في سودانٍ أنهكته المحن وتكاثفت عليه الجراح، يُطلّ بعض الدعاة من نوافذ المنام، ليحدثونا عن رؤى رآها النائمون، ويوجهوا بها مصير شعبٍ بأكمله. كان آخرهم الداعية المعروف محمد هاشم الحكيم، الذي قال إنه رأى الرسول الكريم في المنام، وقد أوصاه بدعوة الجيش والدعم السريع للتفاوض. وكأنَّ السلام لا يُصنع بالتفكير الواعي والتنازلات الشجاعة، بل يُؤتى في غفوة نوم! هكذا كانت سواقه بالخلاء ثلاثين عام من حلم ورؤيا الملائكة في القتال..
هذا النمط من التديين السياسي، الذي يلبس لبوس الغيب لتبرير الخيارات الأرضية، ليس جديدًا على بلادنا. فقد سبق أن فُصل البروفيسور فاروق كدودة -رحمه الله- من جامعة جوبا، لا بسبب تقصير أو فساد، بل لأن مدير الجامعة د. زكريا بشير إمام زعم أن الحضرة النبوية جاءته في المنام وأمرته بفصله! وبعد صراعٍ قضائي طويل عاد كدودة إلى منصبه بقرار المحكمة، لكنه في اليوم التالي قدّم استقالته. ولما سُئل في حوار صحفي عن السبب، أجاب بسخريته اللاذعة:
“الله.. يعني عايزني أنتظر لحدي ما يرى في المنام أنه يذبحني؟!”…صدق كدودة مثلما قال الأديب من أين جاءوا هولاء.. حدث الذبح في زمن الغفلة.. وما زال السؤال: من أين جاءوا؟!
بين أوهام بعض الإسلاميين وأحلامهم، عاشت البلاد أزمنة من الاضطراب، كان يُبرر فيها القمع، ويُشرعن فيها القتل، ويُحرّك فيها العنف باسم الدين، وتُرتكب المجازر بفتاوى مؤدلجة، تُحمّل النصوص ما لا تحتمل. تخيّل كيف يفسر الإرهابي الذي قتل أطفال منطقة “الحمادي” الأبرياء بأنه “مجاهد”، وكيف يرى قاتل الطفلة أو المُشرِّد لملايين الناس أنه “مكلف شرعًا”، بينما الضحية يُنسى، وتُختزل الكارثة كلها في “رؤية” أو “تأويل خاطئ”.
ورغم كل هذا العبث، فإننا لا نزال نرجو السلام. لا نريده منامًا يُتلى على الملأ، ولا “تفسيرًا” تتكفله المخابر الدينية، بل نريده فعلًا بشريًا نابعًا من إرادة حرة، وعقل مستنير، وشجاعة اعتراف، وحوار بلا وسطاء نيام.
نعم، إن كان التفاوض حلمًا، فليكن حلمًا يقظًا. وإن كان رؤية، فلتكن رؤية المستقبل لا رؤى المنام. أما الحقيقة الوحيدة التي لا تقبل التأويل، فهي أننا نريد السلام، ونصنعه بإرادتنا، لا بتفسير “سبْرين” ولا بفتاوى الرؤى.
رحم الله كدودة.. فقد انسحب من مشهدٍ عبثي، لكنه ظل شاهدًا على لحظةٍ رأى فيها البعض أن مستقبل الأوطان يُحسم بجفونٍ مغمضة.. لا بعيونٍ مفتوحة على الحقيقة.





