رأي

عمار سعيد يكتب.. الحكومة الإلكترونية: أولوية استراتيجية لتحالف “تأسيس” من أجل سلام مستدام وعدالة رقمية

في ظل الأوضاع المعقدة التي تمر بها البلاد، والآمال الكبيرة التي يتطلع إليها الشعب السوداني هذه الأيام بإعلان حكومة “تأسيس” التي ترفع شعار السلام والوحدة والعدالة، تبدو الحاجة إلى تأسيس حكومة إلكترونية أمرًا ليس فقط ضروريًا، بل أساسًا لكل مشروع لبناء الدولة السودانية الجديدة. فقبل الحديث عن هياكل الحكومة الفعلية ومؤسساتها، يجب التفكير في البنية الرقمية التي ستمكّن هذه الحكومة من الوصول إلى المواطنين، وتقديم الخدمات، وبناء جسور الثقة بين الدولة والمجتمع.

أولاً: الحكومة الإلكترونية كأداة لبناء الدولة

الحكومة الإلكترونية ليست رفاهًا إداريًا، بل وسيلة فعّالة لإعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن على أساس الشفافية، الكفاءة، والمساواة. في بلد عانى طويلًا من التهميش والإقصاء، يمكن لتطبيقات الحكومة الرقمية أن تكون وسيلة لتوحيد البلاد، وتوفير الخدمات بعدالة، خصوصًا في المناطق التي كانت محرومة عمدًا من الحقوق الأساسية مثل التعليم والصحة والخدمات المدنية.

ثانيًا: الحاجة الملحة للاتصالات في المناطق المحررة

منذ بداية الحرب، تعرّضت مناطق واسعة – خصوصًا تلك التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع – لعزل كامل عن الاتصالات وخدمات الإنترنت. هذا العزل لم يكن عسكريًا فقط، بل كان حصارًا مدنيًا وخدميًا، أدى إلى حرمان ملايين المواطنين من أبسط حقوقهم في التواصل والتعليم والحصول على الرعاية الصحية. ومن هنا، فإن الخطوة الأولى نحو بناء دولة عادلة تبدأ بإعادة ربط هذه المناطق بخدمات الاتصال والإنترنت، كأولوية وطنية وأخلاقية.

ثالثًا: الحكومة الإلكترونية كوسيلة للعدالة الشاملة

من خلال نظام رقمي موحد، يمكن لحكومة تأسيس:

  • تمكين المواطنين من الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية عن بُعد.
  • إتاحة التسجيل للامتحانات الوطنية وتوفير الشهادات الدراسية إلكترونيًا.
  • إصدار الأوراق الثبوتية مثل الرقم الوطني، شهادات الميلاد، وجوازات السفر دون الحاجة إلى الاعتماد على  المركزية الاقصائية الحالية في بورتسودان.
  • فتح حسابات مصرفية، وتسهيل عمليات التحويل والتصدير والتجارة الإلكترونية للمزارعين ومصدري  ومربي الماشية وصغار المنتجين في الهامش.
  • تعزيز الأمن من خلال نظم رقمية موحدة لتوثيق السكان والمراقبة والتأمين للمنشآت الحكومية والخاصة والمؤسسات العامة.

رابعًا: الاستفادة من التجارب العالمية

تجارب عدة دول مثل إستونيا ورواندا والهند أظهرت أن الحكومة الإلكترونية ليست حكرًا على الدول الغنية، بل يمكن للدول الخارجة من النزاعات والحروب أن تبني مؤسسات رقمية قوية تواكب العصر، وتختصر الزمن، وتضمن النزاهة والعدالة. حكومة تحالف “تأسيس” تملك الفرصة لتكون رائدة في هذا المجال عربيًا وأفريقيًا.

خامسًا: الحكومة الإلكترونية كمنصة للسلام والمواطنة

إن بناء حكومة إلكترونية يرسل رسالة قوية مفادها أن هذه الحكومة لا تميز بين المواطنين على أساس العرق أو الجهة أو الولاء السياسي، بل تؤمن بحق الجميع في الحصول على الخدمة. وهي الخطوة العملية الأولى نحو سلام حقيقي وشامل في مناطق يعيش بها أكثر من ثلثي سكان السودان.

إن تأسيس الحكومة الإلكترونية قبل الحكومة الفعلية هو قرار استراتيجي، ينسجم تمامًا مع أهداف حكومة “تأسيس” في السلام والوحدة والعدالة. فالرقمنة ليست فقط وسيلة لتحسين الأداء، بل هي بنية تحتية للعدالة، وطريق مختصر لتحقيق المساواة، وأداة فعالة في بناء وطن جديد لا يُقصى فيه أحد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى