ثمة سؤال لم يعد ممكناً تجاهله: هل كانت رؤية تحالف السودان التأسيسي أوسع من خيال بعض أعضائه، وأبعد من مدى أبصارهم السياسية، حتى بدت لهم القمة قريبة ساعة التوقيع، فلما بدأ الصعود الحقيقي اكتشفوا أن الطريق يحتاج إلى صبرٍ وتضحيةٍ وثبات، فتساقط بعضهم في منتصف المسافة؟
إن الانسلاخ من أي تحالف سياسي حقٌّ لا يمكن مصادرته، فالتحالفات الطوعية لا تُدار بالسلاسل، ولا تتحول مواثيقها إلى صكوك عبودية سياسية. لكن هناك فارقاً أخلاقياً وسياسياً شاسعاً بين الانسحاب المبدئي المعلن، المؤسس على خلاف فكري واضح، وبين الانحراف عن مشروع شارك المنسلخ نفسه في صياغته، ووقّع عليه، وقدمه إلى السودانيين باعتباره عهداً تاريخياً لبناء دولة جديدة.
لم يوقّعوا على ورقة عابرة
لم يكن ميثاق السودان التأسيسي بياناً سياسياً مؤقتاً أو تسويةً لتوزيع المقاعد؛ بل أعلن نفسه عقداً ملزماً لبناء سودان جديد يقوم على العلمانية، والوحدة الطوعية، والعدالة، والمساواة، والديمقراطية، وسيادة القانون. وقد تعهد الموقعون عليه بمواصلة الطريق حتى تتحقق تطلعات السودانيين في وطن حر ومستقر ومزدهر.
ثم جاء الدستور الانتقالي لعام 2025، بعد حوارات عميقة بين مكونات التحالف، ليحوّل تلك المبادئ من شعارات عامة إلى تصور متكامل للدولة: دولة علمانية ديمقراطية لا مركزية، تقوم على المواطنة المتساوية، وفصل الدين والهويات الثقافية والعرقية والجهوية عن مؤسسات الدولة، والاعتراف بالتنوع السوداني وإدارته بصورة عادلة.
ولذلك فإن من وقّع على هذه الوثائق لم يكن يوقّع على تحالف انتخابي قصير الأجل، وإنما وافق على إعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها.
الرؤية التي أخافت العقول الصغيرة
مشروع «تأسيس» مرتفع السقف بالفعل، ولكنه ليس مستحيلاً. ارتفاع سقفه نابع من عمق الأزمة التي يريد معالجتها. فالسودان الذي أخفقت دولته منذ الاستقلال لا يُصلح بترميم الواجهة، ولا بتغيير الأشخاص مع الإبقاء على المركز القديم والعقلية القديمة والمؤسسات ذاتها.
الميثاق والدستور لم يطالبا بتبديل حكومة بأخرى؛ بل طرحا تغييراً بنيوياً يشمل:
* إنهاء الحروب بمعالجة جذورها، لا بعقد هدن مؤقتة.
* إقامة دولة علمانية ديمقراطية لا تنحاز إلى دين أو عرق أو ثقافة أو إقليم.
* تأسيس وحدة طوعية بدلاً من الوحدة القسرية.
* نقل السلطة والموارد إلى الأقاليم والمجتمعات المحلية.
* تحقيق المواطنة المتساوية وإزالة التهميش التاريخي.
* إعادة بناء جيش وطني واحد، مهني ومتعدد التكوين، وخاضع للسلطة المدنية.
* إصلاح الشرطة والأجهزة الأمنية والخدمة المدنية والقضاء.
* إنهاء الإفلات من العقاب وتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية.
* تفكيك بنية الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني واسترداد الأموال العامة.
* توزيع الثروة والفرص بصورة عادلة، مع حماية المناطق المتأثرة بالتهميش.
* ضمان تمثيل النساء بما لا يقل عن 40% في السلطة التشريعية التأسيسية.
بل جعل الدستور العلمانية، والديمقراطية التعددية، واللامركزية، وحقوق الإنسان، وتجريم الانقلابات، والوحدة الطوعية، مبادئ فوق دستورية لا يجوز إلغاؤها أو العبث بها. كما أكد أن السيادة للشعوب السودانية، تمارسها عبر انتخابات حرة ونزيهة واستفتاءات شعبية.
هذه ليست رؤية صغيرة حتى يحملها انتهازيون، ولا مشروعاً موسمياً يناسب الباحثين عن أقصر الطرق إلى المناصب. إنها عملية تاريخية تستهدف تفكيك دولة الامتياز القديم وبناء دولة تتسع لكل السودانيين.
لماذا تساقط بعضهم؟
ليس كل من شارك في كتابة الرؤية قد فهم بالضرورة عمقها، وليس كل من رفع شعار السودان الجديد كان مستعداً لدفع استحقاقاته.
ربما دخل بعضهم التحالف وهو يظنه مركباً سريعاً إلى السلطة، فلما اكتشف أن الطريق طويل، وأن المشروع يتطلب عملاً وصبراً وتنازلاً عن الامتيازات الشخصية، بدأ يبحث عن أقرب شاطئ.
وربما ظن آخرون أن توقيع الميثاق مجرد اصطفاف تكتيكي في زمن الحرب، لا التزاماً أخلاقياً وسياسياً ممتداً. وعندما اشتدت الضغوط الخارجية، أو تأخر المنصب، أو تعارضت المصلحة الشخصية مع مقتضيات المشروع، غلبت عندهم حسابات اللحظة على واجبات التاريخ.
وهناك من قد يكون قد حمل معه إلى التحالف أمراض السياسة القديمة ذاتها: الزعامة الفردية، والحساسيات التنظيمية، والمنافسة على التمثيل، واعتبار المنصب استحقاقاً شخصياً، وعدم القدرة على العمل داخل مؤسسة جماعية.
وقد تكون بعض الانسلاخات أيضاً نتيجة ضغط أو ترغيب أو تخويف أو محاولة لإعادة إنتاج الاصطفافات القديمة وشق التحالف من الداخل. لكن مثل هذه الاحتمالات لا يجوز تحويلها إلى اتهامات جازمة من دون أدلة؛ لأن مشروعاً يؤسس لدولة القانون لا ينبغي أن يدافع عن نفسه بالإشاعة أو التشهير، وإنما بالحقائق والشفافية والمحاسبة المؤسسية.
ما التفسير الذي يمكن قبوله؟
يمكن تفهّم خروج أي عضو إذا أعلن بوضوح أن التحالف خالف ميثاقه أو دستوره، وقدّم وقائع محددة تثبت ذلك، واستنفد آليات الإصلاح والمراجعة الداخلية، ثم خاطب الرأي العام بشجاعة ومسؤولية.
ويمكن قبول الانسحاب بسبب اختلاف فكري جوهري طرأ بعد التوقيع، أو بسبب تجاوزات موثقة تمس حقوق الإنسان، أو لأن العضو تلقى تفويضاً صريحاً من المؤسسة التي يمثلها بإنهاء مشاركته. كما يمكن تفهم العجز الصحي أو الشخصي عن مواصلة المسؤولية.
أما الخروج الصامت، ثم الهجوم على المشروع بالمفردات ذاتها التي يستخدمها خصومه، أو التنكر لمبادئ شارك الشخص في صياغتها، أو الانتقال إلى معسكر يناقض العلمانية والديمقراطية واللامركزية والمحاسبة؛ فذلك لا يمكن تقديمه باعتباره «مراجعة فكرية». إنه، في أحسن الأحوال، عجز عن احتمال كلفة الموقف، وفي أسوئها ارتداد سياسي تحركه المصالح أو الضغوط.
ومن حق الرأي العام أن يسأل المنسلخين:
ما المادة التي اعترضتم عليها؟ ما المبدأ الذي اكتشفتم خطأه بعد توقيعكم؟ هل اختلفتم مع الميثاق أم مع مواقعكم داخل التحالف؟ وهل انسحبتم دفاعاً عن رؤية بديلة، أم لأن المشروع لم يمنحكم ما كنتم تنتظرونه؟
الوثائق هي الحكم
لا ينبغي لتحالف «تأسيس» أن يواجه الانسلاخات بالغضب وحده، ولا بتخوين كل مخالف. قوته الحقيقية كامنة في وثائقه، وقدرته على تحويلها إلى مؤسسات وسياسات وخدمات وعدالة ملموسة.
فالدستور نفسه يكفل حرية التعبير، والوصول إلى المعلومات، واستقلال الصحافة والإعلام، ويحظر خطاب الكراهية والتحريض على العنف. كما يجعل الدولة ومؤسساتها خاضعة للقانون والمساءلة ورد الحقوق.
لذلك يجب أن يكون الرد على المنسلخين مزيداً من الالتزام بالدستور، لا الابتعاد عنه؛ ومزيداً من الشفافية، لا إغلاق الأبواب؛ ومزيداً من الديمقراطية الداخلية، لا تحويل التحالف إلى دائرة مغلقة.
ينبغي كذلك تقييم التجربة بصدق: هل أصبحت مؤسسات التحالف فاعلة؟ هل توجد آليات واضحة لحسم الخلافات؟ هل يتم اختيار المسؤولين وفق الكفاءة والتمثيل العادل؟ وهل تتحول الوعود المتعلقة بحماية المدنيين والحقوق والخدمات إلى واقع في المناطق الخاضعة لحكومة السلام؟
فالمشروع الكبير لا يخشى الأسئلة الكبيرة.
الطريق لا يقاس بعدد المتساقطين
إن انسلاخ بعض الأعضاء لا يعني سقوط مشروع السودان الجديد؛ فقد غادر كثيرون في محطات التحول الكبرى عبر التاريخ، وبقيت الأفكار التي كانت أوسع من مصالحهم وأطول عمراً من مواقعهم.
«تأسيس» ليس أسماءً اجتمعت في نيروبي ثم تفرقت؛ إنه سؤال الدولة السودانية المؤجل منذ الاستقلال: كيف نحكم بلداً متعدد الشعوب والثقافات والأديان من دون قهر أو تمييز؟ كيف تتوقف الحرب؟ كيف تُرد السلطة والثروة إلى أصحابها؟ وكيف يُبنى جيش واحد يحمي الدستور بدلاً من حكم البلاد؟
من يملك بديلاً أعدل وأوضح فليقدمه للشعب. ومن يرى خللاً داخل التحالف فليواجهه بالحجة والوثائق. أما الذين كتبوا الميثاق بأيديهم، ثم أنكروه حين لم توافق الرياح رغباتهم، فإن مشكلتهم لم تكن في ارتفاع سقف الرؤية، بل في انخفاض سقف الاحتمال السياسي لديهم.
لقد كانت القمة ظاهرة منذ البداية، والطريق مكتوباً أمام الجميع. لم يخدعهم الميثاق، ولم يفاجئهم الدستور؛ إنما كشفت مشقة الصعود الفرق بين من آمن بالمشروع، ومن كان ينتظر غنيمته منه.
وسوف يمضي مشروع السودان الجديد بمن بقي مخلصاً لمبادئه، لا بمن اكتفى بصورة التوقيع ثم غادر عند أول اختبار.





