رأي

محمد الرحال يكتب: في ميزان العالم.. لا مكان للضعفاء

في واقع مقلوب كهذا الذي نعيشه، بات من السذاجة الإعتقاد بأن العالم ينحاز للصادق الضعيف أو يُنصف المظلوم.. فالقوة اليوم بكل أشكالها هي العملة التي تُتداول في مراكز القرار الدولية، ومن يملكها، يملك حق تعريف “العدالة”، ولو بشكل انتقائي، ولا قيمة لدموع الضحايا إن لم تُرفَق برسائل قوة..

قوات الدعم السريع وبعدما حققت مكاسب ميدانية ملموسة، بدأت تتراجع في الزخم العسكري لصالح خطاب “العمل الإنساني” وتقديم الإغاثة.. ليس لأن الحرب انتهت، بل لأن القادة هناك وقعوا ضحية الإبتزاز الأخلاقي والعاطفي، وإعلام الجيش (وهو أحد أسلحتهم) رسائله الضمنية كانت: “أن العالم لا يتعاطف مع المنتصر إن ظهر بمظهر الجلاد مع عدوه”.. فأنتج الأشاوس عبارات “لقيتوا التعامل كيف” تتبعاً وتأثراً ببروباغندا الجيش، دون استجواب استخباري يخترق التحصينات الأمنية للعدو، وإظهار نهاية المعركة كنهاية مباراة وُدية..

البندقية وحدها غير كافية لكسب المعركة نعم؟! لكن ترديد خطاب أنتجه العدو لتحقيق مصالحه العسكرية- السياسية هو سلوك لن يجعل الأمم المتحدة تقدم مكافأة له.. ولن تتخلى عبره عن تحيّزاتها، وتفتح عينيها على الواقع كما هو.. فهي ليست إلا واجهة دبلوماسية لسياسات لا تُبنى على المبادئ بل على المصالح الباردة..

المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة، لا تنطلق من مبدأ الحياد الكامل كما قد يتصور البعض، فهي رهينة مصالح لا تُقدِر إلا من يفرض نفسه لاعباً لا تابعاً.. لذلك، فإن أي حسابات سياسية تقوم على إرضاء هذه الجهات أو غيرها دون تمسك بالقوة على الأرض، هي حسابات خاسرة..

من أسباب تراجع الدعم السريع أنه بات يخشى اللوم أكثر من الخسارة، يخشى الكاميرا أكثر من المدفع، يخشى وصفه بمرتكب “فظائع” أكثر من خوفه من إنقلاب الموازين، ولأجل ذلك، شاهدنا تحولات مثيرة كانت غير مرئية في الأشهر الأولى من غدر أبريل: قوات تضحك مع العدو، ترأف بخصومها، وتصور توزيع الدقيق أكثر من تصوير خطوط النار..

العالم اليوم لا يحترم من يتراجع عن الميدان بدافع الخوف من اللوم الأممي، بل يحترم من يفرض سيطرته، ويعرف متى يُظهر شدته ومتى يُظهررحمته.. فأي تراجع بحجة تحسين الصورة سيُقرأ كضعف.. أما التقدم المقرون بضبط النفس فسيُقرأ كقوة ناضجة تستحق الاعتراف.. فالعالم – وإن لم يكن معك اليوم – لن يستطيع تجاهل من يفرض نفسه بقوة وذكاء..

فمن أراد مكاناً على طاولة القرار، فعليه أن يأتي إليها قوياً.. لا يكفي أن تكون ضحية.. ولا يكفي أن تحرر أرضك، بل يجب أن تحرر خطابك أيضاً لا تبني خطاب غيرك..

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى