لم يكن استهداف مقر بعثة الأمم المتحدة في كادوقلي (UNISFA) مجرد حادث أمني عابر، بل يمثل رسالة سياسية خطيرة في توقيت بالغ الحساسية. ففي النزاعات المعقّدة، لا يكون السؤال الأهم هو: من نفّذ الهجوم؟ بل: من المستفيد من إعادة خلط الأوراق كلما اقترب أفق الحل؟
منطق السياسة يقول إن استهداف بعثة أممية لحفظ السلام لا يخدم أي طرف يسعى إلى تحسين صورته أمام المجتمع الدولي أو تخفيف الضغوط الحقوقية عنه. على العكس، فإن هذا النوع من العمليات يخدم جهة واحدة فقط: الطرف الذي يرى في أي تسوية سياسية تهديدًا مباشرًا لبقائه ونفوذه.
في هذا السياق، يبرز التيار الإسلامي المتشدد المرتبط بالحركة الإسلامية السودانية بوصفه الخاسر الأكبر من أي مسار يقود إلى وقف إطلاق النار، أو إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية، أو فتح ملفات العدالة الدولية. لذلك يصبح تعطيل السلام هدفًا استراتيجيًا لا خيارًا تكتيكيًا.
من الناحية الفنية، تحمل العملية بصمات لا يمكن تجاهلها، أبرزها استخدام الطائرات المسيّرة بدقة عالية، وهي قدرات لم تكن جزءًا من منظومة الجيش النظامي تاريخيًا، بل ارتبطت بوحدات عقائدية وشبكات تلقت تدريبًا خاصًا وتحكمت بهذا السلاح خارج التسلسل القيادي التقليدي. وقد سبق العثور على حطام مسيّرات انتحارية متطورة في مواقع عسكرية مختلفة، ما يعزز فرضية وجود مراكز قوة موازية داخل المؤسسة العسكرية.
الأهم من ذلك هو التوقيت. فالتاريخ القريب في السودان يُظهر نمطًا متكررًا: كلما اقترب توافق سياسي أو تصاعد الضغط الدولي، اندلعت أعمال عنف كبرى. حدث ذلك قبيل التوقيع على الاتفاق الإطاري، وسبق فض اعتصام القيادة العامة، وتكرر مع اندلاع الحرب الحالية. العنف هنا ليس طارئًا، بل أداة راسخة في سلوك القوى التي لا تعيش إلا في بيئة الفوضى.
في المقابل، يصعب منطقيًا تحميل قوات الدعم السريع مصلحة مباشرة في استهداف بعثة أممية، في وقت تسعى فيه – سواء بدافع سياسي أو قانوني – إلى نفي الاتهامات الموجهة إليها، وإظهار استعدادها للتعاون مع المجتمع الدولي وتسهيل العمل الإنساني. مثل هذا الهجوم لا يحقق لها سوى مزيد من العزلة.
أما الجيش السوداني، فيواجه مأزقًا دوليًا متصاعدًا بسبب اتهامات تتعلق باستهداف المدنيين، واستخدام الطيران والمسيّرات، ورفض دخول بعثات تقصي الحقائق. في هذا المناخ، فإن أي تصعيد ضد الأمم المتحدة يخدم التيار الإسلامي النافذ داخل المؤسسة العسكرية عبر تعميق القطيعة الدولية وفرض خيار الحرب المفتوحة.
خلاصة القول إن استهداف مقر الأمم المتحدة في كادوقلي لا يمكن فصله عن الصراع الأعمق داخل الدولة السودانية: صراع بين مشروع يسعى لإنهاء الحرب وبناء دولة، وآخر لا يرى في السلام سوى تهديد وجودي.
والسؤال الجوهري الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: من أطلق النار؟
بل: متى يتم تفكيك الشبكات التي اختطفت الدولة والحرب معًا، ولا تزال ترى في الفوضى وسيلتها الوحيدة للبقاء؟




