أصدر مجلس أمن ودفاع حكومة بورتسودان، اليوم، قرارًا قضى بأن دولة الإمارات العربية المتحدة دولة “عدوان”، وقرر سحب السفارة والقنصلية من أراضيها ومقاطعتها دبلوماسيًا؛ بل وذهب أكثر من ذلك، إلى التهديد بالرد بكافة الوسائل – وذلك يتضمن الرد العسكري! هذا القرار يُثير تساؤلات حول التبعات السياسية له على المواطنين السودانيين، المقيمين في دول التعاون الخليجي.
وما لا يفهمه وزير دفاع برهان أن دول التعاون الخليجي قد وقعت، في الدورة الحادية والعشرين للمجلس الأعلى التي عقدت بمملكة البحرين يومي 20 و21 ديسمبر 2000م، على اتفاقية الدفاع المشترك لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. أكدت الدول الأعضاء في الاتفاقية التزامها بالنظام الأساسي لمجلس التعاون، واحترامها لميثاقي جامعة الدول العربية وهيئة الأمم المتحدة، كما أكدت عزمها على الدفاع عن نفسها بصورة جماعية، انطلاقًا من أن أي اعتداء على أي منها هو اعتداء عليها مجتمعة، وأن أي خطر يهدد أحداها إنما يهددها جميعًا.
إعلان العدوان على الإمارات يحمل تبعات سياسية واقتصادية كارثية على السودان، خاصة في ظل الوضع الهش الذي تعيشه البلاد. فمن الناحية السياسية، يُعد هذا الإعلان بمثابة إعلان حرب غير مباشر على دول مجلس التعاون الخليجي بأكمله، مما قد يؤدي إلى عزلة دبلوماسية شاملة. دول المجلس، التي تلعب دورًا محوريًا في الوساطات الإقليمية والدعم الاقتصادي للدول العربية، قد تتخذ إجراءات جماعية للرد على هذا التصعيد، مثل فرض عقوبات دبلوماسية أو دعم أطراف أخرى في الصراع السوداني.
اقتصاديًا، فإن الإجراءات المعلنة من حكومة بورتسودان، تعني حظر الشركات الإماراتية، وقف الاعتمادات المالية، وتعليق خطوط الطيران والتحويلات البنكية، ستؤثر بشكل مباشر على مصادر دخل حكومة بورتسودان. كما تعتبر الإمارات واحدة من أكبر المستثمرين في السودان، حيث تمتلك شركات استثمارات ضخمة في قطاعات الزراعة، التعدين، والطاقة. على سبيل المثال، تستحوذ شركات مثل “دبي للاستثمار” و”موانئ دبي العالمية” على مشاريع استراتيجية في السودان، وأي تعطيل لهذه المشاريع سيؤدي إلى خسائر اقتصادية فادحة. كما أن التحويلات المالية من المغتربين السودانيين في الإمارات، والتي تشكل مصدرًا حيويًا للعملة الصعبة، قد تتوقف، مما يفاقم الأزمة الاقتصادية.
من الجدير بالذكر أن مصر، بصفتها حليفًا استراتيجيًا لدول مجلس التعاون الخليجي، ستجد نفسها في موقف حرج إزاء هذا التصعيد. كما تعتبر العلاقات المصرية الخليجية، خاصة مع الإمارات والسعودية، التي شهدت تطورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، حيث قدمت الدولتان دعمًا اقتصاديًا وسياسيًا كبيرًا للقاهرة. من غير المرجح أن تتعاون مصر مع حكومة بورتسودان، التي تفتقر إلى الشرعية الدولية، وتتبنى سياسة معادية لدول المجلس. بل إن مصر قد تضطر إلى اتخاذ موقف علني ضد هذا التصعيد للحفاظ على تحالفاتها الإقليمية.
إن إعلان حكومة بورتسودان العدوان على الإمارات ليس مجرد خطأ دبلوماسي، بل هو مغامرة سياسية تريد بها كسب أعداء دول مجلس التعاون الخليجي، ومن جهة أخرى مكسب كبير لحكومة تحالف السودان التأسيس “تأسيس” المزمع إعلانها. كما أن القرار يدفع بورتسودان نحو عزلة أكبر من التي تعيشها حليفتها إريتريا. أخيرًا، إن دول مجلس التعاون الخليجي، بثقلها السياسي والاقتصادي، لن تقف مكتوفة الأيدي أمام هذا التحدي الذي يضع المجموعات الإرهابية مثل الحرس الثوري الإيراني وجماعة الحوثي كمهدد في البحر الأحمر، ومن المتوقع أن تستخدم أدواتها المتعددة للرد بما يتناسب مع حجم التهديد، الذي بدا واضحًا اليوم في دعوات من شخصيات تتبع للحركة الإسلامية باستهداف أبو ظبي.





