رأي

عمار سعيد يكتب : *الفنان إبراهيم إدريس… صوتٌ خرج من الهامش فصار صوتاً للوطن كله*

رحل إبراهيم إدريس، أحد الأصوات العديدة التي خرجت من بوابات الهامش السوداني، ذلك الهامش الذي ظلّ طويلاً يقدّم مبدعين كباراً رغم شحّ الإمكانات وشراسة الواقع. كان إبراهيم أكثر من مغنٍ؛ كان ظاهرة فنية واجتماعية، وصوتاً يحمل حكايات الناس وأحلامهم وآلامهم، ويجسّد روحاً مقاومة بطبعها، محبة للحياة رغم ضجيج الحرب.

منذ بداياته، شكّل إبراهيم لوناً فنياً خاصاً، ممزوجاً بنبرة البادية وإيقاع الصحراء وعمق الوجدان الشعبي. صوته كان قوياً وهادئاً في آنٍ واحد؛ يحمل دفء المكان واتساع الأفق، ويستدعي في المستمع إحساس الفخر والانتماء. وعندما اندلعت الحرب في 15 أبريل، تحوّل إبراهيم إلى رمز، يشدو لأجل الرفاق، لا لتمجيد الحرب، بل لاستنهاض الروح المعنوية لأولئك الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة مصير قاسٍ.

كانت أغانيه تُردّد في الميادين والبيوت ووسائل النقل، ويمسك بها الشباب والصغار قبل الكبار لأنها صادقة وبسيطة وملامسة للواقع. ومن بين أشهر أغانيه التي تركت أثراً واسعاً:

 – ياالمدلل حلو رايق

 – جنقلا

– المحبوبة

– دود الهيف رزم

– فرق الغوالي شين

– ناس زي ديل

– كروزر الحوامة

– الطيران بضرب

– بلبس جاهزية

انتشرت هذه الأغنيات بقوة في فضاءات التواصل الاجتماعي، فطافت ببصمة إبراهيم دول المنطقة والعالم، لتقدم صورة جديدة عن الفن القادم من الهوامش، فنّ قوي ومباشر وصادق، لا تنقصه الجرأة ولا تنقصه العاطفة.

كان إبراهيم يجلس بين المقاتلين، يحمل عوده وبندقيته، لكن الأول كان أقرب إلى قلبه. كان يؤمن أن الأغنية تستطيع أن تفتح نافذة صغيرة من الأمل في زمن معتم. وبرحيله، فقد الفن السوداني واحداً من الأصوات التي استطاعت – خلال سنوات قليلة – أن تكسر عزلتها المفروضة وأن تضع فن الهامش في مقدمة المشهد.

ويظن الطغاة أن بإمكانهم إسكات الأصوات الحرة باستهداف الفنانين والمبدعين مثل إبراهيم إدريس وشادن محمد حسين وغيرهما، لكن الحقيقة أن صوت الهامش صار اليوم أعلى من أي وقت مضى. عشرات الشعراء والمغنين والكتّاب يحملون المشعل، ويواصلون المسيرة، وسيجد الناس أصواتهم تتردد في كل مكان، لأن الفن الحقيقي لا يموت.

رحم الله إبراهيم إدريس، رحمة واسعة. رحل الجسد، لكن الأغاني باقية، والروح باقية، والصوت الذي خرج من البادية سيظل يتردّد طويلاً… في الذاكرة، في الميادين، وفي وجدان كل من عرف قيمة الصدق في الفن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى