رأي

محمد الرحال يكتب.. الاتكاء على البندقية: حين يصبح الرصاص مفتاح العدالة

ما وراء الشمس

في وطنٍ لم تُغلق فيه بعد دفاتر الاستعمار، لا يبدو غريبًا أن تظل النخب التي تسلّمت الحكم بعد رحيله أسيرة لذات أدواته: التقسيم، التهميش، وتدوير السلطة والثروة داخل مركز ضيّق، ظنّ نفسه الوطن كله، وجعل من الآخرين هامشاً بلا صوت، بلا تمثيل، وبلا حق في الحياة حتى..

حين غادر المستعمر، لم يترك البلاد على قدم المساواة، بل مرّر مفاتيح الدولة إلى من فتحوا له الباب أول مرة.. أما الأقاليم الأخرى، تلك التي لم تسجد على عتبة الغزاة، فحُكم عليها بالحرمان، وأُغلقت في وجوهها بوابات الصحة والتعليم والتنمية.. واستمر الحال على ما هو عليه لعقود، حتى صار المركز يُجيد حكم السودان وكأنه ضيعة خاصة.. فكل ما حدث بعد الاستقلال لم يكن استقلالًا، بل توريثًا سياسيًا للطبقة نفسها التي فرشت السجاد الأحمر للغزو البريطاني.. فتلك النخب خرجت يومها لتقف أمام الكاميرات في هيئة “الآباء المؤسسين”..

لكن التاريخ لا يسير إلى الخلف، والسكوت لا يصنع أوطانًا.. ومن بين رماد التهميش، خرج الصوت المسلح، لا ليدمّر، بل ليستعيد ميزانًا اختل.. ومن هنا، لا يمكن تجاهل أن قوات الدعم السريع اليوم هي استجابة موضوعية لحالة ظلم تاريخية.. لم تُخلق من فراغ، بل من حاجة.. ومن غضب.. ومن إرادة التغيير التي لم تعد تثق في شعارات النخب ولا صبر الهامش الطويل..

خرج الدعم السريع من رحم الخديعة الوطنية الكبرى.. خرج حين فهِم أن الحقوق لا تُمنح، بل تُنتزع.. خرج لأن السلمية التي طالما تغنّى بها الساسة كانت ولا زالت غلافًا لتواطؤ صامت..

البندقية التي يحملها أبناء الأقاليم اليوم ليست بندقية الفوضى، بل بندقية التوازن.. وهي الورقة الأخيرة حين تسدّ كل المنافذ، وحين ترفض “الدولة” أن تكون دولةً للجميع.. فالمعادلة التي قد تبدو صادمة للبعض، واضحة لكل من عرف مرارة التهميش: لا عدالة بلا قوة، ولا توازن دون سلاح يصون الحقوق. وكل من يرفع صوته اليوم ضد “المليشيا” كما يصفونها.. ينسى أنه لم يقل كلمة واحدة حين كانت الدولة حكرًا على جهة، وسلطانها على الجميع..

لعلنا نقترب اليوم من لحظة مفصلية في تاريخ السودان، عنوانها: إما أن يُعاد تشكيل الوطن بشراكة حقيقية، أو أن يُفرَض التوازن بقوة البندقية.. ولسنا ممن يفضلون الرصاص، لكننا نُدرك أن بعض الطرق لا تُفتَح إلا بصوت الطلقات، حين يُغلق المركز كل الأبواب الأخرى..

فمن يظن أن المركز سينهار بكلمة، أو أن النخب ستتنازل طواعية، فهو واهم.. التاريخ لا يرحم الضعفاء. ومن لا يصنع توازنه بالسلاح، سيُدهس باسم الوطن..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى