رأي

شيخ الدين محمد علي يكتب : أنامل الذاكرة.. الأنقريب في وجه العولمة

​في الفيءِ الذي يورق بالأسى والوقار، تحت شجرةٍ مسنّة تُشاطره الشيخوخة وتتساقط أوراقها على كتفيه كأنها تواسيه، يجلس العم عبدالرحمن بعد أكثر من سبعين عاما ً من عمره في هذه الدنيا تحول إلى رجل لا يملك سوى جسد نقشت ظلمات الدنيا أوسمتها على وجهه المرتجف وفي عينيه اللتين اكتسح الألم بريقهما غارقاً في شرودٍ طويل بين ماض تفتح في زهور الصبا وحاضرٍ أثقلته جراح السنين.

​كأن الطبيعة وحدها من تدرك ثقل الذاكرة على كتفيه تتساقط الأوراق بهدوء حوله بينما يعبر المارة أمامه كأطياف باهتة لا تلتفت إلى أن تحت هذه الشجرة ترقد قصة أمة كاملة تذوي بصمت على قارعة الحياة.

​جلستُ إليه، فإذا به منغمس في طقس يشبه الصلاة يضع آخر البصمات بأنامله المنمقة بخشونة الصنعة وجمال العراقة وهو ينسج خيوط “الأنقريب”  ذلك السرير المحلي المصنوع بحنوٍّ من الأخشاب المحلية والحبال المفتولة بجهد الروح رفع رأسه المتعب، وابتسم ابتسامةً ترتشف العزة وقال بصوتٍ يقطر حنيناً:

​”يا ولدي، دا أنا بديت العمل من زمن عبود!”

​وهو هنا يستدعي بذاكرته زمن الرئيس الراحل إبراهيم عبود، ليطبق بزهو شجيّ “وهسى الحمد لله.. علّمت أولادي، والشغلة دي ورثناها من جدودنا، زمان عندنا تاريخ فيهو عزة.”

​وحين تجاذبتُ معه أطراف الحديث عن كواليس الصنعة وأسواقها أوضح العم عبد الرحمن بعين الخبير المتمرّس كيف تبدأ الرحلة من اختيار الخشب المناسب حيث يجلب الحرفيون وتجار المهن التراثية أخشاب “السنط” و”السدر” و”الحراز” من الغابات والمناطق الريفية المجاورة هذه الأخشاب الصلبة التي تشكّل هيكل الأنقريب تُقطع وتُجفف بعناية لتقاوم عوادي الزمن وسوس الخشب.

​ومع تغير الأوضاع الاقتصادية وتقلبات السوق لم تعد تكاليف المواد الخام كما كانت في الماضي إذ أوضح أن أسعار الأنقريب المكتمل اليوم تختلف باختلاف جودة الخشب ونوع الحبال سواء كانت من الجلد أو حبال العَشَر والنخيل، وحجم السرير.

​تتراوح أسعار الأنقريب في السوق اليوم ما بين 15 ألفاً إلى 40 ألف جنيه، حيث يبدأ السرير الصغير أو المتوسط من حدود 15 ألف جنيه، بينما تصل الأسعار إلى 40 ألف جنيه للأنقريب العائلي الكبير المصنوع من أمتن أنواع الأخشاب والمحبوك بإتقان وتطريز حرفي عال

​

​

ليس “الأنقريب” في وجداننا مجرد قطع أخشاب جافة شدّت بحبال بل هو نصٌّ مفتوح على سِفر الحكاية الشعبية

إنه مسجعٌ من مساجع الدفء الأسري، ورفيق السمر، وواحة الضيف، وذاكرة الأجداد التي ترفض أن تموت تحت وطأة العصر.

​وقد ترسخ الأنقريب في الوجدان الجمعي السوداني حتى صار ركناً حصيناً في الأمثال الشعبية فهو رمزٌ للستر والتكافل وأصل البيوت، كما يُقال في المَثَل:

​«إن ضاقتْ، الأنقريب بيشيل إتنين»

دلالةً على التضامن والمشاركة والتعايش في أوقات الشدة

​ويقال أيضاً في ذم من يفرّط في أصله وهويته:

​«الما عنده قديم، ما عنده جديد.. والبيت الما فيهو أنقريب بيت بلا ساس.

​وفي مواجهة طوفان العولمة النفعية وثقافة الاستهلاك الجارفة التي أغرقت الأسواق بأثاثٍ معدني وبلاستيكي زائف يُصنع ليتلف سريعاًاستطاع الأنقريب أن يحافظ على وجوده وكيانه لم يكن صموده مجرد جمودٍ في الماضي بل لأنه يتكئ على فلسفة استدامة ملتصقة بالبيئة والأرض خشبٌ من أشجار “السنط” و”السدر” المحلية وحبالٌ تُنسج يدبويّاً لتتأقلم مع حرارة الشمس وبرودة الشتاء، مانحةً الجسد راحةً صحية لا توفرها أحدث المبتكرات الحديثة.

​لقد استطاع هذا السرير المحلي أن يحمي نفسه بنفسه من الاندثار؛ لأنه يمثل وثيقة اجتماعية واقتصادية تحصّنت بذاكرة الناس واحتياجاتهم الحقيقية، رافضاً أن يتحول إلى مجرد قطعة ديكور باهتة، ومؤكداً أن الأصالة المتجذرة في أرضها لا تجرفها أمواج التغيير الاستهلاكي.

​في زمنٍ تساقطت فيه القيم القديمة أمام طوفان الحداثة الاستهلاكية والأثاث الجاهز البارد، يقف العم عبدالرحمن وحرفيُو البساطة كـ “قلاعٍ أخيرة” تحرس الهوية اللاماديّة من الاندثار. إنها معركة صامتة يخوضها الرجل العجوز بجلوسه تحت الشجرة، معركةٌ عنوانها أن تبقى الذاكرة حيّة، وأن يظل للإنسان السوداني صوته وملامحه وتراثه الذي لا يُباع ولا يُشترى.

​تحت تلك الشجرة الباسقة، وفي قلب الضعين النابضة بالتاريخ، تتجلى أبهى صور الاقتصاد الإبداعي الأصيل؛ حرفةٌ تعيل البيوت، ورائحة خشبٍ تعطر الروح، وقصة رجلٍ آثر أن يظل شجرةً وارفة بالكرامة، وإن كساها الشيب والزمان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى