تقرير – الجماهير
منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (2023)، وضعت المملكة العربية السعودية نفسها في موقع الوسيط الساعي إلى وقف القتال، مستندة إلى علاقاتها مع طرفي الصراع وموقعها الإقليمي، قبل أن تستضيف، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، مفاوضات جدة التي أصبحت أحد أبرز مسارات التفاوض منذ بداية الحرب.
لكن، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من القتال، لم يعد الجدل يدور فقط حول أسباب تعثر منبر جدة وفشل الوساطات في إنهاء الحرب، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية: هل حافظت الرياض فعلاً على مسافة واحدة من الجيش والدعم السريع، أم أن حساباتها السياسية والأمنية والاقتصادية دفعتها إلى الاقتراب من أحد طرفي الصراع؟
من الثورة إلى الحرب.. بداية الأسئلة
تعود جذور الشكوك التي يثيرها منتقدو الدور السعودي إلى مرحلة ما قبل اندلاع الحرب، عندما كانت الخرطوم تشهد صراعاً سياسياً بين المكون العسكري والقوى المدنية عقب سقوط نظام عمر البشير.
ويرى المحلل السياسي وأستاذ العلوم السياسية د. «مصعب فضل المرجي» أن السعودية لم تكن، منذ تلك المرحلة، وسيطاً محايداً تجاه الأزمة السودانية، بل كانت أقرب إلى دعم المكون العسكري.
ويقول فضل المرجي لـ « الجماهير» إن الرياض، إلى جانب القاهرة، دعمت المكون العسكري في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، معتبراً أن استمرار الضغط الشعبي أجبر العسكريين في نهاية المطاف على الدخول في ترتيبات سياسية مع القوى المدنية.
وبحسب رؤيته، فإن تحفظ الرياض على التحول الديمقراطي ارتبط برغبتها في الاحتفاظ بدور محوري في السودان، خصوصاً في ظل أهمية البلاد بالنسبة إلى أمن البحر الأحمر والاستثمارات الزراعية والموارد الاقتصادية.
ويشير المرجي إلى أن الرياض أبدت، خلال مرحلة ما قبل الحرب، اهتماماً كبيراً بالاستثمار الزراعي في السودان، وتحدث عن استعدادات لاستثمارات تتجاوز ملياري دولار.
أبريل 2023.. الحرب تعيد رسم الحسابات
مع اندلاع القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، انتقلت السعودية من موقع المتابع إلى أحد أبرز اللاعبين في مسار البحث عن تسوية.
وفي مايو من العام نفسه، استضافت جدة محادثات بين طرفي الحرب برعاية سعودية–أمريكية، في محاولة للوصول إلى وقف لإطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
لكن المحادثات تعرضت لاحقاً إلى سلسلة من الانتكاسات، فيما استمر القتال واتسعت رقعته، لتتحول جدة من مسار كان يُنظر إليه كأمل لإنهاء الحرب إلى عنوان آخر ضمن قائمة المبادرات التي عجزت عن فرض وقف دائم للقتال.
وهنا بدأ السؤال يتغير: هل المشكلة في أدوات الوساطة، أم في طبيعة موقف الوسيط نفسه؟
حديث حميدتي.. حجر في المياه الراكدة
عاد هذا السؤال بقوة بعد تصريحات لقائد قوات الدعم السريع «محمد حمدان دقلو» “حميدتي”، تحدث فيها عن دور سعودي خلال فترة حصار القيادة العامة للجيش.
وقال دقلو، في كلمة ألقاها أمام حشد في نيروبي، إن السعودية طلبت من قوات الدعم السريع توفير ممر آمن لقائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان للخروج من القيادة العامة، بهدف إنجاح منبر جدة، مضيفاً أن قواته وافقت على ذلك وأن البرهان خرج بالفعل، قبل أن يتصاعد الخطاب بين الطرفين مجدداً ، واشار حميدتي انهم وقعوا ضحية لخدعة ارادت فقط انقاذ البرهان من الحصار ولم يكن الغرض انجاح المفاوضات.
عبد الواحد نور.. رواية أخرى عن الموقف السعودي
وتعززت الشكوك، وفق منتقدي الرياض، بعد تصريحات أدلى بها رئيس حركة جيش تحرير السودان «عبد الواحد محمد نور» بشأن زيارة قام بها إلى السعودية في يونيو الماضي.
وقال نور إنه تلقى دعوة رسمية وأقام في المملكة ستة أيام، والتقى عدداً من المسؤولين، من بينهم مستشار وزير الخارجية للشؤون السياسية الأمير مصعب بن محمد بن فرحان.
وبحسب روايته، تركزت المداولات على إقناعه بالتعاون مع قائد الجيش عبدالفتاح البرهان والاصطفاف إلى جانب الجيش في مواجهة الدعم السريع وخصوم البرهان السياسيين.
وقال نور إنه رفض الطلب، مبرراً موقفه بأنه قاتل الجيش، الذي وصفه بأنه لا يزال خاضعاً لتأثير الحركة الإسلامية، لعقود طويلة.
هذه الرواية، ، تكشف طبيعة الدور السعودي، لأنها تعني أن الرياض لم تكن تتحرك فقط في إطار الوساطة بين طرفي الحرب، وإنما كانت تجري أيضاً اتصالات سياسية مع قوى مسلحة ومدنية بهدف التأثير في موازين القوى.
اتهامات بالتسليح.. الحلقة الأكثر حساسية
ويرى المحلل السياسي د. «إبراهيم جار النبي» ، في حديث لـ”الجماهير”، أن السعودية فقدت جزءاً كبيراً من قدرتها على لعب دور الوسيط المقبول لدى الدعم السريع والقوى الرافضة للحرب.
ويقول جار النبي إن ما يصفه بمحاولات تقوية موقف البرهان سياسياً وعسكرياً أضعف صورة الرياض كوسيط محايد.
ويستند، في هذا السياق، إلى تقارير صحفية تحدثت عن صفقات تسليح بين السعودية وباكستان، معتبراً أن مثل هذه التقارير، حتى مع اختلاف تفاصيلها أو تراجع بعضها، تستحق التحقيق لأنها تمس مباشرة طبيعة الدعم الخارجي لأطراف الحرب.

.«وليد وحل مقاتل في صفوف الدعم السريع يعرض مقطع فيديو يؤكد فيه تورط السعودية في توفير سيارات قتالية واسلحة لصالح الجيش»
درع الشمال والانشقاقات.. اتهامات بلا إجابة
وتذهب مصادر غير رسمية تحدثت لـ “الجماهير”، إلى اتهام السعودية بالتدخل في تشكيلات مسلحة وانشقاقات داخل معسكرات الحرب.
وتتحدث هذه المصادر عن دور سعودي في تسليح قوات “درع الشمال” بقيادة كيكل، ودفعها إلى التعاون مع الدعم السريع واستدراجه إلى الجزيرة، كما تحدثت عن تدخل سعودي في انشقاق النور القبة والقائد سافنا.
وتقول المصادر إن السعودية موّلت النور القبة وساهمت في إقناعه بالانشقاق، كما لعبت، وفق الرواية ذاتها، دوراً في إقناع سافنا بالانشقاق، مستندة إلى مقطع فيديو متداول يظهر وجوده في الأراضي السعودية قبل إعلان انشقاقه.
الوسيط أم اللاعب؟
في النهاية، تقف السعودية أمام معادلة شديدة التعقيد.
فالرياض تقول إنها تسعى إلى وقف الحرب والحفاظ على وحدة السودان واستقراره، فيما يرى منتقدوها أن مصالحها في البحر الأحمر والاستثمارات والموارد، إلى جانب رغبتها في تعزيز نفوذها الإقليمي، تجعلها أقرب إلى أحد طرفي الصراع.
وبين الروايتين، يبقى السؤال الأكثر أهمية:
هل تستخدم السعودية نفوذها لإنهاء الحرب، أم أن نفوذها أصبح جزءاً من المعادلة التي تحدد من يملك اليد العليا داخل السودان؟





