تقارير وتحقيقات

حكومة داخل السودان.. ملء للفراغ الإداري والخدمي أم خطوة نحو التقسيم؟ (1)

تقرير: محمد الأمين خراشي

دعت أحزاب سياسية ومجموعات مسلحة وشخصيات عامة إلى تشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، وفي حين يعتبر البعض أن الخطوة يمكن أن تشكل خطرًا على وحدة البلاد، هناك من يحاجج بأنها تأتي استجابة لحاجات ضرورية، تخص قطاع عريض من السودانيين ظل خارج دائرة الدولة، وبلا خدمات، منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023م.

يغطي الجزء الأول من هذا التقرير الحواري، رؤى متقاربة ومكملة لبعضها البعض، حول الأسباب الأساسية التي تدفع إلى تكوين حكومة جديدة في السودان، وأولويات عملها، بجانب علاقة هذه الخطوة بمسألة التقسيم من عدمه.

ضرورات تشكيل حكومة داخل الأراضي السودانية:

يرى مستشار قائد قوات الدعم السريع، أيوب عثمان نهار، أن تشكيل حكومة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، أصبح أمرًا ضروريًا وملحًا من ناحية سياسية، وذلك من أجل تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين السودانيين.

أيوب عثمان نهار
أيوب عثمان نهار

وأوضح “نهار” أن سلطة بورتسودان الانقلابية رفضت جلوس طلاب الشهادة السودانية، المقيمين في مناطق سيطرة الدعم السريع، للامتحانات المؤجلة، وقامت بإجراء أحادي عبر تغيير العملة، كما منعت استخراج الأوراق الثبوتية لقطاع عريض من السودانيين.. كل ذلك يتطلب، في رأيه، تشكيل حكومة لتقديم الخدمات الضرورية، وحماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بجانب استعادة النظام الإداري.

ويقول أستاذ الفلسفة بجامعة الإمام المهدي، الطيب علي حسن، إن ضرورة تكوين حكومة في المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، تتأتى بالنظر إلى الفراغ الإداري الذي تعانيه هذه المناطق، والتي تمثّل ما يزيد عن نصف مساحة السودان. وأضاف أن هذا الفراغ “أدى إلى تفاقم معاناة المواطنين بشكل لا يطاق، حيث تنتشر المجاعة وتنعدم الخدمات تمامًا، في ظل غلاء حاد وسيولة أمنية ماثلة”. كل ذلك، وقضايا جوهرية أخرى، يحتم تكوين حكومة “تعمل بشكل أساسي على تخفيف معاناة المواطنين في هذه المناطق”، على حد تعبيره.

من جانب ثالث، يرى المحلل السياسي، عبد الله حسن عبد المجيد، أن تشكيل حكومة في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع يُظهر “الشرعية السياسية”، والتي تعني أن هذه المناطق ليست مجرد مناطق حرب، وإنما تُدار بإرادة سياسية وتنظيمية قادرة على حماية السكان وتحقيق مطالبهم.

وكشف “عبد المجيد” أن أحد دواعي تكوين حكومة في هذه المناطق، هو “خلق بديل لحكومة بورتسودان الغير شرعية بسبب ممارساتها التمييزية والإقصائية”. كما أن الخطوة تأتي في إطار سد الفراغ السياسي والإداري في ظل الغياب التام لخدمات الدولة، وفق رأيه.

في السياق، يتحدث الصحفي والمحلل الاقتصادي، محمد حمدان، عن عدد من الدواعي التي تبرر قيام حكومة سودانية في كافة الأراضي السودانية ولخدمة جميع السودانيين، أبرزها، “أن سلطة بورتسودان الحالية غير شرعية بموجب انقلاب 25 أكتوبر 2021م، وبموجب إشعالها للحرب التي أدى إلى انهيار دستوري شامل.

وعلى الرغم من انعدام الشرعية بالنسبة لسلطة بورتسودان، إلا أنها “ظلت تتشبث بشرعية مفقودة لإطالة أمد الحرب، حيث تُساوم في قضايا إنسانية كالإغاثة مع المجتمع الدولي مقابل الاعتراف بها، بل تُبرم صفقات السلاح وتوظف سفارات الدولة وكافة أجهزتها من أجل الحرب”. لذلك يشدد “حمدان” على أن “سحب الشرعية المدعاة من حكومة بورتسودان، بموجب مرجعية الثورة، هو أمر ضروري وبالغ الأهمية”.

وأوضح “حمدان” أن حرمان سلطة بورتسودان لقطاع عريض من المواطنين في ولايات الجزيرة والخرطوم وكردفان ودارفور، من الحقوق المدنية والاقتصادية، يبرر قيام حكومة شرعية تقوم بتقديم هذه الخدمات للسودانيين.

حول المجتمع المدني في مناطق سيطرة الدعم السريع:

بطبيعة الحال، يتطلب تشكيل حكومة ما، وجود مجتمع مدني منظم وفاعل، يعبر عن علاقة المواطنين الحقوقية بالنظام التنفيذي. وعلى الرغم من ظروف الحرب في السودان، التي أحدثت انقسامات عميقة شملت حتى الأحزاب السياسية، وهددت طبيعة النشاط المدني، إلا أن وجود المجموعات المنظمة والفاعلة يشكل حجر الأساس لضمان مؤسسية الأداء الحكومي. إن تشكيل حكومة في مناطق سيطرة الدعم السريع، يتطلب وجود مجتمع مدني يعبر عن تطلعات المواطنين ويعزز من مشاركتهم، بجانب مراقبة الأداء التنفيذي في ظل الحرب.

إزاء ذلك؛ يقول الطيب علي حسن، إن المجتمع المدني، خاصة القطاع الحديث في دارفور وكردفان، يعاني من “ضعف تنظيمي واضح”. ويضيف: “لكن المجتمع المدني التقليدي أكثر قوة، وهو الذي يحافظ حتى الآن على الحياة والأمن في هذه المناطق”.

الطيب علي حسن
الطيب علي حسن

وتوقع “حسن” أن يكون المجتمع المدني التقليدي في مناطق سيطرة الدعم السريع، المشارك والداعم الرئيس لهذه الحكومة، وذلك “نظرًا لأنهم أصحاب المصلحة الحقيقية من وجود حكومة في هذه المناطق”، وكذلك نظرًا للدور المحوري لهذا القطاع في الظروف الراهنة، ذلك أن “النظار والعمد وشيوخ الطرق وكل البنى التقليدية في هذه المناطق هي التي تؤدي دور الدولة منذ اندلاع الحرب”، بحسب تعبيره.

ويقول محمد حمدان: “هناك مجتمع مدني له تأثير سواء من خلال المنظمات المدنية الجماهيرية أو لجان الثورة، بل حتى المواطنين العاديين الذين ينشطون في مواقع التواصل سيشكلون نقطة رقابة مهمة ستتطور باستمرار مع الأيام”، وفق رأيه.

وشدد “حسن” على أن المجتمع المدني التقليدي لا يمكن تجاوزه في أي تشكيل حكومي قادم، كما رجح أن تشارك في تشكيل الحكومة “القوى السياسية ذات الصلة بهذه المناطق خاصة المسلحة منها”، في إشارة إلى حركات الكفاح المسلح المنضوية تحت لواء الجبهة الثورية، والحركات المحايدة الأخرى خارج تحالف تنسيقية “تقدم”.

في السياق، يؤكد عبد الله حسن عبد المجيد، أن المجتمع المدني تأثر بشدة بسبب الحرب التي أحدثت انقسامات على كافة المستويات. ومع ذلك، يوضح: “لا زال هناك نواة من النشطاء والإدارات الأهلية والتنظيمات المحلية التي تعمل في تقديم المساعدات وتنظيم المبادرات. هذه الفئة يمكن أن تكون شريكًا رئيسيًا في الحكومة الجديدة”.

من جانب رابع، نوه “أيوب عثمان نهار” إلى وجود “فاعل” للمجتمع المدني في مناطق سيطرة الدعم السريع، تمظهر بشكل أساسي في تشكيل الإدارات المدنية، التي اعتبرها خطوة أولى نحو استعادة الشرعية أو تشكيل حكومة ثورية شعبية تعبر عن ذات المجتمع المدني. كما تمظهر أيضًا، في خروج مواكب جماهيرية في المدن التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع، في يوم 19 ديسمبر، احتفالًا بذكرى الثورة.

ورجح “عبد المجيد” انخراط الحركات المسلحة المعارضة لسلطة بورتسودان في دعم مشروع الحكومة الجديدة، بجانب مشاركة بعض القوى من تنسيقية “تقدم” والشخصيات المستقلة “التي تملك قبولًا شعبيًا وتاريخًا نضاليًا، يمكن أن تُشكل عمودًا فقريًا للحكومة”.

بينما يتحدث “نهار” عن تكوين جبهة مدنية عريضة، تضم أكبر قدر ممكن من الأحزاب السياسية والحركات المسلحة التي تدعم مشروع التغيير، والشخصيات الوطنية المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني الفاعلة، والقوى المدنية والشعبية المناهضة للحرب، وكذلك أهل المصلحة من اللاجئين والنازحين والمرأة والشباب. كل هذه الفئات يمكنها المشاركة ودعم الحكومة المرتقبة في مناطق سيطرة الدعم السريع.

واستطرد: “نحن لا ندعي تمثيل كافة السودان، لكن المناطق التي تقع تحت سيطرتنا تمثل غالب أهل السودان”.

تعزيز للوحدة أم خطوة نحو للانفصال؟

وبشأن تأثير هذه الخطوة على وحدة البلاد، يقول عبدالله حسن عبد المجيد، إن تكوين حكومة في مناطق سيطرة الدعم السريع، يعتبر استجابةً ضروريةً لغياب دور الحكومة، وليست دعوة إلى الانفصال. وأفاد بأن “تكوين حكومة لا يعني التقسيم، بل يمكن أن يكون بداية لحوار جديد حول صياغة دولة أكثر عدالة وشمولية”.

عبدالله حسن عبدالمجيد

في الوقت نفسه، يعتقد “عبد المجيد” أن ما قامت به حكومة بورتسودان هو الاتجاه الفعلي نحو تقسيم البلاد، والذي تمظهر في “حرمان ملايين السودانيين من حقوقهم الأساسية”. وهو الأمر الذي يتفق معه أيوب عثمان نهار، الذي يرى أن خطوات التقسيم بدأت بالفعل حينما شرعت “عصابة بورتسودان” في تطبيق سياسة “قانون الوجوه الغريبة”، ومنع الأوراق الثبوتية وإعاقة وصول الإغاثة ونشر خطابات الكراهية، بجانب استهداف السكان عرقيًا بالبراميل المتفجرة.

ويضيف محمد حمدان في ذات الاتجاه، أن سلطة بورتسودان أتاحت منابرها علنًا لـ”من يدعمون التقسيم وبث خطاب الكراهية، وهذه هي عقلية الحركة الإسلامية”، وأنها شرعت في التقسيم بشكل علني من خلال “الفرز الاجتماعي واتخاذ الإجراءات الأحادية وامتلاك حق المنح والحرمان دون أي مبرر”.

وأوضح “حمدان” أن تكوين “حكومة ثورية لمواجهة هذه المهددات أصبح واجب الساعة وضروري للحيلولة دون تشرذم البلد وضمان وحدتها وحماية مواطنيها”.

ووصف “نهار” ربط الحكومة الجديدة بالانفصال، بكونه حديث يقع في إطار “الابتزاز لا غير”، مؤكدًا وجود مسؤولية أخلاقية وتاريخية تحتم -بحكم الأمر الواقع- تشكيل حكومة في مناطق سيطرة الدعم السريع. وأشار إلى التزامهم في وثيقة “مبادئ وأسس الحل الشامل” بسيادة السودان ووحدة أراضيه، الأمر الذي يجعل هدف الحكومة الجديدة -بحسب رأيه- هو تعزيز وحدة البلاد وليس انفصال جزء منها.

ويعتبر الطيب علي حسن، أن أكبر خطوات تقسيم السودان كانت “إشعال هذه الحرب من قبل القوات المسلحة والحركة الإسلامية، وإصرارها على حسمها عسكريًا، ورفضها كافة مبادرات السلام”. تلى ذلك، إجراءات تقيسمية “أكثر خطوة” تمثّلت في “حرمان مواطني مناطق سيطرة الدعم السريع من جميع حقوق المواطنة خاصة المدنية والاقتصادية”.

ووصف “حسن” قرار بنك السودان المركزي بتغيير العملة، بأنه إجراء “قسم السودان اقتصاديًا” وذلك في ظل غياب الخدمات المصرفية في مناطق سيطرة الدعم السريع، وهو إجراء “يستهدف ثروات المواطنين بهذه المناطق” وفق قوله.

وذكر “حسن” أنه لا بد من مواجهة الإجراءات الانفصالية لسلطة بورتسودان، وذلك عن طريق تشكيل حكومة “تخفف من وطأة الحرمان السياسي والاقتصادي الذي تعاني منه هذه المناطق”، مؤكدًا ضرورة أن تعمل “كحكومة لكل السودانيين حتى تكتسب شرعية اجتماعية في نظر مواطني المناطق الأخرى ولتجنب الاستقطاب الحاد الذي يمكن أن ينتج عن حكومة أخرى”.

أولويات:

محمد حمدان
محمد حمدان

يرى “حمدان”، أن أولويات الحكومة تتمثّل في وقف الحرب وفرض السلام، وذلك من خلال خلق اصطفاف واسع للسودانيين وحشد جهودهم لوقف الحرب كأولوية، ومن ثم توفير الأمن والخدمات الأساسية كالصحة والغذاء والتعليم وغيرها.

ويضيف “حسن”، أن من أولويات الحكومة أيضًا، خلق جبهة اجتماعية عريضة من سكان هذه المناطق تعمل على التواصل مع مجتمعات الأقاليم الأخرى، من أجل تشكيل جبهة سودانية أوسع لوقف الحرب وبناء السودان الجديد.

ويتحدث “حسن” عن أن واجب الحكومة هو القيام بمعالجة المجاعة التي تتمدد بشكل متسارع في البلاد، وإنشاء آليات للتنسيق بين المجتمع الدولي والمجتمع المحلي من أجل توسيع العمليات الإغاثية. ويتابع: “كذلك يجب عليها أن تُعطي الأزمة الأمنية والاقتصادية في هذه المناطق أولية قصوى، وأن تعمل على وضع ترتيبات إدارية وسياسية لتسيير دولاب الدولة على أسس جديدة، تراعي مبدأ الفيدرالية والإدارة الذاتية لسكان الأقاليم المختلفة”.

وبجانب توفير الخدمات الأساسية، يقول “عبد المجيد” إن أولويات هذه الحكومة تتمثل في إدارة الأمن من خلال “تنظيم القوى المحلية لحماية السكان بدلًا من الفوضى”، وبناء الشرعية عبر إشراك المجتمع المدني في الحوار، بجانب تعزيز السلام الذي بموجبه يمكن “بدء حوار مع القوى الأخرى لوقف الحرب”.

ومن وجهة نظر “نهار” تتلخص أولويات الحكومة في إنشاء مناطق آمنة لحماية المدنيين وفرض حظر جوي، وتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية، واستعادة النظام الإداري للدولة وتقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

جدير بالذكر، أن المستشار السياسي السابق لقائد قوات الدعم السريع، يوسف عزت، قد وصف الحديث عن تشكيل حكومة مدنية في مناطق سيطرة الدعم السريع بكونه محاولة من البعض لـ”عدم إعلان موقف واضح من المعركة” والتخفي تحت ستار المدنية، وذلك في تغريدة نشرها على حسابه الرسمي بمنصة إكس يوم الثلاثاء الماضي.

وعلى الرغم من ذلك، إلا أنه أشار إلى الأطراف التي يجب أن تشارك في تشكيل هذه الحكومة قائلًا: “يجب أن تكون بقيادة قائد الدعم السريع المعروف، ومشاركة أصحاب المصلحة من الذين دفعوا ثمن هذه الحرب والقوى المدنية والحركات التي تعلن موقفها بوضوح”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى