رأي

عمار سعيد يكتب : «شعب واحد جيش حاقد»

حرب الكراهية بين السودانيين لم تبدأ في 15 أبريل. سبقتها سنوات طويلة جرى فيها تحويل الاختلاف السياسي إلى عداوة، والهوية إلى سلاح، ومؤسسات الدولة إلى أدوات لتقسيم الناس بين موالٍ ومتهم. وقد برعت *الحركة الإسلامية* في هذا النهج حين حكمت السودان: ضيّقت على الرأي الآخر، وربطت الوطنية بالولاء لها، ودفعت البلاد إلى حروب أحرقت أطرافها ومزّقت نسيجها الاجتماعي. لقد وثّقت منظمات حقوقية القمع والهجمات على المدنيين خلال عهدها؛ ولا يمكن بناء سلام دائم من دون مساءلة هذا الإرث.

وأشد ما يثير استغرابي اليوم أن أرى بعض السودانيين يهتفون: *«شعب واحد، جيش واحد»* من مدن آمنة في العالم الاول الذي لجأوا إليه طلباً للحرية والسلام والعدالة والمساواة؛ العالم الذي هرب إليه كثيرون من بطش ذات الجيش والسلطة والحرب. أفهم الحنين إلى جيش وطني يوحّد البلاد ويحمي أهلها. لكن كيف يتحول ذلك الحنين إلى تفويض مفتوح لمؤسسة تحتاج إلى مساءلة عميقة وإعادة بناء؟ وكيف يصبح الاعتراض على قصف المدنيين أو على نفوذ الإسلاميين داخلها تهمةً ضد الوطن؟

ما وقع في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق لا تمحوه هتافات تُطلق من بعيد. لقد وثّقت منظمات حقوقية قصفاً لمناطق مدنية في حروب سابقة. وفي ملف أشد خطورة، اتهمت منظمة العفو الدولية القوات المسلحة باستخدام أسلحة كيميائية في جبل مرة عام 2016، ثم أعلنت الولايات المتحدة عام 2025 أنها خلصت إلى استخدام حكومة السودان أسلحة كيميائية خلال حرب 2024 وفرضت عليها عقوبات. هذه الوقائع والاتهامات تستوجب تحقيقاً مستقلاً ومحاسبةً للمسؤولين من قادة الجيش واولهم البرهان وياسر العطا وكل المتورطين

ان من يطالب باستمرار الحرب وهو آمن في سربه، يجد قوت يومه، وينام بعيداً عن صوت الطائرات. يكتب عن «الحسم» من غرفة دافئة، بينما النازح يبحث عن مأوى، واللاجئ ينتظر خبراً من أهله، والأرملة تحاول إطعام أطفالها، واليتيم يسأل عن أبيه. لا يسمع من يوزّع الشعارات من خلف الحدود صراخ الأطفال في المستشفيات، ولا يعيش خوف الأسر التي ترفع عيونها إلى السماء كلما مرّت طائرة مسيرة من فوقهم . من حقه أن يبدي رأيه؛ لكن عليه أن يتذكر أن ثمن الشعار لا يدفعه هو وحده، وأن حياة المدنيين ليست مادةً للحماسة السياسية.

لذلك، حين أسمع *«شعب واحد، جيش واحد»* أجد نفسي أمام مفارقة موجعة: كيف يكون الجيش واحداً مع الشعب إذا خاف أبناء الشعب من طيرانه أكثر مما اطمأنوا إلى حمايته؟ العبارة التي تختصر غضبي هي: *«شعب واحد، جيش حاقد»* ولا أقصد بها الحكم على كل ضابط وجندي شريف بل أرفض العقيدة التي تسمح باستهداف مواطن أو التمييز ضده بسبب جهته أو رأيه أو انتمائه، ثم تطلب منه أن يصفّق باسم الوطنية.

الجيش الذي يستحق هتاف السودانيين يجب أن يُبنى من جديد على عقيدة مهنية واضحة: حماية كل المدنيين، والخضوع لسلطة مدنية منتخبة، والابتعاد عن السياسة والاقتصاد، وفتح أبوابه للكفاءة من جميع أقاليم السودان و لا تكفي إعادة ترتيبه فقط كما يدعوا البعض في ظل والإبقاء على قادته الحاليين لانها إذا بقيت داخل المؤسسة فان شبكات الولاء الحزبي ومنطق الإفلات من العقاب سيظل حاضرا ولن يستقيم الإصلاح

نريد أن تكون حرب 15 أبريل آخر حروب السودان. لكن النهاية لن تأتي بإعلان النصر على الشاشات، ولا بإقصاء الضحايا من الحديث عن مستقبل الجيش. تبدأ النهاية بوقف قتل المدنيين، وإنهاء التحريض بين مكونات المجتمع، وتحقيق مستقل في الانتهاكات، ومحاسبة كل مسؤول عنها.

أما الحركة الإسلامية، فلا ينبغي أن تُمنح طريقاً جديداً للعودة إلى احتكار الدولة من جديد عبر تعبئة الخوف والكراهية وإطالة أمد الحرب. ان مستقبلها السياسي، ومستقبل غيرها، تحكمه إرادة السودانيين الحرة والقانون والمساءلة، لا البندقية. والسودان الذي ننشده يتسع للمواطنين جميعاً مهما اختلفت آراؤهم، لكنه لا يتسع لإعادة إنتاج الحكم بالقمع أو إشعال الحرب باسم الدين والوطن.

*شعب واحد؟ نعم، حين تتساوى حياة أبنائه جميعاً. وجيش واحد؟ نعم، يوم يصبح جيشاً للشعب كله، لا سلاحاً في يد مشروع سياسي ولا سبباً لخوف الناس من سماء بلادهم.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى