تقرير – الجماهير
لم يعد الغلاء في «كسلا» مجرد أرقام تتبدل على رفوف المتاجر، بل بات ضغطا يوميا يلامس قدرة الناس على البقاء.
وفي سبتمبر الماضي، تحولت أزمة معيشية إلى واقعة شديدة القسوة، عندما حاول شاب في العقد الثاني من عمره الانتحار داخل سوق كسلا، عقب مصادرة بضاعته وفرض غرامة مالية عليه بلغت نحو مليون ونصف المليون جنيه، وفق إفادات محلية.

وتدخل أشخاص في اللحظات الأخيرة ومنعوا الشاب من الانتحار ، في واقعة كشفت حجم الضغوط التي يعيشها أصحاب الأنشطة الصغيرة، ممن يعتمدون على تجارتهم اليومية لتوفير احتياجاتهم الأساسية.
ويقول مواطنون تحدثوا لـ”الجماهير” إن ارتفاع الأسعار وتراجع الدخول دفعا كثيراً من الأسر إلى تقليص احتياجاتها إلى الحد الأدنى، بينما باتت مصاريف الغذاء والمواصلات والتعليم تمثل عبئاً متزايداً.
طلاب خارج الفصول
ولا تتوقف الأزمة عند حدود السوق. فحسب حيث ، اضطر طلاب في المدارس إلى ترك مقاعدهم الدراسية والاعتماد على استعارة الكتب والمذاكرة من المنازل، بسبب عدم القدرة على توفير تكاليف المواصلات والطعام والزي المدرسي.
ويقول طالب في السنة النهائية بالمرحلة الثانوية إن أسرته لم تعد قادرة على توفير تكلفة المواصلات أو مصروف الإفطار، فضلاً عن مستلزمات الدراسة.
ويضيف: “لدي حلم لمواصلة دراستي واللحاق بالجامعة، ولهذا لم أترك الدراسة نهائياً، فقط تركت مقعدي في الفصل وأذاكر من البيت”.
سوق بلا قدرة على الشراء

في الأسواق، تبدو الأزمة في صورة أخرى السلع موجودة، لكن القدرة على شرائها تتراجع.
وقال تجار لـ”الجماهير” إن حركة البيع والشراء انخفضت بصورة ملحوظة، فيما أصبحوا يتابعون الموردين بصورة شبه مستمرة لمعرفة الأسعار الجديدة، في ظل صعوبة تثبيت أسعار السلع بسبب تغير تكاليف الشراء والنقل.
وقال أحد التجار لـ الجماهير ” السوق بات شبه مهجور لعزوف المواطنين عن التسوق.
وتعكس الأسعار المتداولة حجم الضغوط على المستهلكين؛ إذ يتراوح سعر جوال الذرة “ود أحمد” بين 700 و750 ألف جنيه، بينما تجاوز جوال القمح 700 ألف جنيه.
وبلغ كيلو السكر نحو 7–8 آلاف جنيه، وجوال الدقيق زنة 25 كيلوجراماً نحو 140 ألف جنيه، وكيلو الأرز 24 ألفاً، ورطل الشاي 24 ألف جنيه، ورطل الزيت 12 ألفاً، بينما وصل سعر ولتر الزيت إلى نحو 22 ألف جنيه.
فيما بلغ رطل الحليب نحو 4 آلاف جنيه، فيما وصلت شكارة لبن البدرة السعودي إلى نحو 1.2 مليون جنيه.
حتى الحليب يتراجع
ويقول تجار إن ارتفاع تكاليف التشغيل دفعهم إلى تقليص الإنتاج، مشيرين إلى خفض الكمية اليومية من الحليب من نحو 400 رطل إلى 200 رطل، بينما أوقف بعضهم إنتاج وبيع الزبادي بسبب ارتفاع التكلفة وتراجع هامش الربح.
ويضيف التجار أن أزمة غاز الطهي زادت الضغط، مع وصول سعر الأسطوانة إلى نحو 125 ألف جنيه، ما دفع بعض الأسر والأنشطة إلى العودة لاستخدام الحطب بديلاً.
ويقول مواطن من كسلا، طلب حجب هويته خشية الملاحقة الأمنية، إن المواطن “انهار تماماً مع الانهيار الاقتصادي” ، مستطردا “لم نعد قادرين على الشراء.. البؤس أصبح عنوان الحياة في كسلا”
وشهدت مدينة «كسلا» احتجاجات شعبية تندد بتدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، و ندرة المواد والاحتياجات الضرورية، وصف فيها المتظاهرون قائد الجيش «عبدالفتاح البرهان » بالرجل الجبان ، وانه من تسبب في هذا الوضع ، وسط مطالبات برحيله البرهان.
كما شاركت عدد من بائعات الشاي في الاحتجاجات، اعتراضاً على الإجراءات التي اتخذتها السلطات بحقهن، والتي شملت مصادرة أدوات ومستلزمات العمل وإغلاق مواقع عملهن، إلى جانب فرض غرامات مالية، وطالبن بإيقاف هذه الإجراءات والسماح لهن بممارسة أعمالهن التي يعتمدن عليها في توفير احتياجات أسرهن.
وتبدو المفارقة أكثر قسوة في ولاية تتمتع بموارد زراعية وتضم مشروع حلفا الجديدة الزراعي، أحد المشروعات المروية الرئيسية في السودان، بينما يواجه اغلب سكانها صعوبة متزايدة في تأمين الغذاء والتعليم ومستلزمات الحياة اليومية.
وفي ظل هذه الضغوط، لم تعد أزمة الأسعار قضية اقتصادية مجردة، بل أصبحت تمس قدرة الأسر على الاستمرار، وتضع التعليم والعمل والاستهلاك اليومي أمام اختبار قاسٍ.




