رأي

عطا برشم يكتب: ما الدولة.. وما القبيلة؟

منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، نشط أنصار الدولة القديمة في إطلاق التهم والأحكام على كل من وقف ضدها، وبلغ بهم الحماس حد الدفاع المستميت عنها، حتى ربطوا بين وجود المجتمعات المختلفة ووجود هذه الدولة، وصوروها ككائن أسطوري متعالٍ، ينبغي الموت لأجله، وكأنها غاية سامية يجب أن يفنى الجميع لتحيا. ومن بين تلك الأحكام، التي صارت تُطلق جزافًا على كل من يعارض هذه السردية ويدعو إلى تفكيك الدولة لصالح المجتمعات، تهمة “مثقف القبيلة”.

في هذا المقال، نحاول مساءلة هذا الحكم، وتفكيك العلاقة بين الدولة والقبيلة أو المجتمع، والسؤال الجوهري: ما الموقف السليم عند حدوث صدام بين الدولة والقبيلة؟ وما الذي يدفع إلى هذا النوع من الصدامات أصلًا؟

الدولة: وسيلة لا غاية

من خلال بحث بسيط في علم الاجتماع أو الفلسفة أو التاريخ، يتضح أن وجود المجتمعات أو القبائل سابق على وجود الدولة، من حيث النشأة والتكوين والمنطق. فالدولة ليست كيانًا فوقيًا أو كينونة متعالية، بل هي وسيلة استحدثها الإنسان لتنظيم وخدمة المجتمعات، ومحاولة لتهيئة البيئة التي تساعدها على التطور.

وهذا ما عبّر عنه الفيلسوف باروخ إسبينوزا حين قال: “إن الغاية القصوى من تأسيس الدولة ليست السيادة، أو إرهاب الناس، أو جعلهم يقعون تحت نير الآخرين، بل هي تحرير الفرد من الخوف بحيث يعيش كل فرد في أمان بقدر الإمكان، أي يحتفظ بالقدر المستطاع بحقه الطبيعي في الحياة وفي العمل دون إلحاق الضرر بالغير، وأكرر القول بأن الغاية من تأسيس الدولة ليست تحويل الموجودات العاقلة إلى حيوانات وآلات صماء؛ بل إن المقصود منها إتاحة الفرصة لأبدانهم وأذهانهم لكي تقوم بوظائفها كاملة في أمان تام؛ بحيث يتسنى لهم استخدام عقولهم استخداماً حراً دون إشهار لأسلحة الحقد أو الغضب أو الخداع، وبحيث يتعاملون معاً دون ظلم أو إجحاف، فالحرية إذاً هي ‏الغاية الحقيقية ‏من قيام الدولة.” رسالة في اللاهوت والسياسة..”

وبحسب هذا المفهوم، ومع أغلب ما أورده فلاسفة العقد الاجتماعي، فإن الدولة ليست غاية في ذاتها، ولا كيانًا مفارقًا، بل هي انعكاس وتمظهر لإرادة المجتمعات والأفراد. وهي لا تأخذ صفتها الاعتبارية إلا حينما تكون تعبيرًا صادقًا عن هذه الإرادة.

فهل كانت “دولتنا” كذلك؟ والأهم من ذلك؛ هل الدولة التي يدافع عنها أنصارها من الدولجية، هي فعلًا تعبر عن إرادة السودانيين؟ وهل عملت على تحرير أبدانهم وعقولهم؟ وهل خدمتهم جميعًا على قدم المساواة، حتى تستحق أن نطلق عليها لفظ “دولة”؟

بين الدولة والقبيلة… من يخدم من؟

أساس قيام الدولة الأوروبية الحديثة كان على الفرد، بينما تقوم مجتمعاتنا على البنى القرابية والقبلية الأكثر تعقيدًا، حيث الولاء في الغالب يكون للقبيلة قبل الدولة. إن الدولة في السياق السوداني لم تستطع حتى اللحظة تجاوز هذه البنى أو استيعابها. لم تذُب فيها الولاءات القبلية، لأنها لم تقم بواجباتها تجاه الأفراد، الذين ظلت قبائلهم هي من تخدمهم، وتحل مشكلاتهم، وتقف بجانبهم في السراء والضراء.

كان من المفترض أن تفتح الدولة المجال العام، وتؤسس مؤسسات مجتمع مدني فعالة، تنقل الناس من الحالة العشائرية إلى المواطنة الفاعلة. لكنها لم تفعل. بل ظلت تقمع كل المؤسسات المدنية الحديثة. فظلت القبائل تقوم مقام الدولة، في الرعاية، والحماية، والتحكيم، وتحمل الأعباء.

هل يجب علينا الولاء لدولة فاشلة؟

الدولة التي تفشل في أداء واجباتها لا تستحق الولاء، ولا الدفاع عنها، ولا الموت في سبيلها. بل يجب أن تُهدم، وتُؤسَّس من جديد، على أسس تضمن المساواة والعدالة.

ولا يحق لمن نسميهم “مثقفين” -وهم في الغالب حراس سردية الدولة القديمة- أن يلوموا المجتمعات التي لم تجد في الدولة ملاذًا أو نصيرًا، ولم تعرف منها سوى القمع. هؤلاء المثقفون، الذين يتباكون على أطلال دولة ومؤسسات لم تصل إلى القرى والحلال والبوادي البعيدة لتفصل في قضاياهم، وتوفر لهم الخدمات الأساسية؛ عليهم أيضًا أن يدركوا أن المُشّكل هو تقصير كيانهم المسمى دولة. وآن لهم أن يعلموا أن هناك مجتمعات عاشت، وستظل تعيش بدون هذه الدولة.

الختام

إن تقديس الدولة، رغم فشلها، هو نوع من العبث، وتمجيد المؤسسات لمجرد وجودها لا يخدم سوى أصحاب الامتيازات. الدولة، إن لم تكن خادمة للناس، فهي كيان بلا معنى. وعلينا، بدلاً من التباكي على انهيار الدولة القديمة، أن نطرح الأسئلة الصحيحة: كيف نبني دولة جديدة؟ وكيف نؤسس لعقد اجتماعي حقيقي، تكون فيه الدولة خادمة للمجتمعات، لا سيدة عليها؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى