اسماعيل فرج اللهرأي

البشير.. نعيم التسوية وجحيم الجيش

إسماعيل فرج الله

 إجتماع تنويري عاصف للجيش في سبتمبر العام2013، القيادات الوسيطة والتنظيمية بالرئيس البشير تقول جهرا وبقوة أنها لاتسمح بقتل المواطنين السودانيين في الشوارع وتزامن ذلك مع موقف الشعبي من الأحداث التي أدان فيها سلوك المعارضة العلمانية ووصفه بالخيانة مقرونا مع تأييدها للسيسي وتبسمها من قتل الاسلاميين في رابعة .

ليخرج التداول بضرورة الاتفاق مع الشعبي لحل الأزمة السياسية ووقف الحرب. وكان الإجراء الأول وكإبداء لحسن النوايا ابعاد من تولى كبر المفاصلة و أحداث سبتمبر، لتبدأ الترتيبات لانطلاق حوار الوثبة، ماجعل الشعبي يطمئن إلى جديته ويكرر ثقته في البشير خجلاً من قوله ثقته في التنظيم العسكري .

سياسة التمكين جعلت  عقيدة أغلب القيادات الوسيطة في الجيش سلفية بعد المفاصلة والقطيعة التنظيمية مع المفكر،فكانت الاستعاضة بالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين الرادكالي وتقدم قياداته في السودان من السلطة وقربها من الرئيس “عصام البشير نموذجا”، ولكن إتفاقية السلام مع الجنوبيين عززت الغبن الداخلي تجاه الحركة الشعبية حين احتفظت بجيشها موازيا للجيش الوطني، وتمردها بعد إنفصال الجنوب ،وتصريحات الإمام الصادق التي يطالب فيها بإعادة هيكلة القوات المسلحة ووصف اليسار لها بقوات النظام أو قوات البشير.

وهذا يعني إتفاق كل المعارضة على حل الجيش السوداني عدا حزب المؤتمر الشعبي. وفي ذهن صغار الضباط التضحيات التي قدموها ووفاءً لشهدائها وليس ببعيد تفكك الجيش العراقي تحت سياسة اجتثاث البعث وتشتت الجيش الليبي بدعوى أنها قوات القذافي وانهيار الجيش اليمني وانقسامه،فتكونت عندهم عقيدة ترفض القتال تحت راية الامام الصادق والحركة الشعبية.

بعد توقيع الوثيقة الوطنية، يدعم المنطق تكوين حكومة من الموقعين على الوثيقة ولكن ترتيبات إنفاذ مخرجات الحوار تأخرت لعدم تكوين آليات التنفيذ مباشرة خصوصا اللجنة التنسيقية العليا .

بل ذهب الرئيس في زيارة لخمسة أيام لدولة الإمارات العربية التي تتبنى حكومتها نهجا عدائيا للإسلام السياسي،و مطالبتها الرئيس بإرجاء تكوين حكومة الوفاق حتى قدوم الإمام الصادق والاستاذ ياسر عرمانومشاركتهما فيها .وحملت الرئيس وهو عائد الى الخرطوم مبلغ نصف مليار دولار ووعد بحلحلة أزماته الدولية .

كثير من المعارضين وخصوصا الاسلاميين يظنون أن للبشير مشروع سلطوي فرعوني ولكنهم مخطئون فالبشير يعبر عن مشروع المؤسسة العسكرية، المشروع الذي تخلى عنه الاسلاميين السياسيين فأصبح قادة الحكومة والحزب الحاكم يخجلون من التكبيرات والتهليلات ولايعبرون عن الشعارات الاسلامية بل انزووا في كيانهم الخاص يصلون ويصومون وتركوا الحكومة ترتع في فسادها.

أما الإسلاميين المعارضين “نكشوا “كل ثوابت الحركة الإسلامية حتى خرج فيهم من ينكرونها ويتبرءون منها  وبين هذا وذاك انصرف الغالبية لحال معاشهم، لكن ظل الشيخ الترابي وحيدا يذكر الناس بالمشروع الإسلامي وضرورة تجديده وعدم القنوط وانبرى بنفسه للقوى المعارضة ورفض التوقيع على وثيقة الدستور الانتقالي حين رأى ميلاً من حزبه بالموافقة على الدولة المدنية وطلب تعريفها حتى لايفسرها العامة أنها العلمانية.

بالمقابل ظل الرئيس هو الوحيد ثابتا على الصدح بشعارات الإنقاذ الأولى يكبر ويهلل ويبعث في الشعب الحماسة، ولك أن تقارن بينه وأي لقاء جماهيري لمسؤولي الحكومة، خطابات روتينية باهتة تتحدث عن التنمية والعمران والنهضة التي هزمها الفساد.

فأصبح الرئيس هو الوحيد المعبر عن عقيدة الجيش السوداني لذلك يدعموه في كل مشاريعه ويحافظون على سلطته وإن كان بالسكوت على فساد أعوانه أو خروقات قواته الشعبية ( الدعم السريع) .

ولكن لأن العسكريين بطبيعة عملهم قريبون من المراكز المعلوماتية يعرفون مايجري حولهم داخليا وخارجيا لذلك هم رفضوا المشروع الإماراتي المدعوم من الاتحادين الأوربي والأفريقي والولايات الامريكية.

وضغطوا من أجل موافقة المؤتمر الشعبي على المشاركة في الحكومة بإيداع التعديلات الدستورية فقط وليس انتظار إجازتها لقطع الطريق على الإمام الصادق وياسر عرمان.

الخيار الذي عجز ناشطو المؤتمر الشعبي من مكافحته ولكن في صبيحة قرار القيادة بالموافقة أصدرت إدارة أوباما قرار فك الحظر الأمريكي الجزئي المشروط عن السودان لتربك المشهد من جديد على البشير وتؤجل إعلان الحكومة الجديدة، ليطير البشير إلى الرياض مجددا يطلب شفاعة المملكة لدى أبوظبي بالقبول بحكومة خالية من الإمام وعرمان.

فالمملكة يهمها تماسك الجيش السوداني واستقرار البلاد السياسي وهي أقرب الى تبني وجهة نظر البشير بتشكيل حكومة الوفاق من الموقعين على الوثيقة الوطنية فقط وعاجلا، ومنح المعارضين استحقاقهم من الحريات العامة وبعض قسمة الثروة من باب التعويضات أو الدمج والتسريح لذلك يعلن أن الرئيس جدول زيارة لأبوظبي بعد عودته من أديس أبابا وانتهاء اجتماعات الاتحاد الأفريقي، لكسب مباركتها وتمويل استحقاق الامام والحركات.

وهذا يتطلب أيضا تسوية مع مبادرة “أمبيكي”بالضغط على الحركة الشعبية للقبول بالتسوية السلمية وهذا ما أعلنه عرمان حال التوقيع على فتح مسارات الإغاثة والترتيبات الأمنية .

المشهد الآن، أن البشير في جولات ماكوكية بين الرياض أديس وأبوظبي لإخراج سيناريو مرضي لكل الأطراف يلبي مطالب السعودية من قوات مقاتلة ويهدئ مخاوف أبوظبي من التيارات الإسلامية ويطمئن الأفارقة على ترتيبات السلام وفي نفس الوقت عدم إثارة الجيش وكسب رضاه في كل مشروع سياسي يتبناه البشير، وفي ظني أن كثير من خيوط اللعبة بين أصابع الشعبي فهو يطرح مشروع الحريات وهذا مرضي من المعارضة ويحيز على ثقة صغار الضباط ويطمئنون لتدابيره.

والشعبي يستطيع موازنة المعادلة السياسية بالعمل على تخفيف الضغط الداخلي على البشير الذي تزكيه بعض قيادات الحرس القديم في المؤتمر الوطني والعمل على إدارة حوار مع الإمام وعرمان لضمان مشاركتهما في الحكومة من خلال توقيع تحالف سياسي مع حزب الأمة القومي وتطوير مذكرة التفاهم القديمة مع الحركة الشعبية وإلا إقناعهما بمباركة مخرجات الحوار والاستفادة من مناخ الحريات بعد تشكيل حكومة الوفاق وعدم اثارة الأجهزة الأمنية والعسكرية واستعدائها على الوضع الجديد والمساعدة على إرساء قواعد الفترة الانتقالية للعبور الى 2020.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى