لم يكن إعلان نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية مجرد لحظة عابرة في روزنامة الأحداث السودانية، ولا مجرد إعلان عن نجاح دفعة من الطلاب والطالبات في امتحان أكاديمي؛ بل كان، في جوهره، إعلاناً عن كسر أحد أطول القيود التي ظلت تكبل أجيالاً كاملة من أبناء السودان، ولا سيما أبناء المناطق التي عانت طويلاً من التهميش وغياب الخدمات والفرص.
لقد تجاوزت شعوب تأسيس الطوق التعليمي.
وهذا التجاوز يحمل معنى أكبر بكثير من أرقام النجاح والنتائج. إنه يقول إن الإنسان السوداني، أينما كان، قادر على صناعة مستقبله متى توفرت له الإرادة والفرصة والمؤسسة التي تضع التعليم في مقدمة أولوياتها.
لعقود طويلة ظل التعليم في السودان أسيراً لاختلالات عميقة؛ تفاوت في الفرص، وانعدام في البنية التحتية، وتهميش لمناطق واسعة، وأجيال دفعت ثمن الصراع السياسي وعدم الاستقرار. ولذلك فإن الوصول إلى امتحانات الشهادة الثانوية وإعلان نتائجها في ظروف استثنائية يمثل تحدياً كبيراً تم تجاوزه بإرادة استثنائية.
وهنا تكمن قيمة هذا الإنجاز.
فوراء النتيجة التي ظهرت أمام الناس يقف رجال ونساء عملوا بصمت، ليلاً ونهاراً، وتحملوا مسؤولية تاريخية في وقت بالغ التعقيد. معلمون، وإداريون، ومشرفون، وموظفون، وأسر، ومتطوعون، ومسؤولون في مؤسسات التعليم؛ جميعهم أسهموا في تحويل فكرة بدت للكثيرين صعبة التحقيق إلى واقع ملموس.
والتحية هنا واجبة لكل من حمل هذه المسؤولية، ولكل من آمن بأن الحرب والظروف الصعبة لا ينبغي أن تكونا حكماً مؤبداً على مستقبل الأطفال والشباب.
كما أن رئاسة الوزراء في حكومة السلام تستحق الإشادة على المتابعة والاهتمام بهذا الملف، وعلى الدفع باتجاه استكمال الخطوات التي جعلت إجراء الامتحانات وإعلان نتائجها ممكناً. فمثل هذه الملفات لا تنجح بالقرارات وحدها، وإنما تحتاج إلى متابعة يومية، وتنسيق بين المؤسسات، وإرادة سياسية وإدارية واضحة.
لكن الأهم أن هذا الإنجاز يجب ألا يُنظر إليه باعتباره نهاية الطريق.
إنه بداية الطريق.
فالذي استطاع أن يفتح أبواب التعليم يستطيع أن يفتح أبواب الصحة والتنمية والخدمات. والذي استطاع أن ينظم امتحانات وطنية في ظروف استثنائية يستطيع أن يضع الأساس لإدارة أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر إنتاجاً، ومؤسسات أكثر قدرة على خدمة المواطنين.
المطلوب الآن هو الانتقال من إثبات إمكانية الإنجاز إلى بناء منظومة مستدامة للإنجاز.
مدارس أفضل.
مستشفيات أكثر كفاءة.
طرق وخدمات ومياه وكهرباء.
مشروعات زراعية وإنتاجية.
فرص للشباب.
تمكين للمرأة.
استثمار في الموارد المحلية.
وتحويل المناطق التي عانت طويلاً من التهميش إلى مناطق إنتاج ونمو واستقرار.
إن السودان لا تنقصه الموارد، ولا تنقصه الكفاءات، وإنما ظل يعاني بصورة أساسية من سوء الإدارة، واختلال توزيع الفرص، والصراعات التي استنزفت الدولة والمجتمع.
ولهذا فإن المعركة الحقيقية القادمة ليست فقط معركة السيطرة على الأرض، وإنما معركة بناء الدولة.
دولة لا يكون فيها التعليم امتيازاً لفئة دون أخرى، ولا تكون فيها الخدمات حكراً على المركز، ولا يشعر فيها مواطن بأن موقعه الجغرافي يحدد قيمة مستقبله.
وإذا كان كسر الطوق التعليمي قد فتح نافذة الأمل، فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة كسر بقية القيود التي عطلت السودان لعقود: قيود التهميش، والفقر، والجهل، وضعف المؤسسات، والاحتكار السياسي، وغياب العدالة في توزيع الموارد والفرص.
إن إعلان نتائج الشهادة الثانوية في مناطق تأسيس ينبغي أن يُقرأ بوصفه رسالة إلى السودان كله:
حين تتوافر الإرادة، يمكن تجاوز المستحيل.
والطلاب الذين جلسوا اليوم للامتحان ليسوا مجرد أرقام في كشف نتائج؛ إنهم الجيل الذي ينبغي أن يُمنح فرصة بناء سودان مختلف، سودان تكون فيه الدولة في خدمة المواطن، ويكون فيه التعليم جسراً للترقي الاجتماعي لا أداة لإعادة إنتاج التهميش.
ومن هنا تأتي أهمية المرحلة القادمة، وما يُنتظر من مؤسسات حكومة السلام ورئيس الوزراء وكل أجهزة الدولة من تحويل هذا الزخم إلى برنامج وطني متكامل، يضع الإنسان في مركز عملية البناء، ويجعل التعليم والصحة والتنمية والإنتاج والخدمات أولويات فعلية لا مجرد شعارات.
لقد بدأت المسيرة بخطوة مهمة.
والخطوة القادمة يجب أن تكون أكبر.
من المدرسة إلى الجامعة، ومن التعليم إلى الإنتاج، ومن توفير الخدمة إلى بناء المؤسسات، ومن معالجة آثار الحرب إلى تأسيس دولة قادرة على حماية مواطنيها وصناعة مستقبلهم.
أما قيادة المرحلة، أياً كانت مؤسساتها وشخوصها، فعليها أن تدرك أن التاريخ لا يقيس الحكومات بما تقوله عن نفسها، وإنما بما تتركه من أثر في حياة الناس.
وما تحقق في ملف الشهادة الثانوية ينبغي أن يكون معياراً لما هو قادم.
فالسودان الذي يستحقه أبناؤه ليس سودان المركز والهامش، ولا سودان الامتيازات والحرمان، ولا سودان الحرب والانقسام؛ وإنما سودان العدالة والحرية والسلام، سودان تتساوى فيه الفرص، وتصان فيه كرامة الإنسان، وتُفتح فيه أبواب المستقبل أمام الجميع.
لقد انكسر قيد.
والتحدي الآن أن تتحول هذه الخطوة إلى مسيرة كاملة نحو بناء الدولة التي طال انتظارها.




