رأي

عمار سعيد يكتب : “مناطق الظل.. حيث تتحوّل الحياة إلى تهمة والموت إلى وشاية”

في عمق الجغرافيا التي تسيطر عليها السلطة الانقلابية ومليشياتها المتفرعة، تتكشف يوميًا صور بشعة للقمع والتنكيل، وتُمارس أبشع أشكال إرهاب الدولة في وضح النهار. لا قوانين تُحترم، ولا حقوق تُصان، ولا حياة تُقدّر. في تلك المناطق، يتحول المواطن البسيط إلى هدف مشروع للترهيب، ويغدو الخوف والشك هواءً يتنفسه الجميع.

إن المواطن في تلك الرقعة من الوطن إما أن يُقتل برصاصة طائشة من فوهة بندقية لا تعرف الرحمة، أو يُترك لمصيره المحتوم جوعًا ومرضًا وإهمالًا. بل باتت التهم الجاهزة – من “التعاون مع العدو” إلى “الانتماء العرقي” – تُلقى على الناس جزافًا، تكفي إحداها لفتح أبواب الجحيم على صاحبها. ولا يحتاج الأمر إلى أكثر من وشاية كيدية، أو خلاف عابر، أو حتى نظرة تُفهم خطأً، لتتحول حياة إنسان إلى مجرد خبر عابر في سجل الجرائم اليومية.

أما التعبير عن الرأي، أو تصوير معاناة، أو نشر تسجيل بسيط، فهو ضرب من الجنون. لأن ذلك كفيل بأن يزج بصاحبه في غياهب المعتقلات أو يُحكم عليه بالإعدام الميداني دون تهمة أو محاكمة. لقد أُسكتت الأصوات، وقُمعت الأنفاس، وتحوّلت المناطق الواقعة تحت سطوة الانقلابيين إلى معتقل مفتوح لا يفرق بين المذنب والبريء.

إن الواقع هناك يُظهر بجلاء أن هؤلاء المواطنين المنسيين، الذين يعانون بصمت تحت قبضة المليشيات، هم الأكثر حاجة إلى مظلة حكومة “تأسيس”. فهذه السلطة الوليدة – التي تشق طريقها بصعوبة وسط ركام الحرب والانهيار – تمثل الأمل المتبقي لإنقاذ الأرواح، واستعادة الكرامة، وبناء وطن يُحترم فيه الإنسان لمجرد كونه إنسانًا.

لقد ظل إرهاب الدولة لعقود هو السلاح المفضل للنظام البائد، قُمع به السودانيون شرقا وغربا، شمالا وجنوبا، لكن الإرادة الشعبية – والتي وجدت اليوم تعبيرها الحقيقي في تحالف “تأسيس” – قد بدأت تُحدث فرقًا. فمع تمدد نفوذ التحالف وتحرير مزيد من المناطق، تنبعث رياح الحرية والكرامة، ويبدأ الناس في استنشاق هواء الإنسانية من جديد.

إن مسؤولية المجتمع الإقليمي والدولي لا تقتصر على الشجب والإدانة، بل يجب أن تتجاوز ذلك إلى دعم أي مشروع وطني يسعى لوقف نزيف الدم، وكسر حلقات القمع، وبناء دولة المواطنة والحقوق. فصوت الضحية لا ينبغي أن يُدفن تحت ركام القنابل والدعاية المضللة، بل يجب أن يُسمع عاليا حتى تعود للسودان روحه، ويعود لأهله وطنهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى