعر آخر أن السودان ملكه وحده…
*تبدأ الكارثة.*
ولهذا فإن المعركة الحقيقية بعد كل هذا الخراب ليست فقط مع آثار الحرب.
*ستكون مع الفكرة التي أنتجت الحرب.*
فالبندقية يمكن أن تصمت.
*لكن الفكرة التي دفعتها إلى إطلاق النار قد تبقى.*
والبيت يمكن أن يُبنى.
*لكن الكراهية التي هدمت البيت يمكن أن تعود وتهدمه مرة أخرى.*
والطريق يمكن أن يُعبد.
*لكن إذا ظل الناس ينظرون إلى بعضهم باعتبارهم أعداء، فلن يقود الطريق إلى وطن.*
سيكون مجرد طريقٍ فوق أرضٍ مكسورة.
ولهذا فإن السودان الذي نريده بعد الحرب، لا ينبغي أن يكون مجرد سودان بلا حرب.
*نريد سوداناً بلا الأسباب التي جعلت الحرب ممكنة.*
وهذا فرق هائل.
نريد دولة تستطيع أن تقول للمواطن:
أنت آمن.
أرضك آمنة.
بيتك آمن.
اسمك آمن.
قبيلتك ليست تهمة.
لهجتك ليست تهمة.
لونك ليس تهمة.
منطقتك ليست تهمة.
*وأن تكون سودانياً يكفي.*
يكفي لكي تكون لك مدرسة.
ومستشفى.
وقانون.
وكرامة.
وصوت.
ومستقبل.
وهنا ربما نحتاج إلى إعادة تعريف كلمة *”الوطن.”*
الوطن ليس الأرض فقط.
فالأرض يمكن أن تبقى…
بينما يضيع الوطن.
*الوطن هو العلاقة بين الإنسان والأرض والدولة والآخر.*
أن تشعر أنك تستطيع أن تمشي في أرض السودان دون أن يسألك أحد:
من أنت؟
من قبيلتك؟
من منطقتك؟
من أين أتيت؟
*لأن السؤال الأهم يجب أن يكون: كيف نحميك؟*
وهذه هي الدولة التي نحتاجها.
دولة لا تسأل المواطن ماذا يمكن أن يقدم لها قبل أن تمنحه حقوقه.
بل تمنحه حقه أولاً…
ثم تطلب منه واجبه.
وهنا أعود إلى الوثيقة التي مررنا بها.
إلى تلك الأسماء القديمة.
إلى السودان الذي كان يعرف أن هؤلاء جميعاً موجودون.
لم تكن الدولة يومها مطالبة بأن تجعلهم متشابهين.
كانت مطالبة بأن تعرفهم…
وتسجلهم…
وتحمي وجودهم…
وتمنحهم مكاناً في الوطن.
واليوم، بعد أكثر من سبعين عاماً، ربما يكون السؤال نفسه لا يزال قائماً:
*هل نستطيع أن نفعل ذلك من جديد؟*
*أعتقد أننا نستطيع.*
*بل أعتقد أننا لا نملك خياراً آخر*.
لأن البديل ليس انتصار قبيلة على قبيلة.
ولا انتصار إقليم على إقليم.
ولا انتصار حزب على حزب.
*البديل هو أن نخسر جميعاً.*
وقد خسرنا بما يكفي.
نزفنا بما يكفي.
بكينا بما يكفي.
وهجرنا بما يكفي.
*ودفنّا من الأحبة ما يكفي، لكي نفهم أخيراً أن السودان لا يمكن أن يكون وطناً إذا ظل كل واحد منا يحاول أن يثبت أنه الأكثر سودانية.*
السودان ليس مسابقة.
ولا شهادة تمنحها جماعة لجماعة.
*السودان بيت.*
*وكل بيت كبير لا بد أن يسكنه المختلفون.*
فيه الكبير والصغير.
والغني والفقير.
والمدينة والقرية.
والفلاح والأستاذ.
والطبيب والراعي.
والنوبي والفور.
والبجاوي والمساليت.
والمسيري والمجانين.
والجعلي والشايقي والدنقلاوي والرفاعي والكناني…
وغيرهم كثير…
ليس مطلوباً من هؤلاء أن يصبحوا واحداً.
المطلوب أن يعرفوا أنهم أهل بيت واحد.
وهنا ربما تكون الكلمة التي تأخرنا كثيراً في فهمها:
*التعايش ليس أن نتنازل عن هويتنا.*
*بل أن نمنح الآخر الحق نفسه في أن يحتفظ بهويته.*
ليس أن ننسى جراحنا.
بل ألا نحول جراحنا إلى ميراثٍ نوزعه على أبنائنا.
ليس أن نقول إن الماضي لم يحدث.
بل أن نتعلم منه حتى لا يصبح المستقبل نسخةً أخرى منه.
*وليس التعايش أن نطلب من أمٍ فقدت ابنها أن تنسى.*
*ولا من إنسانٍ هُجّر من بيته أن يتظاهر بأن شيئاً لم يحدث.*
العدالة ضرورية.
والحقيقة ضرورية.
والمحاسبة ضرورية.
لكن كل ذلك لا يكتمل إلا إذا كان الهدف في النهاية:
أن يصبح السودان مكاناً يستطيع فيه أبناء القتيل…
وأبناء الناجي…
وأبناء المهجّر…
وأبناء من كانوا على طرفي الحرب…
*أن يعيشوا يوماً تحت سقف دولة واحدة.*
هذه ليست رومانسية.
هذه هي الضرورة.
*لأننا إذا لم نفعل ذلك، فسنظل ننتظر حرباً أخرى.*
قد تبدأ باسم آخر.
وبسلاح آخر.
وبشعار آخر.
*لكنها ستكون الحرب نفسها.*
ولهذا فإن النهوض الحقيقي ليس أن نعيد بناء الخرطوم فقط.
ولا أن نعيد فتح الطرق.
ولا أن نعيد تشغيل المصانع.
ولا أن نعيد الكهرباء والماء.
كل ذلك مهم.
لكن هناك بناءً أعظم:
*أن نعيد بناء الإنسان السوداني من الداخل.*
أن نعيد إليه ثقته في الآخر.
وثقته في الدولة.
وثقته في نفسه.
*وأن نقول له: يمكنك أن تكون ما أنت عليه…*
دون أن تخاف.
يمكنك أن تحب قبيلتك…
دون أن تكره قبيلة غيرك.
يمكنك أن تعتز بمنطقتك…
دون أن تحتقر منطقة أخرى.
يمكنك أن تختلف سياسياً…
دون أن تصبح عدواً.
يمكنك أن تكون سودانياً…
دون أن تضطر إلى الاعتذار عن سودانيتك.
وهنا ربما نصل إلى المعنى الأعمق لكل ما كتبناه في هذا المقال.
*نورة التي بدأت منها الحكاية…*
لم تكن وحدها.
*كان خلفها السودان كله.*
ذلك الإنسان الذي ظل يحمل البيت.
ويحمل الأسرة.
ويحمل الأرض.
ويحمل اللبن.
ويحمل المنجل.
*ويحمل الوطن…*
حتى عندما لم يجد من يحمل عنه شيئاً.
*وربما كان السودان نفسه مثل نورة.*
*ظل يحملنا جميعاً…*
بينما كنا نختلف حول من يملك الحق في أن يعيش فيه.
وهذا هو الدرس الذي يجب ألا نضيعه.
السودان لم يكن يحتاج منا أن نكون متشابهين.
كان يحتاج منا أن نكون عادلين.
وأن نكون رحماء.
وأن نفهم أن الوطن أكبر من القبيلة…
وأبقى من الحزب…
وأغلى من السلطة…
وأهم من البندقية.
وأن الإنسان…
قبل كل شيء…
*إنسان.*
ولهذا، إذا كان هذا المقال قد بدأ بسؤال:
*”ما عرفتِن نورة إنتن؟”*
*فربما لم نكن نعرف، في الحقيقة، ماذا كانت تعني لنا نورة.*
*كنا نظن أننا نبحث عن امرأة في قصيدة.*
*ثم اكتشفنا أننا نبحث عن وطن.*
*كنا نظن أننا نقلب صفحات الماضي.*
*ثم اكتشفنا أننا نقلب صفحات أنفسنا.*
*كنا نظن أننا نبحث عن السودان الذي ضاع.*
*ثم اكتشفنا أن السودان لم يضع كله.*
*بعضه ما زال فينا.*
وفي الطبيب الذي لم ينسَ بلده.
وفي المعلم الذي ما زال يحلم بمدرسة تفتح أبوابها.
وفي العالم الذي يحمل اسم السودان إلى قاعة علم في مكان بعيد.
وفي الأم التي لا تزال تقول لابنها:
اقرأ.
وفي المزارع الذي يزرع أرضه رغم كل شيء.
*وفي الشاب الذي، رغم الحرب، لا يزال يتخيل يوماً يعود فيه إلى بيته.*
وهنا…
*ربما لا يكون السؤال: هل سيعود السودان؟*
*بل: متى نبدأ نحن في إعادته؟*
وعند هذه النقطة، أظن أن المقال يجب أن يتوقف…
*لا لأن الحكاية انتهت.*
*بل لأن الحكاية الحقيقية تبدأ من هنا*.
*ختاماً: ما عرفتِن نورة إنتن؟*
*ربما عرفناها الآن…*
*أو ربما بدأنا فقط نعرفها.*
*لأننا لم نكن نعرفها كما ينبغي… إلا حين رأينا وجه الوطن في عينيها.*
عرفنا أنها ليست امرأةً واحدة.
وليست قصيدةً واحدة.
وليست صورةً معلقةً في ذاكرة شاعر.
*نورة لم تكن امرأةً من طين ودم وحسب، ولا قصيدةً حبسها شاعرٌ في دفتره.*
كانت هي السودان ذاته…
صابرةً كالأرض، معطاءةً كالنيل، حزينةً كالموال، تحمل الفجائع ولا تنكسر…
ثم تظل باسقة كالنخلة رغم انحناء التاريخ.
كانت شيئاً أكبر.
كانت امرأةً تشبه السودان.
تحمل كثيراً…
وتعطي كثيراً…
وتتعب كثيراً…
ثم تظل واقفة.
*ولهذا، حين نظرنا إلى السودان الذي كان، لم نجد فردوساً بلا عيوب.*
لم نكن نتباكى على أوهام أو نبحث عن فردوسٍ أسطوري.
بل تذكرنا وطناً حياً كان يحاول…
وطناً كان له صوتٌ يملأ الفضاء.
وله علماء.
وله أطباء.
وله معلمون.
وله دبلوماسيون.
كانوا يزرعون النور.
*وله شعب يعرف كيف يعيش رغم اختلافه.*
شعبٌ يعرف كيف يحول الاختلاف إلى مأدبةٍ للتعايش.
صحيحٌ أن الفجيعة كانت أكبر من الاحتمال…
*ثم ضاعت أشياء كثيرة.*
*ضاع الجنوب، وجُرحت الخرطوم*، *وضاعت مدن وقرى وبيوت.*
وتناثرت الأعمار في أشتات المنافي.
*وضاع كثير من أبنائه أنفسهم في المنافي.*
لكن شيئاً واحداً لم يضع تماماً.
وروح الوطن ظلّت عصيةً على الضياع… حيةً في جمرةٍ لم تطفأ قط:
الرغبة الصلبة في العودة والنهوض.
*وربما لهذا…*
*لن أختم هذه السطور بالبكاء، لقد بكينا بما يكفي، حتى جفت المآقي.*
*ولن أختمها بالغضب، فالغضب حريقٌ لا يبني حجراً في دار الوطن.*
*ولن ألوذ بالحنين الساكن، فالحنين بكاءٌ على الأطلال لا يسترد ما تساقط من أيدينا، ولا يعيد ما ذهب.*
*أريد أن أختمها بشيء أقوى وأبقى.*
أريد أن أختمها باليقين…
*نعم باليقين.*
يقينٍ قاطع بأن هذا الوطن، مهما أثخنته الجراح، لم يقل كلمته الأخيرة بعد.
وأن السودان الذي أوجعنا فقده.
وأن السودان الذي عرفناه…
والسودان الذي نحلم به…
والسودان الذي نغزل أحلامنا من أجله…
قد يلتقون يوماً في مكان واحد.
*سيلتقيان غداً هناك عند مجرى الضوء.*
حيث يسترد الإنسان آدميته بلا عصبية.
ولا يسأل السوداني أخاه: “من أي قبيلةٍ أنت؟”.
بل يمد يده ليقول: “كيف حالك يا أخي؟”.
*وهناك…*
حيث لا يحتاج الإنسان لوثيقةٍ ليثبت سودانيته.
بل يكفي نبض قلبه الذي يقول.
*أنا سوداني… أنا، وكل ارجائه لنا وطنٌ.*
*وهناك…*
*حيث تستطيع “نورة” أخيراً أن تضع ما حملته طويلاً على الأرض…*
أن تضع أثقال سنوات الصبر عن كاهلها… وتستريح.
ربما عندها فقط…
*نعرف حقاً:*
*ما عرفتِن نورة إنتن؟*
ونعرف أيضاً…
*أن الفردوس الذي ظنناه مفقوداً…*
*لم يكن قد اختفى تماماً.*
*كان ينتظرنا فقط…*
*أن نعرف الطريق إليه.*
✍️ *عادل ود سهل*
*الدوحة – الاثنين 24 أغسطس 2026*
.





