
1
قال السيد الإمام الصادق المهدي: “لو كانت أيام الميلاد مناسبة للزهو الاجتماعي فهي بغيضة” ثم بث كثيرا من العبارات الأنيقة زينت خطابه في عيد ميلاده الثمانين الذي تناول فيه قضايا السياسة والاجتماع والصحة وشؤون الأسرة.
اتسم الخطاب بالرصانة والعمق، وكعادة الإمام لم تبدر منه كلمة خارجة عن سياقها، إنها الروح السمحة التي عرف بها، مزدانة بحكمة عمره، فما وهنت له فكرة ولا فتت من عضد عزيمته مصيبة.
استوقفتني في الخطاب إشارات لطيفة وعميقة، ولا أعتقد أن ساسة هذا الزمان فيهم متابع فطن لحركة التغيير الاجتماعي كالإمام.
2
(خلال العام 2015 ظهرت إحصائيات جاء فيها: أن 86.8 % من السودانيين لا يمارسون رياضة، وأن زيادة الوزن في السيدات 62 %، وفي الرجال 41.2 %، وأن النتيجة: ارتفاع نسبة الإصابة بضغط الدم إلى 29 % وبالسكري إلى 19 % والأزمة 9 %.). انظر لانتباهة الإمام هذه وهو في لجة الصراع السياسي المتوتر. نموذج مبهر يقدمه السيد الإمام لأجيال من المثقفين السودانيين الذين جعلوا السياسة وحدها محور حياتهم. ولا أذكر مرة التقيت فيها الإمام، على كثرة ما التقيت به داخل وخارج السودان، إلا وهو يحمل في يده كتابا صدر حديثا، في وقت قرأ فيه سياسيون كثر آخر كتاب لهم في الابتدائي!!
3
يدلف الإمام لصلب الحياة الاجتماعية فيلتقط منها مظاهر من الحالة المأزومة التي يعيشها المجتمع التي يقول عنها: “أفرزت انهياراً أخلاقياً غير مسبوق”، واعتبره أبلغ دليل على فشل (المشروع المسمي حضاري) مستلفا قول شاب مستهتر لآخرين: “اللبن مشتت في الشوارع فلماذا أربط لي بقرة في البيت؟”.. داعيا أن يعتبر المسرفون في نفقات الزواج جناة تخريب اجتماعي، لافتا النظر لأشعار خرجت من ثياب الأزمة الاجتماعية التي نوه لها في خطابه:
(نحن البايرات يا جماعة
ولي الله يدينا بنرفع
شعارنا عريس متواضع
يا حي يا واهب أسمع
ما همنا حفلة وشيلة
بي حاجة قليلة بنقنع)
4
ثم يكتب روشتة للذين يودون صد زحف الشيخوخة: “خمس معنويات: الإيمان، والمحبة لمن حولك، وألا تغضب، ولا تحقد، ولا تحسد”. وست حسيات: “لا للخمر، ولا للدخان، ولا لزيادة الوزن، وممارسة الرياضة، والنوم ست ساعات في الليل، وتناول الإفطار بشكل منتظم”.
5
ما سرني في الخطاب ذلك الوفاء النادر الذي يتمتع به الإمام، الوفاء للأجداد وجهادهم، وللآباء المؤسسين لكيان الأنصار وحزب الأمة، وفاء للأصدقاء والزوجات والأبناء ومحبة فائضة للأسرة الصغيرة والممتدة والأحفاد الذين تعهد برعاية شؤونهم، ولم يكن غريبا ترفعه عن الصغائر في الصراعات مع ذوي القربى.
إنها تجربة حياة ثرة عامرة بالعطاء، تستحق أن تُدرس وجديرة بالاحتفاء بها من كافة السودانيين. ستون عاما والإمام في سوح العطاء الوطني، اختلفنا أو اتفقنا معه، كان سمح النفس روحا وسجايا، أعطى للوطن جهده ولم يستبق شيئا، لهذا فهو جدير بالمحبة والاحترام. كل عام وأسرة المهدي كلها بخير.

