تقارير وتحقيقات

محرومون من حق التعليم: طلاب دارفور وكردفان بين مطرقة الحرب وسندان الإقصاء

تحقيق استقصائي – عمار سعيد

“كان حلمي أبقى دكتور، لكن ما قدرت أمتحن، قالوا منطقتنا ما آمنة.. نحنا ما بشر؟”

بهذه الكلمات الموجعة عبّر الطالب “آدم” من ولاية وسط دارفور عن خيبة أمله بعد حرمانه من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للعام الثاني على التوالي، في واحدة من أكثر المآسي الإنسانية المسكوت عنها في ظل الحرب الدائرة في السودان.

مناطق منكوبة بالتمييز

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، أصبحت أقاليم دارفور وكردفان مسرحًا لصراع دموي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. لكن ما لم يسلط عليه الضوء بما يكفي هو الضحية الصامتة: التعليم، حيث وجد آلاف الطلاب والطالبات أنفسهم خارج أسوار الفصول والمدارس، لا لذنب اقترفوه، بل فقط لأنهم من سكان مناطق “غير مرغوب فيها”.

السلطات المشرفة على امتحانات الشهادة السودانية بررت حرمان هؤلاء الطلاب بـ”الوضع الأمني غير المستقر”، إلا أن كثيرين يرون أن الأمر يتجاوز الأمن إلى أبعاد عنصرية وجهوية خطيرة، تهدف لإقصاء أجيال كاملة من فرص التعليم العالي.

أرقام غائبة وصرخات مكتومة

لا توجد حتى الآن إحصاءات رسمية دقيقة عن عدد الطلاب المحرومين من التعليم في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، لكن تقديرات غير رسمية تشير إلى حرمان ما يزيد عن (70) ألف طالب وطالبة في ولايات دارفور وكردفان المختلفة من الجلوس للامتحانات.

وبحسب شهادات حصلنا عليها من معلمين وطلاب، فإن العشرات من المدارس أُغلقت أو تحوّلت إلى ثكنات عسكرية أو مراكز لإيواء النازحين، فيما فرّ أغلب المعلمين من مناطق القتال. في بعض الحالات، تم منع الطلاب صراحة من المشاركة في الامتحانات لأسباب تتعلق بانتمائهم القبلي أو الجهوي.

التعليم.. ضحية حرب مزدوجة

إذا كانت الحرب قد عطلت الحياة في كثير من مناطق السودان، فإن ما حدث في دارفور وكردفان أعمق من مجرد تعطيل مؤقت. فالحرمان من التعليم هنا ليس عارضًا بل يأخذ طابع التهميش الممنهج، في استكمال لمسار طويل من الإقصاء التاريخي.

“نحنا اتربينا في ظروف صعبة، والمدرسة كانت الأمل الوحيد. لما تمنعونا من الامتحان معناها حكمتوا علينا نكون مهمشين طول عمرنا”، تقول الطالبة “آمنة” من جنوب دارفور.

آثار كارثية على الأفراد والمجتمع

الحرمان من التعليم لا يعني فقط غياب شهادة، بل هو حرمان من المستقبل. فالطلاب المتأثرين اليوم هم قوة العمل والإنتاج في الغد، وتجاهلهم يعني تفخيخ المجتمع بعدد كبير من الشباب الغاضب والمحروم، الذي قد يكون فريسة سهلة للعنف والتطرف أو الهجرة غير النظامية.

كما أن ذلك يكرس فجوة تعليمية عميقة بين أبناء الوطن الواحد، ويعيد إنتاج المركزية والتمييز، ويضعف أي مساعٍ لتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.

أين الدولة؟

غياب الدولة عن هذه المناطق لا يقتصر على الأمن والخدمات، بل يشمل أيضًا غياب الإرادة السياسية لضمان التعليم كحق أساسي مكفول بالدستور والقانون. فبدلاً من البحث عن حلول لتمكين الطلاب من أداء امتحاناتهم، تم تبرير الإقصاء و”التعتيم” عليه إعلاميًا.

وفي الوقت الذي جلس فيه طلاب الولايات الأخرى التي تقع تحت سيطرة الجيش للامتحانات تحت حراسة أمنية مشددة، ظل طلاب دارفور وكردفان محاصرين بالتجاهل والخذلان.

ما الحل؟

يرى خبراء في التعليم وحقوق الإنسان أن معالجة هذه الفجوة التعليمية تتطلب إرادة وطنية وسياسات عاجلة وجريئة، تشمل:

  • تنظيم امتحانات استثنائية للطلاب المحرومين، عبر مراكز طوارئ أو تعليم إلكتروني أو رحلات خاصة.
  • منح استثنائية للقبول في الجامعات والمعاهد للطلاب المتأثرين بالحرب.
  • توفير دعم نفسي واجتماعي لهم ولأسرهم.
  • تخصيص صندوق وطني للتعليم في مناطق النزاع يموله الشركاء الوطنيون والدوليون.
  • إصلاح النظام التعليمي لضمان المساواة وعدم التمييز لأي سبب كان.

خاتمة: مستقبل على المحك

في بلد يعاني من النزاع والانقسام والتدهور الاقتصادي، يبدو أن التعليم هو الضحية الأشد إيلامًا والأكثر نسيانًا. وإذا لم تتم معالجة هذا الجرح المفتوح سريعًا، فإننا لا نخسر فقط جيلًا من المتعلمين، بل نخسر فرصة بناء وطن يتساوى فيه الجميع في الحقوق والفرص.

فهل تسمع الدولة صرخة “آدم” و”آمنة”؟
وهل يبقى التعليم مجرد شعار، أم يتحول إلى قضية وطنية عادلة؟

الجواب ليس في التصريحات، بل في الأفعال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى