تقارير وتحقيقات

الصادق المهدي في الخرطوم.. رحلة البحث عن القيادة من الداخل

عباس محمد إبراهيم

يبدو أن  الجميع  في السودان منقسمين بشأن عودة الصادق المهدي، زعيم حزب الأمة القومي و إمام طائفة الأنصار الذي وصل العاصمة  الخرطوم أمس بعد غياب إمتد لاكثر من 30 شهراً ، ففى كل النقاشات يتبين أن السودانيين قلقون بشأن ما يمكن أن يفعله الرجل.

ويسيطر التوجس على الناشطين الشباب على مواقع التواصل الإجتماعي، الذين ينحون لإطلاق تفسيرات تدرج عودة المهدي للبلاد وتوقيتها في الجانب المضاد للمقاومة و الحراك الشعبي المتصاعد ضد الحكومة السودانية منذ العصيان المدني الذي نفذوه في  أواخر نوفمبر 2016 .

حالة الخوف هذه تغذيها مواقف المهدي ، و تأثيره الذي يصفونه بالسلبي تجاه أي حراك شعبي مقاوم للسلطة، ومنذ إعلان حزب الأمة القومي الذي يتزعمه الرجل، تاريخ العودة منهياً 30 شهراً من المنفى الإختياري، تسائل الكثيرين عن الدوافع و لم يخفوا تكهناتهم بوجود صفقة خفيه تقف وراءها، و عن الضمانات التي وجدها الرجل و الحزب.

وظل المهدي مقيماً في القاهرة وتنقل منها إلى عدد من البلدان لكنها ظلت مكان إقامته الدائمة، و خلال تلك الشهور التي قضاهها بعيداً عن السودان، حاول تشكيل جبهة للمعارضة المدنية و المسلحة، من أجل كسر الجمود في ساحة السودان السياسية، لكن هذه المساعي لم تحقق سوى نجاح نسبي إستطاع أن يجمع الفصائل المسلحة وبعض القوى المدنية في تحالف قوى “نداء السودان”.
ورهن الرئيس السوداني عمر  البشير أكثر من مرة عودة المهدي بأن يتبرأ من تحالفه مع الحركات المسلحة قبل أن يتراجع لاحقا عن ذلك ويدعوه إلى العودة.

المهدي وسط أنصاره في ام درمان-أرشيف

واعتبرت فصائل معارضة في السودان عودته، دعماً للنضال ضد الحكومة، وخطوة لقيادة الشعب نحوها. ويرى مراقبون أن عودة الصادق إلى السودان من شأنها أن تحرك الجمود في المشهد السياسي، لأهمية الرجل ووزنه، فضلاً عن أنها ستسهم في إحداث تحولات سياسية تعيد حالة الاصطفاف من جديد.

إلا أن المهدي الذي غادر مطار القاهرة الدولي، ظهر الخميس، على متن طائرة للخطوط المصرية المتجهة إلى الخرطوم، ، كان في استقباله بمطار الخرطوم مساعد الرئيس السوداني وإبنه عبد الرحمن الصادق المهدي، ، إلى جانب فيصل حسن إبراهيم وزير الحكم الاتحادي، والذي رحب بالمهدي في تصريحات مشتركة معلناً أن الحكومة السودانية تمد أياديها للزعيم الطائفي الكبير للحوار والعبور الوطني، وهي الدعوة التي لباها المهدي على الفور معلناً ترحيبه بالاستعداد الحكومة للعبور الوطني، قبل أن يذكر الوزير بوثيقة”خارطة الطريق” للسلام في السودان، والتي أشار المهدي إلى أنهم وقعوا عليها مع الحكومة السودانية، مؤكداً على أنها يمكن أن تمثل مدخلاُ جيداً لحل القضايا الوطنية.

عودة المهدي والترحيب الحكومي الذي وجده أخر رئيس وزراء في السودان أمس الخميس، تتقاطع مع عودة أخرى للرجل في العام 2002م، عندما فارق “التجمع الوطني الديمقراطي” الذي كان يمثل قوى المعارضة الرئيسية لحكومة الرئيس البشير في منتصف التسعينات، بحسب عبد الله رزق، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، الذي يقرأ الأمر في ذات السياق، مشيراً إلى أن  من مخرجات إجتماع تحالف” نداء السودان”، الاخير ، في العاصمة الفرنسية باريس والذي حضره المهدي قبل أسبوع تبدو شبيه بظروف العودة الأولى، فالاجتماع انتهى بانقسام في الرأي حول موضوعين أساسيين، يمكن أن يؤدي استمرار الخلاف حولهما إلى تقويض وحدة التحالف العضوية ، و يتابع الخلاف الاول تمحور حول مسألة إعادة هيكلة التحالف ، وهي القضية التى صارع المهدي حولها داخل “قوى الاجماع” المعارض  إلى أن انتهى به الامر للاقتراب من النظام باسم الحوار الوطني

وهو ذات الخلاف الذي أثاره المهدي في التجمع الوطني الديموقراطي، منتصف التسعينات عقب خروجه من البلاد، ولم ينتهي إلا بخروجه من التجمع بعد إتفاقه مع النظام في جيبوتي، والعودة الي الخرطوم،ولم يجد مقترح الهيكلة اجماعاً من القوى المشاركة  في “اجتماع باريس”، مما أدى لتشرزم التحالف حول محورين، ثانيهما كان بصدد الموقف من خارطة الطريق بحسب رزق الذي يرى في حديثه لـ”الجماهير”، أن المهدي يتمسك بخارطة الطريق ، التي وقع عليها مع قوى نداء السودان، في أديس ابابا.

و يتابع رزق:مشيراً إلى أنه على الرغم من أن النظام بانهائه حواره مع الأحزاب التي لبت دعوة البشير يكون قد قطع الطريق أمام أطراف خارطة الطريق للاتحاق به ، إلا أن المهدي سعى لايجاد مخرج من النفق المسدود الذي انتهت اليه الخارطة، فيما  يرفض الطرف الآخر في نداء السودان ، العودة مرة أخرى للحوار حول خارطة الطريق ، باعتبار ان النظام لم يلتزم بها.

عبد الله رزق: يهدف لتوحيد القوى في هيكلة تتيح له قيادتها

ويرى رزق أنه لايمكن قراءة خطوة المهدي بمعزل عن انقسام أخر طرأ على تحالف “نداء السودان” حين جنح جزء من قوى التحالف فيما بعد، إلى إعادة هيكلة “الجبهة الثورية” ، بتكريس خلاف مزمن حول رئاسة الجبهة واقصاء مكونات حركات دارفور المسلحة منها، وايجاد جبهتين ثوريتين ، بحكم الامر الواقع .

وبالنتيجة فان وحدة هذا القسم من المعارضة أصبحت على المحك، الأمر الذي يؤثر على تعاطيها مع مساعي التسوية وعلى شكلها ومضمونها. من المتوقع أن تجد عملية التسوية قوة دفع جديدة بعد انتهاء عملية تنصيب رئيس جديد للولايات المتحدة الامريكية موخراً ، في وقت بدأ ، أن الاخيرة ، لها اهتمام خاص بالسودان، وبدوره الاقليمي ، كما اتضح من حيثيات القرار الأخير لإدارة أوباما ، بتخفيف العقوبات عن السودان ، ووضعه تحت الاختبار ، بشأن محاور محددة ، منها ، قضية السلام في البلاد.

امريكا السودان
مباحثات رفع العقوبات بين واشنطن و الخرطوم

وينتظر أن تدفع الولايات المتحدة ، باتجاه نهاية سريعة للحرب، وطي النزاع المسلح في دارفور ، وجنوبي كردفان والنيل الازرق عبر التفاوض ، بعد أن استجاب النظام لمقتضي وقف العدائيات ، وتراجعت الحركة الشعبية – قطاع الشمال ، بالمقابل ، عن موقفها المتشدد من مسألة توصيل المساعدات الانسانية للمتضررين من الحرب، والتى وقفت حجر عثرة أمام جولات مفاوضات الجانبين ، في اديس ابابا.

مع نهاية عهد باراك اوباما، بدأ أن مناخا جديدا بدأ يتشكل حول السودان، يتمثل ذلك في تحول في الموقف الامريكي والدولي ، تجاه قضية الحرب ، في البلاد. فقد وجه المبعوث الامريكي الخاص للسودان وجنوب السودان ، دونالد بوث ، قبيل مغادرته منصبه ، نقدا قاسيا للحركات المسلحة ، ولقطاع الشمال، اتهمها أانها لا تمثل مصالح شعوبها بقدر ما تهتم بمصالحها الخاصة ، في الوقت نفسه، خلص خبراء للامم المتحدة، إلى نهاية النزاع في دارفور ، عدا منطقة واحدة ، وانسحاب المسلحين من المنطقة إلى خارج البلاد وتحولهم إلى ممارسة النهب المسلح والارتزاق ، وهو ماقد يعني اقصائها من أي معادلة للسلام ، او ملاحقتها ، مثل جماعة جيش الرب اليوغندي ، بدعاوى الارهاب .

كما أن انحسار التأييد والدعم الدولي للحركات المسلحة ، مع التقارب مع النظام ، هو شكل من الضغط على هذه الحركات، والذي سيفرض عليها ، في غياب هامش واسع للمناورة ، القبول بمشروعات التسوية التي يطرحها المجتمع الدولي ويرعاها.

وبحسب رزق فإن عودة الصادق المهدي للبلاد، ضمن هذه الظروف، تعني استمرار، مهمته التى انتدب نفسه لها في الخارج، واستئنافها من الداخل ، وهي توحيد القوى السياسية ، ضمن هيكلة تتيح له القيادة ، وضمن استراتيجية ، تعتمد الحوار والتفاوض مع النظام وسيلة أساسية .

بالإضافة إلى أن وجوده  بالداخل ، يمكنه من إدارة حوار مباشر مع النظام لايجاد مخرج ، من مأزق “خارطة الطريق”  والتنسيق مع الوساطة الافريقية لاحياء دورها من جديد ، بعد هبوط مؤقت في مستوى النشاط الجماهيرى المعارض، واعادة تجميع وتوحيد أطراف قوى نداء السودان، خاصة  حول موقف تفاوضي.

ومن الطبيعي ، ان تؤكد الحاجة لوحدة قوى المعارضة ، اتصال المهدي بتحالف قوى الاجماع الوطني ، غير أن ذلك يصطدم ، بتمايز موقف الطرفين وتضادهما ، فالتحالف يراهن على الانتفاضة الجماهيرية ، ويرفض الحوار مع النظام ، كما أنه يرفض أي محاولة لمايسميه ترقيع النظام أو إدخال تحسينات عليه ، ويدعو إلى اسقاطه وتصفية كل مرتكزاته

فيما يتناغم ويتسق موقف المهدي وحلفائه وفقاً لرزق مع مايسمى بالهبوط الناعم، الذي تعمل على المساعدة على تحقيقه، قوى دولية ، بمافيها الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي، لمساعدة النظام للخروج من أزماته ،ومن ذلك تخفيف العقوبات الامريكية، المشروط، لتمكينه من القيام بمهمات لصالح هذه القوى على المستوى الاقليمي، مثل الحرب على الارهاب، كماورد في حيثيات التفاهم مع الولايات المتحدة ، الذي انتهي لتخفيف العقوبات .

نبيل أديب: دوره القيادي من الداخل مهم لحل أزمات البلاد 

نبيل اديب

إلا أن عودة المهدي لمباشرة دوره القيادي من داخل وطنه تعتبر مسألة مهمة وفقاً لنبيل أديب المحامي والناشط في قضايا حقوق الإنسان، والذي يجمل أهمية الخطوة في كونها تسهم في حل أزمات الحكم المستفحلة الت تمر بها البلاد، وهذه الأهمية لاتقتصر على قيادة المهدي لكتلة سياسية جماهيرية تقليدية وحديثة كبيرة، بل تتعداها لحكمته السياسية وقدرته على طرح معتدل على الصعيدين السياسي والفكري، ويتابع أديب مشيراً إلى أن المرحلة التي تمر بها البلاد تتطلب الالتفاف حول برنامج حد أدني يخرج بالبلاد من الأزمة التي تمر بها عن طريق برنامج طويل المدى يرسخ للتحول الديمقراطي الحقيقي، والمهدي بما له من قدرات يمكنه أن يعلب دوراً هاماً في هذا الأمر.

لكن عودة المهدي تبدو مساوية لعدمها مالم يقرر المهدي وحزبه لعب الدور المنوط بهم في عملية التغيير وفقاً لأبوبكر عبد الرازق، الباحث السياسي، الذي يعزي الأمر إلى تغير قوانين اللعبة في السودان مع تصاعد الحراك المقاوم للسلطة، مشيراً إلى أن أي محاولة من القوى السياسية التقليدية “حزب الأمة والحزب الشيوعي والحزب الإتحادي”، لإحباط التغيير عبر التعامل بذات العقلية القديمة سيضعها خارج الملعب السياسي نهائياً وستكون خصماً عليها.

إذا عاد المهدي بأدوات لعبته القديمة سيكون جزءً من قوى الثورة المضادة

أبوبكر عبد الرازق-باحث السياسي

ويرى عبد الرازق في حديثه لـ”الجماهير”، أنه إذا عاد المهدي بذات أدوات لعبته القديمة فانه يمثل جزءً من قوى الثورة المضادة التي تعمل على إفشال التحول الديمقراطي بذات أدوات الثورة نفسها، و عن العودة يقول عبد الرازق هي خطوة مهمة لان وجود المعارضة خارج البلاد يترك المساحات للنظام و يوفر له دعاية لاتهامها بالارتماء في أحضان القوى الخارجية لكن هذه العودة يرهنها بالعمل في خط المقاومة أو الرضا بالخروج عن قواعد اللعبة.

و يتابع  عبد الرازق مشيراً إلى أن القوى التي أفرزها الاعلام الاجتماعي وشبكات التواصل اخرجت التعاطي في الشأن العام من البيوتات و حولته إلى هم يشارك فيه جميع السودانيين و انهت الفوارق المجتمعية لافتاً الي تشكل جسم جديد بلا راس او قائد يصعب اختراقه يعبر عن السودانيين جميعاً.

وجود المهدي في الخرطوم يمكن النظر له من زاويتين، يحصرهما الجودة بشارة، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي، في مواصلة الرجل لخطه الداعي لتوحيد مراكز المعارضة، وهي الجهد الذي يمكن أن يكلل بالنجاح من داخل الخرطوم إلا أنه يتطلب مواجهة مضايقات النظام، أما الزاوية الثانية بحسب الجودة فهي بحث حلول للأزمة السودانية وتحريك الجمود الذي يلازم الساحة السياسية، وهي الجزئية التي يمكن للنظام أن يستميل فيها المهدي إلى صفه ومغازلته، مشيراً إلى أن رؤية المهدي التي تجنح إلى حلول أقل كلفة سياسية هي مايثير المخاوف وسط الكثيرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى