(2)
إن الدولة بما هي جاهز سلطة، وفقا للفكر السياسي الحديث، تقوم بأداء وظيفتين رئيستين. الأولى تتلخص في ما يمكن تسميته بوظيفة الضبط الاجتماعي، التي تتفرع إلى ضبط الأمن الداخلي بما يضمن كون الدولة هي الفاعل الرئيس في تشكيل الحياة الاجتماعية لساكني الرقعة الجغرافية التي تقع تحت سيادة الدولة. وباختصار هنا، نقرر إن وظيفة الضبط الاجتماعي التي للدولة، هي التي تضمن تجذر مؤسسات الدولة في حياة الناس، وكلما زادت قدرة الدولة على ضبط مجالها الحيوي الاقتصادي والسياسي والثقافي و.. .إلخ، كلما زادت شرعيتها الاجتماعي في نظر المجتمعات التي تحكمها، وبالتبع قدرتها على إدارة الصراع الاجتماعي بشكل سلمي، وبما يضمن اتفاقا على قواعد النظام السياسي الذي يعمل كأرضية يتم فيها الصراع الاجتماعي على الثروة والسلطة بين الجماعات السياسية والقوى الاجتماعية داخل جغرافيا الدولة. ونستنتج هنا، أن وظيفة الضبط الاجتماعي للدولة تتحدد بوجود نظام سياسي متوافق عليه اجتماعيا، ذلك أنه الشرط الضروري لضمان فعالية أكبر لمؤسسات الدولة عبر تجذير شرعيتها الاجتماعية وبالتالي قبولها ونظام حكمها. أما الوظيفة الثانية للدولة فهي تتلخص في ضبط الأمن الخارجي، ولسنا في حاجة هنا لاستعراضها.
أشير أيضا، إلى أن شرعية وفعالية جهاز دولة ما داخل رقعة جغرافية محددة، يتحدد بعقد اجتماعي افتراضي يحدد العلاقة بين الحكومة والمواطنين من جهة، والمواطنين مع بعضهم من جهة أخرى؛ وهذا ما يعرف بالعلاقة الدستورية بين الدولة ومواطنيها. هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن من الواضح أنه قد أصبح مسلما به في الفكر السياسي الحديث أن فعالية جهاز الدولة أيضا تتحدد بمدى شرعيتها الاجتماعية في نظر المجتمعات التي يحكمها جهاز الدولة. بداهة، إنه كلما زادت الشرعية الاجتماعية لجهاز دولة ما كلما زادت قدرة الدولة على احتكار أجهزة العنف والحق في ممارسته من الجماعات والأفراد، لتصبح الدولة الجهة الشرعية الوحيدة التي تستخدم العنف. لكن، وحتى تكون المسألة واضحة، نشير إلى أن قدرة الدولة على احتكار العنف لا تكفي وحدها لاكساب جهاز السلطة ومؤسسات الدولة شرعية اجتماعية في نظر المواطنين. هنا يأتي مبدأ تمديد الجهاز الخدمي كمبدأ حاكم في علم الدولة حديثا، والقاضي بأن الشرعية الاجتماعية لجهاز سلطة ما، وأيضا قدرته على احتكار العنف الشرعي، لا يمكن أن تكتسب وتتجذر إلا عن طريق تمديد الجهاز الخدمي للدولة، بحيث تصبح الدولة هي الفاعل الرئيس في حياة المجتمع الذي تدعي السيادة عليه. على هذا، فإن شرعية الدولة الاجتماعية تتحدد بمدى قابلية الدولة لتمدد جهازها الخدمي إلى أطراف الدولة. على سبيل المثال، في السودان الحالي نلاحظ أنه وفي بعض بوادي دارفور وكردفان تلجأ المجتمعات إلى المؤسسات التقليدية مثل القبيلة والإدارة الأهلية من أجل الحصول على بعض أهم الخدمات التي يجب أن تكون من اختصاص الدولة، مثل تقديم الحماية والتعليم والصحة وبعض وظائف الضبط الاجتماعي الأخرى. للتدليل على ذلك نشير إلى ظاهرة الفزع، والتي تتلخص في تداعي أبناء القبيلة أو العنصر من أجل حماية مصالح أفراد منهم، عن طريق استخدام أدوات العنف، الذي يعتبر شرعيا من قبلهم؛ وهي ظاهر تشير إلى أن الغياب الجزئي أو التمام لمؤسسات الضبط الاجتماعي للدولة مثل الشرطة، يدفع بعض المجتمعات إلى اللجوء إلى مؤسسات أخرى غير الدولة، هي مؤسسات ذات بنية تقليدية تختلف كثيرا عن مؤسسات الدولة الحديثة، وهو ما يجذر بدوره وجود مؤسسات غير دولتية تشارك الدولة شرعيتها الاجتماعية.
إن ما يجب تأكيده هنا، أن تاريخ دولة(56)، خاصة حروبها المتطاولة، تشير بما لا يدع مجالا للشك إلى وجود مشكلة شرعية اجتماعية تعاني منها مؤسساتها تاريخيا، ترتب عنها وجود أزمة مواطنة حادة داخل الاجتماع السياسي السوداني، ذلك أن جهاز سلطتها ونظامها السياسي ظل يخدم وبشكل أساسي مصالح الأقليات الاجتماعية النهرية التي ورثت هيمنة حصرية عليه عقب الاستقلال. كما أن جهازها الخدمي ظل يتمدد في المركز النهري حصرا، تاركا هوامش السودان للمؤسسات التقليدية؛ الأمر الذي أدى بالنهاية إلى عجز الدولة عن تنمية الحس الوطني وروح المواطنة، وأن تظل مؤسسات مثل القبيلة والطائفة أكثر فاعلية من الدولة في تشكيل وضبط الحياة الاجتماعية للمواطنين. هنا يكفي فقط أن نشير إلى أن أزمة المواطنة وتعثر بناء الحس الوطني تتمظهر في أن المواطن، خاصة في الهوامش حيث يغيب جهاز الدولة الخدمي، يعرف نفسه كمواطن في قبيلة (مؤسسة موازية للدولة) قبل أن يكون مواطنا في الدولة، على الأقل في المقام الأول. ونستنتج هنا أن إهمال تمديد الجهاز الخدمي للدولة وفشل تطور رابطة مواطنة حديثة داخل الاجتماع السياسي السوداني تاريخيا، هو ما يجعل حرب 15 أبريل أكبر مهددات النسيج الاجتماعي السوداني والدولة ككل بالتبع؛ حيث نؤكد أن استمرار سياسات الدولة الاستعمارية عقب الاستقلال، أفقد مؤسسات دولة(56) شرعيتها الاجتماعية في نظر القوى الاجتماعية في هوامش السودان، ما أنتج لنا تعددا في الجهات الشرعية التي تحتكر العنف. نؤكد هنا أيضا أن أزمة شرعية مؤسسات دولة(56) هذه يمكن أن ترى في السيولة الأمنية التي تسودها، حيث أن كل من القوات المسلحة، وقوات الدعم السريع، تعتبران مؤسستان شرعيتان في نظر القوى الاجتماعية السودانية في غرب السودان وشماله. ولعل هذه المشكلة هي ما يفاقم وبتسارع حدة الانقسام الاجتماعي الذي يهدد بتفكك السودان. ولعل النتائج الهائلة التأثير لحرب 15 أبريل، وفشل كل مبادرات السلام في إيقافها، وتمددها المتسارع لتشمل معظم أقاليم السودان، وقبلا سقوط معظم ولايات إقليم غرب السودان (كردفان، ودارفور) تحت سيطرة الدعم السريع، وبقاء سيطرة الجيش في شمال وشرق السودان، كلها مؤشرات تؤكد: أن حرب (15) أبريل 2023 هي لحظة الإعلان الرسمي لنهاية الصيغة القديمة للدولة، دولة (56).
إن استحالة دولة(56)، وبعبارة أدق؛ نهاية الصيغة القديمة للدولة التي أحاجج عليها هنا، يمكن رؤيتها بكل وضوح في عدم مقدرة مؤسساتها على ضبط الصراع الاجتماعي على الثروة والسلطة في السودان عقب 15 أبريل، نتيجة تصاعد التناقضات داخل الاجتماع-السياسي السوداني إلى مستوى غير مسبوق، مستوى أعلى من أن تستوعبه مؤسسات الدولة الاستعمارية التي تم إعادة إنتاجها في دولة (56). أيضا، لعل أهم ما يدلل على ادعاءنا هذا هو أن حرب 15 أبريل فاقمت من تفكك النظام السياسي لدولة(56) الذي كان بمثابة اللحمة التي تربط أقاليم السودان التاريخية؛ ومن هنا عودة الجغرافيا التاريخية للسودان القديم إلى البروز، حيث نلاحظ سيطرة الدعم السريع على معظم دارفور وكردفان، وبقاء سيطرة الجيش في الجغرافية التاريخية لسنار. أؤكد هنا، أننا ندخل مرحلة جديدة من تاريخ الصراع الاجتماعي في السودان؛ ذلك أن انهيار النظام السياسي لدولة(56) يعني عودة السودان إلى الجغرافيا السياسية للسودان القديم، حيث كل إقليم يشكل دولة. ولعل ما يعزز هذه الفرضية هو أن جنوب السودان، والذي كان إقليما مستقلا قبل 1821م، قد انفصل في العام 2011 عقب حروب أهلية طويلة، كانت جميعها تمردات وثورات مسلحة تنشد تغيير النظام السياسي لدولة(56).
ختاما أشير إلى أن السبب الرئيسي الذي أدى ويؤدي إلى نهاية دولة (56) وجيشها، هو تحول هذه الجماعات العسكرية التي ينشئها الجيش، إلى ممثل مباشر لمصالح هذه المجتمعات، وبشكل حتى أكبر من التمثيل الذي تحظى به الإدارات الأهلية، ذلك أن تسليح الدولة لجماعات مهمشة وبالتالي في تناقض رئيسي مع الدولة يطلق صيرورة تشكل قيادات سياسية حديثة لهذه المجتمعات، تسحب تدريجيا التمثيل السياسي من الإدارات الأهلية، ومعها الشباب والقوى الحية الأخرى؛ وهو ما يهدد بالنهاية ذلك التحالف السياسي الذي يخفي التناقض الرئيس بين هذه القوى الاجتماعية والدولة، والذي كان يبقيه ساكنا. باختصار، إن ما أشير إليه هنا، هو أن ما تبقى من الوضعية التاريخية لجيش دولة(56) ليس مهددا من قبل الدعم السريع فقط، وإنما حتى من قبل الجماعات المسلحة التي تقاتل إلى جانب الجيش في وسط وشرق وغرب السودان، ذلك أن الوضع المتردي الذي يعيشه الجيش حاليا والذي يجعله في حاجة ماسة إلى خلق مزيد من المليشيات، كان أصلا قد نشأ نتيجة ما نسميه بسياسة المليشيات، وهي السياسة التي نعرفها بأنها لجوء الجيش إلى تنظيم وتدريب وتسيلح مجتمعات مهمشة من أجل مساندته في قتال مجتمعات بدأت تنتظم وتتسلح في حراك سياسي مطلبي، وإذا ما جاز لنا استعارة عبارة لفيلسوف التاريخ والاقتصادي الألماني، كارل ماركس، وإن بتحريف، فيمكن أن نقول، إنه وفي اللحظة التي بدأت فيها دولة (56) بتسليح القوى الاجتماعية الرعوية بغرب السودان، كانت بذلك تخلق حفاري قبرها، وتسلمهم المعاول”، ذلك أن هذه المجتمعات لم تحمل السلاح من أجل حماية الدولة التي لا تستفيد منها، وإنما من أجل حماية نفسها بشكل رئيسي؛ وهو ما يعني أن الجيش وبتسليحه للمليشيات التي تقاتل إلى جانبه حاليا، يخلق حفاري قبره الآخرين، والذين هم قوات دعم سريع أخرى قادمة، تهدد ما تبقى من الوضع التاريخي لدولة(56).





