كاتبا النص:
عطا برشم
آدم الدفاي
إن أكثر ما يميز الشعب السوداني هو التنوع، سواء كان ذلك التنوع ثقافيًا، اجتماعيًا، أو جغرافيًا،، ما جعل الاختلاف السياسي طبيعيًا، وهذا الاختلاف والجدال السياسي يجري التعبير عنه ثقافيًا. إلا أن الأجهزة الرسمية للدولة وآلتها الإعلامية، ظلت طوال التاريخ تقتطع من المنتوج الثقافي ما يخدم أجندتها السياسية والأيدولوجية، ولا تتعامل مع الثقافة كمدخل لفهم المجتمعات السودانية المتعددة ومعرفة قيمها الأخلاقية وتطلعاتها الحقوقية.
إن الواقع السياسي والاجتماعي يمكن قراءته من خلال فهم الثقافة المجتمعية سواء المعبر عنها في وسائل الإعلام، أو تلك التي نجدها سائدة في محافل محلية قد تكون غير مرئية ومعروفة بشكل كاف. لذا؛ فالثقافة هي الحقل الذي ينبغي للفاعلين الاجتماعيين، التعامل معه كمدخل لفهم واقع الدولة السودانية، كما هي ضرورية لتأسيس الوعي العام بالحقوق الأساسية لبناء الدولة الحديثة التي أساسها هو الاعتراف بالآخر ثقافيًا سياسيًا واجتماعيًا.
إن الطفرة التكنولوجية الأخيرة، وما أتاحته من مساحة واسعة داخل مواقع التواصل الاجتماعي بمنصاتها المتعددة، قوضت الهيمنة الإعلامية وسيطرة الأجهزة الإعلامية الرسمية على المشهد بأدوات بديلة، حين فتحت الباب أمام كل المجتمعات لتعبر عن ذواتها ثقافيًا وسياسيًا بعيدًا عن سيطرة أي جهة حكومية رسمية. وأصبحت منتوجات هذه المجتمعات متاحة للفهم والدراسة، فتجني الملاحظات والتقييم والقبول والنقد، مع الوضع في الاعتبار أن هذا النقد عادة ما يقع فريسة الصراع السياسي وأخلاقياته، ولا ينم عن قيم فنية جمالية وذوقية، وتزامن هذا الانفتاح التقني مع أشرس صراعاتنا الثقافية السياسية، حول مركزية الدولة المتنازع عليها تاريخيًا.
أطراف هذا الصراع حول مركزية الدولة هما: المجتمعات الأكثر تهميشًا من الناحية الثقافية والسياسية والاقتصادية من جانب، والدولة التي درجت على استغلال مجتمعات الريف في صراعاتها السياسية من جانب آخر. إذ استغلت الدولة هذه المجتمعات -التي تعمدت تجهيلها طوال تاريخ السودان- في حروبها المختلفة، لتعزيز وإحكام سيطرتها. ولكن برز وعي سياسي واجتماعي بهذا الاستعمال الأداتي، وأنتجت حرب 15 أبريل العديد من الخطابات الثقافية التي تبين احتجاج الريف على السياسية المركزية للدولة. ومثلت هذه الخطابات مرجعية أخلاقية في الحرب، إذ نجد داخلها حجج وبراهين وأدلة لـ”تعزيز” وشرعنة الحرب عند كل طرف، ومحاولات لحشد المجتمعات كي تدافع عن حقوقها، باعتبار أن الثقافة هي الوسيلة المناسبة لفعل ذلك، وهي الطريقة التي يصطف بها كل مجتمع مع من يتفق أو يختلف معه.
إذا أردنا أن نقرأ واقع الحرب في السودان اليوم، ومن أين يكتسب السودانيون حقهم الأخلاقي في قتال بعضهم البعض، فلا مناص لنا من دراسة الثقافة المعبر عنها، والتي ارتبطت طوال العام السابق بقضية واحدة هي: الحرب. في هذا المضمار، يمكننا دراسة حالة الفنان “أبو خريس”، مغني “أم بربري” الشهير بغرب السودان، والذي ذاع صيته مؤخرًا، بعد اندلاع الحرب في السودان. واخترناه كمثال، لأننا نراه الأكثر “تلقائية” في مواقفه، والتي انحاز لها بلا شبهة تعمد أو ترصد لمصلحة.
نبذة تعريفية:
اسمه “أحمد عبد الرحيم أبو خريس” من مواليد شرق دارفور، منطقة “هبيل” ريفي محلية الفردوس، ولقب “أبو خريس” موغل في ثقافة البادية، وعادة ما يُطلق على من يضعون “الخرس” الحديدي على الأذنين. بدأ مسيرته التعليمية بوحدة “هبيل”، وهي إحدى القرى الصغيرة الواقعة قرب الحدود بين السودان وجنوبه، وتفتقر لأبسط الخدمات، حيث لا كهرباء ولا مشفى، ودون مياه نظيفة، بها مدرسة وحيدة للأساس، وأهلها جميعهم تغلب عليهم ثقافة البدو. انتقل “أبو خريس” بعدها إلى مدرسة “مادبو” بالضعين، حيث بدأ اهتمامه بالموسيقى والغناء في العام 2014م، وذلك بعد استماعه لأغنية للفنان “آدم الطيب”.
وحتى تاريخ كتابة هذا النص، أنتج “أبو خريس” ما يقارب الثلاثون أغنية، تتراوح بين الغزل والحماسة، وتحمل في طياتها شيئًا من الوعي السياسي، حيث يعبر بعضها عن موقف، أو يؤرخ لحدث. وسنحاول في هذه المساحة أن نتطرق لأغنياته الأكثر رواجًا، ونرى تأثيرها على المتحاربين، وتأثره هو ببعض المواقف.
“أبو خريس” والحرب:
في 12 أبريل 2024م، تصدر “فيديو” جندي قوات الدعم السريع، “التجاني محمود بشير”، الذي أُسر من قبل الجيش السوداني في معارك تلك الأيام، مواقع التواصل الاجتماعي، وجرى تداوله على نطاق واسع. وتفاعل معه السودانيون بشكل كبير، وسط إعجاب لا تخطئه العين بشجاعة هذا الجندي البطل.

المنظر يشبه الحرب، جندي واحد يمسك به خمسة جنود وحولهم العشرات، ومع ذلك يهتف الأسير أمام أعين عدوه، ودون خوف أو ضعف، قائلا: “ماني خايف”! جملة ترددت أصداؤها عالية في مواقع التواصل الاجتماعي، وعادت بالناس قرون للوراء، ذكرتهم بشجاعة الأجداد! حين واجهوا الدبابة الإنجليزية بصدور شبه عارية، وبسيوف غير سنينة في زمن غابر.
في تلك الفترة، تفاعل الفنان “أبو خريس” مع الحدث، وتحدثت مصادر مقربة منه عن مدى حزنه على أسر جندي بهذا الثبات والقوة، ولم يتوقف الأمر عليه وحده، وإنما هناك فاعلون في تلك الأيام، ينحدرون من مجتمعات الريف تحديدًا، طالبوا بدفع فدية -مهما غلا ثمنها- لإطلاق سراح “التجاني”. أنتج “أبو خريس” أغنية عنونها بـ: “ماني خايف”، والتي هي احتفاءًا بالشجاعة وتوثيقًا للتاريخ، وفي الوقت نفسه تكشف عن مدى تنامي الوعي السياسي داخل مجموعات اجتماعية لا تقع ضمن الخارطة الحقوقية للدولة السودانية خلال تاريخها الحديث.
أبيات أغنية “ماني خايف”:
“تجاني يا تجاني/ الفارس السوداني
أخوكم الجوفاني/ ما خجل ناس أماني
أبلدة ناس لفايف/ جابوه فوق اللايف
الموت بعينه شايف/ قال ليهم ماني خايف
أسد فوق مقايلة/ كفل لنفسه شايلة/ عارف الدنيا زايلة
دافعته عن سودانك/ رفعت رأس اخوانك
لو عارفين مكانك/ ندفع أرواحنا عشانك”.
إن كلمات الأغنية التي أبدع في غنائها الفنان “أبو خريس” بدأت بإثبات سودانوية “التجاني محمود”، وهذا يعتبر ردًا ثقافيًا على كل تلك الخطابات السياسية التي وصفت جنود الدعم السريع بالأجانب، والمستوطنين الجدد، وعرب الشتات. إن فنانًا صغير السن، يسكن بعيدًا عن المدن الكبيرة، وربما لم يزر العاصمة يومًا، يملك ردًا على التشكيك في المواطنة، كما أنه يتخذ في الوقت نفسه موقفًا سلبيًا من الجيش الذي يصف عناصره بـ “اللفايف” ومفردها “لفيف” وهي توصف من يستعرض قدراته أمام الضعيف بشرط حضور جماعته. ثم ينتقل “أبو خريس” في الأبيات اللاحقة إلى نعي ومواساة “التجاني” حين قال: “دافعته عن سودانك/ رفعت رأس اخوانك/ لو عارفين مكانك/ ندفع أرواحنا عشانك”.
ولم يخف “أبو خريس” اصطفافه خلف قوات الدعم السريع في حرب 15 أبريل، حيث غنى أغنية “جاهزية عز وفخر” لشاعرها الشيخ “ود الغالي المسيري”، ومن أبياتها:
“جاهزية عز وفخر/ إتنين بس موت يا نصر
صبيان بياكلوا جمر/ أم قرون حارسيكم بالشكر
جاهزية الوطن/ أصلو ما كايسين للفتن
أبو خريس لحن وغن/ قائدنا أرخ الرسن
ما دام الخائن الخان ظهر/ حباب الموت وحباب الشر”.
ومن أغنياته أيضًا، “الدعامة جو العدو طاردوا”:
هي أكثر تعبيرًا في دعمه ومؤازرته للدعم السريع ومشروعه السياسي، كما أنها توضح موقفه من الحرب، إذ يعتبرها دفاعًا عن الوطن. ومن أبياتها:
“الدعامة جو العدو طاردوا/ دوابي الليل أنا قلبي باردو
إنتو الثبات رجال الممات/ جابوا النصر صبيان البنات
سبق الفرقان/ الركزوا الرجال/ قوات الدعم نمور القتال
السلاح رطن/ فداك يا وطن/ قميص الشهيد بدمه انعطن
قدل قدل/ حميدتي البطل/ عز أم سبيب/ الحرام كحل، دوابي الليل انا قلبي طاردوا”.




