رأي

الطيب جلكامش يكتب : في أوهام عويلة {56} الٱفلة: حسبو الإبيله نموذجا.

في أوهام عويلة {56} الٱفلة: حسبو الإبيله نموذجا.

الطيب جلكامش

 

في كتابه محاسن التاريخ ومساوءه بالنسبة للحياة، يقرر نيتشه أن الأوهام ضرورية لبعض الناس، خاصة في الفترات التاريخية الحرجة، ذلك أن الحقيقة في تلك اللحظات تصبح كابوسا في حق هؤلاء وٱخر شيء يريدون إدراكه. وتغدو الأوهام ضرورية لهؤلاء، نظرا لأنها تعمل كمخدر أو مسكن يمكنهم من العيش في راحة وسلام؛ وهؤلاء هم ضعاف العقول، الذين يكمن ضعفهم في عدم توفر عقولهم على القدرة على تقبل الحقائق التي تناقض قناعاتهم الراسخة؛ والتي تمثل مؤشرا على قوة العقل. إن مقولة نيتشه هذه تنطبق تماما على حالة أحد عويلة {56}، وهو المدعو حسبو الإبيله، والذي كتب: “لا أرى جنجويدي واحد يضع صورة الشيخ محمد سيد حاج، أو محمد وردي، أو الكابلي أو عثمان حسين، أو عبد العزيز داؤود او السر قدور. لا يتغنون بأشعار الدسوقي، ولا بروائع الكاشف وكرومة وسرور والجابري. لا يعرفون حمد الريح ووصيته ” ولا “غربة وشجن” لزيدان إبراهيم، ولا ينوحون مع حمامات ود الرضي ومحمود عبد العزيز.”. ونؤكد أن مقولة نيتشه تنطبق على حسبو الإبيله من ناحية أن الرجل يعرف يقينا، مثلما يعرف جميع عويلة {56}، أن الجنجويد سودانيون جدا، حتى أن بعضهم قد يكونون أصدقاء أو أنسباء أو أقارب أو معارف؛ ولكن ما يمنع حسبو الإبيله، وعويلة {56} من الاعتراف بهذه الحقيقة، هو أنها حقيقة تناقض جذريا قناعاتهم حول حرب الكرامة، والتي تعرفها على أنها حرب ضد غذاة؛ وبالتالي فإن الاعتراف بسودانية الجنجويد يعني الطعن في صحة جميع سرديات معركة الكرامة، وفي مشروعيتها بالتبع.

 

 

جدير بالذكر، أن أهم وأكبر أوهام حسبو الإبيله، وعويلة {56}، التي قد حطمها الجنجويد، كانت تلك المركزية الثقافية الزائفة، التي ينصب فيها العويلة أنفسهم مركزا للسودان ومن ثم يطلقون أحكامهم القيمية المغرضة في حق بقية السودانيين انطلاقا من وهمهم هذا. وهو الوهم الذي تكشفه تعبيرات حسبو الإبيله التي على شاكلة، “استدعاءاتهم كلها غريبة لا تشبهنا” ، و”لا ألحان ولا أغاني لا أمثال أو حكايات ولا ذاكرة مشتركة.”، “إنهم مختلفون عنا”، وكذلك قوله “لم أجد جنجويدي واحد يحيل إلى شاعر أو فنان أو إلى رواية أو كاتب أو إعلامي أو تراث شعبي مشترك. أغانيهم كلها مستوردة و أشعارهم مختلفة “. ونؤكد أن هذه التعبيرات تمثل أوضح تجليات أوهام حسبو الإبيله حول أنه هو وحده السوداني الحق، السوداني الأصيل والنموذجي، والذي لا يوجد بالطبع إلا في مخيلته؛ ولذلك ليس من الغريب أن تصبح معرفة شعراء ومغني الإذاعة والتلفزيون، مثل الكابلي والجابري كرومة وسرور وود الرضي و…..الخ، شرطا للأصالة والسودانية الحقة، التي يقف الجنجويدي على النقيض معها كما يرى الإبيله. والحقيقة هي، أن هؤلاء الشعراء والفنانون، الذي نرى أن لبعضهم فنا جميلا، كانوا تمثيلا فنيا لذائقة الطبقات المدينية الحديثة، وليس كل السودانيين، كما أنه قد انتشر نظرا لأن هذه الطبقات قد احتكرت كل شيء، بما في ذلك أدوات إنتاج الفن الفن، ولكنهم قطعا لا يمثلون ذائقة الشعب السوداني أجمل، والذي أجزم هنا، أن معظمه لم يسمع بهم ولا يعرفهم، أو لا يسمع لهم، ذلك إن عرفهم.

 

 

نشير أيضا، إلى أن الجنجويد لم يكونوا وحدهم من دكوا أوهام عويلة {56}، ذلك أن حركة العولمة، التي أتاحت وسائل إنتاج الفن لمجتمعات لا تملك تلفاز أو راديو تعرض عبره فنونها، قد كانت عاملا مهما في تحطم احتكار الطبقات المدينية النهرية، التي ينتمي لها حسبو الأبله، للفن الرسمي عبر لجان مصنفاتها في الإذاعة والتلفزيون القومي اسما، والنهري واقعا. وهو ما أدى إلى ظهور وتكشف الذائقة السودانية الشعبية، التي يمثلها فناني الربابة بالجزيزة وشرق السودان، وفناني أبالة وبقارة غرب السودان أو الجنجويد؛ وجمع الفانين غير المعترف بهم من قبل الذائقة المدينية ولجان مصنفاتها الفنية. ونؤكد في هذا الصدد، أن الجنجويدي إبراهيم إدريس، كان لا يحتاج إلى أي شيء أكثر من كاميرا وإمكان وصول جماهري، حتى يعرفه كل السودانيين ويحبو فنه. ولعل العولمة بإتاحتها للكاميرا وإمكانية الصول الجماهير لأمثال هذا الفنان الجنجويدي، كانت بذلك تقضي على احتكار البورجوازية المدينية لأدوات إنتاج الفن، ما أدى إلى ظهور أجيال، حتى من بني جلدة حسبو الإبيله نفسه، لا يعرفون وردي أو الكابلي، ولم يسمعوا بالطيب صالح وبقية الأصنام الأخرى التي يعبدها حسبو الأبيله، والتي لم تصمد أمام الذائقة الشعبية السودانية التي فضلت “يا زهرة أنا في خطر” و “كروزر الحوامة”، على وحمد الريح ووصيته.

 

نلاحظ أن حسبو الأبيله، وجميع عويلة {56}، بعد أن يمركز نفسه وثقافته وذائقته الفنية، وينصب نفسه السوداني الحق، يصنع أصنامه بنفسه وعقب أن يعبدها يطالبنا نحن أيضا بعبادتها. وفي حال لم نقبل أن نشاركه أوهام مركزيته هذه، التي تصنف الجنجويد: “كيانات منفصلة ثقافياً واجتماعياً…. فعلاً هؤلاء مغتربين عن دولتنا مختلفون عنا.”؛ ولم نشاركه عبادة أصنامه الثقافية، لابد أن نصير غرباء وأجانب؛ لأن وجودنا في ظل عدم اعترافنا بأوهام عويلة {56} يهدد طمئنينتهم وعالمهم الهانئ الممتد من الخرطوم وحتى حلفا شمال. ولعل، بلاهة حسبو البيلي تكمن في ألا أصالة، إن كان يفهم في الفلسفة، كما أن لا فنون وٱداب سودانية حصرا دون غيرها، إن كان يعرف الأدب والفنون. ونؤكد هنا، إن كان للإصالة من وجود، فهي مع الجنجويد، لا مع عويلة {56}، خاصة أن لهم فنون شعبية ظلت تتوارثها أجيال لعدة قرون. ونرجح هنا، أن تكون أغنية الجنزير التقيل من تراث الجنجويد البقارة بكردفان، أقدم حتى من دولة {56} نفسها، نهايك عن أن تكون أقدم من إذاعتها وتلفزيونها ولجنة مصنفاتها الأدبية، التي يظنها حسبو الإبيله الثقافة السودانية الحقة؛ توهما وبلاهة.

 

 

أبعد من ذلك، إن بلاهة حسبو الإبيله هذا، وبالرغم من تشدقه بالأصالة، وتوصيفه الجنجويد بالغرباء، تكمن في أنه يظل جاهلا بالفنون والٱدب الشعبية السودانية، التي يمثل الجنجويد رافدا مهما من راوفدها ولكن ليس له هو ولمجتمعاته، وإنما لملايين السودانيين الٱخرين الذين لا يعرفون روائي الأزمنة الحديثة، ولكنهم يعرفون قصة ناقة فني وأحاجي أبو زيد الهلالي وطه وريا، والذين لا يعرفون أيضا فنون الجاز والريقي والزنق والحقيبة وأشكال الغناء الحديثة الأخرى، لكنهم يعرفون الكاتم والعربج والجار والجراري والتويا والهسيس والهرما و…الخ؛ التي ستظل فنونا سودانية، حتى وإن لم يسمع أو يعترف بها حسبوا الأبله. ونقول أخيرا؛ إن أوهام حسبو الإبيله ، وعويلة {56}، التي كان تصور لهم أنهم الأكثر ذكاء والأشجع بين السودانيين، والأكثر أحقية بالحكم، والأكثر سودانية، وعروبة، والأصوب أخلاقيا؛ قد حطمها الجنجويد بغير رجعة؛ ومن هنا فإن كبرياء حسبو الأبله الجريح، وعويلة {56} الٱخرين، لا ولن يقبل أن يكون الجنجويدي سوداني مثله تماما، ناهيك عن أن يكون الأشجع والأقوى والأقدر على الحكم مثلما أثبت الواقع، حيث أن الاعتراف بسودانية الجنجويد يعني شرعنة وجودهم وفعلهم في التاريخ؛ الأمر الذي يهدد عالم عويلة (56) الهانئ، حيث يغني الكابلي وود اللمين و…..الخ؛ خاصة وأن الجنجويدي لا يأتي بلا ثقافة، وإنما بحكاماته وهدايه ومردومه وجراريه وبقيمه الثقافيه الفروسية التي تحملها جحافل الأبالة والبقار وأبناء القطاطي والخيام؛ التي بثت الرعب والكراهية في قلب حسبو الإبيله، وعويلة {56}، وحطمت أوهامهم التي كانت تبقيهم مطمئنين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى