تقارير وتحقيقات

بين مطرقة صفوف الخبز وسياط طوابير الوقود.. الخرطوم تختنق بالجوع والعطش والظلام

تقرير  _ الجماهير

وضعٌ يفوق البؤس، وواقع معيشي يضغط على ملايين السودانيين في المدن المختلفة، لكنه يبدو أكثر قسوة ووحشية في العاصمة الخرطوم، حيث بات المواطن محاصراً بين أزمات متلاحقة لا تترك له منفذاً للنجاة .. طوابير طويلة للحصول على الخبز.. وصفوف تمتد كيلومترات أمام محطات الوقود، ومواصلات معدومة ، ومياه تنقطع، وكهرباء غائبة، وأسعار تلتهم ما تبقى من دخول أنهكها الانهيار الاقتصادي.

على امتداد الطرق الرئيسية في العاصمة، يتراص المواطنون منذ ساعات الصباح الأولى في انتظار مركبة تقلهم إلى وجهاتهم؛ مدارس وجامعات ومواقع عمل، فيما يضطر آخرون إلى قطع مسافات طويلة سيراً على الأقدام بعد أن عجزت وسائل النقل عن توفير الحد الأدنى من الخدمة. المشهد ذاته يتكرر أمام محطات الوقود، حيث تصطف السيارات والمواتر في طوابير مرهقة، قد يمضي أصحابها ساعات طويلة دون ضمان الحصول على احتياجاتهم، بينما خرجت بعض المحطات عن الخدمة بعد نفاد مخزونها.

توقف الدراسة

ونسبة لعدم توفر المواصلات تعطلت معظم المدارس بالخرطوم وفق مواطنين تحدثوا لـ ” الجماهير” وقال احدهم ان اغلب الطلاب الذين يدرسون في مدارس بعيدة لم يتمكنوا من الوصول الى مدارسهم وعادوا الى بيوتهم ، فيما قال معلم بمدرسة ثانوية ان اغلب الفصول خالية من الطلاب لعدم حضورهم واضاف انهم لم يتخذوا اي اجراء ضدهم .

وفضلا عن عدم توفر المواصلات ارتفعت تعرفة المواصلات الى ارقام فلكية حسب مواطن تحدث لـ ” الجماهير ” وقال ان تعرفة المواصلات من اللفة الى السوق المركزي الخرطوم قفز من 2.500 جنيه الى 8.000 جنيه ، بينما ارتفعت تعرفة النقل من الأحياء جنوب الكلاكلات الى الكلاكلة اللفة بمحلية جبل اولياء من 2000 جنيه ، الى ” 5000″ جنيه ، الأمر الذي دفع اغلب العاملين من هذه الأحياء في الاسواق عدم الذهاب الى مواقع عملهم.

وطبقا للمواطنين لم تعد أزمة الوقود مجرد مشكلة في حركة المركبات، بل تحولت إلى عبء إضافي يضرب تفاصيل الحياة اليومية، من انتقال الموظفين والطلاب إلى نقل السلع والمواد الغذائية، وصولاً إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والتوزيع، في حلقة تضخم لا تتوقف عند حدود قطاع بعينه.

الخبز.. والبدائل صنوان

في المخابز، لا تبدو الصورة أقل قتامة. فقد قفز سعر جوال الدقيق إلى نحو 191 ألفاً و500 جنيه، وفق اصحاب المخابز ، وسط ارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والنقل، فيما حذرت تقديرات قطاع المخابز من احتمال وصول سعر قطعة الخبز إلى ألف جنيه.

وفي الوقت نفسه يقف المواطنون وسط موجة غلاء طاحنة في بدائل الخبز ، حيث بلغ سعر اردب الذرة مليوني جنيه ، ويقول المواطن حسن سعيد _ من جنوب الخرطوم انهم يعانون من توفير وجبة واحدة بعد ارتفاع اسعار الخبز وصعوبة الحصول عليه بسبب الطوابير ، بينما نشتري ملوة دقيق الذرة لا تكفي لوجبتين بـ “25” الف جنيه .

وبين ارتفاع أسعار الدقيق والغاز والجازولين وتراجع قيمة الجنيه، تجد المخابز نفسها أمام خيارات قاسية حسب ” م.م” صاحب مخبز بالكلاكلة اللفة جنوبي الخرطوم ، وقال “م” لـ ” الجماهير” انه لا خيار امامهم الا برفع الأسعار أو تقليص الإنتاج أو التوقف عن العمل.

 أما المواطن، فيجد نفسه مضطراً إلى إعادة ترتيب أولوياته اليومية، بعدما أصبح تأمين الخبز نفسه معركة تستنزف دخله المحدود.

دولار يشتعل.. وأسواق تفقد توازنها

وتتضاعف الأزمة بفعل الانهيار المتسارع للعملة الوطنية، إذ تجاوز الدولار في السوق الموازي حاجز 10,300 جنيه للشراء، متعاملين بالسوق الموازي للعملة ، مقابل مستويات أقل بكثير في السوق المصرفي، ما يعكس اتساع فجوة الصرف ويغذي موجات جديدة من التضخم.

ولم تعد انعكاسات هذا الانهيار محصورة في أسعار السلع المستوردة، بل امتدت إلى الغذاء والخضروات واللحوم ومواد الإنتاج والخدمات، لتتراجع القدرة الشرائية للأسر إلى مستويات بالغة الهشاشة.

الخرطوم.. عودة بلا خدمات

وفي الوقت الذي عاد فيه ملايين المواطنين إلى ولاية الخرطوم أملاً في استعادة حياتهم، اصطدم كثيرون بواقع مختلف؛ عودة إلى منازل تفتقر إلى الخدمات الأساسية، وأحياء تعاني انقطاع الكهرباء والمياه، وأسواق تعمل تحت ضغط نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل.

فانقطاع الكهرباء لا يعني مجرد البقاء في الظلام، بل يمتد أثره إلى توقف آبار المياه وتعطل الأنشطة التجارية وارتفاع تكلفة الخدمات البديلة. وفي مناطق بشرق النيل وغيرها، اضطر مواطنون إلى البحث عن مصادر مياه بديلة، بعضها مكلف أو غير مأمون صحياً ، حسب مواطنين تحدثوا لـ ” الجماهير” وقالوا انهم اضطروا لشراء المياه من عربات كارو تنقل المياه من مصادر ملوثة بمياه الصرف الصحي غالبا للرائحة التي يشمونها ، ولكن لا خيار أمامهم .

أما المستشفيات ومراكز غسيل الكلى والعناية المكثفة، فتواجه تحديات خطيرة مع اضطراب إمدادات الكهرباء والمياه، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع الفجوة بين الاحتياجات الصحية والإمكانات المتاحة ، ويقول مدير طبي بمستشفى بجنوب الخرطوم طلب حجم اسمه واسم المستشفى ان المرضى يعانون كثيرا جدا في الحصول على الادوية المنقذة للحياة ، الى جانب معاناتهم في العمليات التي تتأجل بسبب انقطاع التيار الكهربائي في اغلب الاوقات ، وطالب سلطة ولاية الخرطوم بتوفير مولدات تغطي فترات انقطاع التيار التي تمتد لاكثر من 19 ساعة .

المعاشيون.. الفئة الأكثر سحقاً

ولا تقف تداعيات الأزمة عند العاملين وأصحاب الدخول المحدودة، بل تمتد إلى المتقاعدين الذين يجدون أنفسهم في مواجهة أسعار لا ترحم ومعاشات عاجزة عن توفير الغذاء والدواء. ومع تعثر صرف الاستحقاقات والزيادات المعلنة، يصبح كبار السن أمام معادلة قاسية: كيف يمكن لمعاش محدود أن يصمد أمام سوق تتغير أسعاره بوتيرة أسرع من أي زيادة في الدخول.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى