تقارير وتحقيقات

عبد الرحمن سوار الذهب.. وجه أبريل الذي ظهر في يونيو

بقلم: مصعب شريف

يعلم الكثيرون أن المشير عبد الرحمن سوار الذهب, هو الرجل الذي أوكلت إليه الإنقاذ في نسختها الثالثة بتنظيم احتفالاتها بالبقاء في السلطة لأربعة أعوام قادمة, (رجل الديمقراطية الثالثة), وفارسها الذي أعاد السلطة للشعب في أبريل بعد أن انحاز إليه مع مجموعة من الضباط عقب اندلاع الانتفاضة الشهيرة.

لكن ما لا يعلمه البعض أيضاً أن ذات المشير (الديمقراطي), قد استبسل مراراً في الدفاع عن حياض نظام الراحل جعفر نميري الشمولي, وقاد في العام 2010 لجنة موسومة بالقومية ، أفلحت في إبقاء الرئيس الحالي المشير البشير لأربعة أعوام أخرى.

من لدن مايو وإلى الإنقاذ تتشعب مسارات المشير سوار الذهب الذي أظهر ولاء كبيراً للشمولية ورجالها .

عندما لم يكن من المسموح لنا مقابلة قادة الدول ورؤسائها ، قمنا بتنصيب سوار الذهب كرئيس لمنظمة الدعوة الإسلامية وقد كان اختيارنا في مكانه ، فقد نجح الرجل بسمعته الطيبة في استقطاب الدعم من جميع الدول ومقابلة رؤسائها، الأمر الذي زاد من فاعلية المنظمة لتضطلع بدورها في بناء المدارس والمستشفيات وغيرها من الأعمال الخيرية ).

أطلق صرخة حياته الأولى وسط أهازيج الطريقة الختمية في مدينة الأبيض بشمالي كردفان

هكذا كان الأمين العام لمنظمة الدعوة الإسلامية السابق وأحد أبرز العسكريين السودانيين اللواء معاش مزمل سليمان غندور يتحدث عن رفيق دربه وزميل العمل الطوعي والعسكري المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب ،الذي أطلق صرخة حياته الأولى وسط أهازيج الطريقة الختمية في مدينة الأبيض بشمالي كردفان في أحد أيام العام خمسة وثلاثين وتسعمائة وألف، لينشأ عبد الرحمن في كنف أسرة دينية عريقة كانت امتداداً لأسرة سوار الذهب المعروفة بمدينة أم درمان، حيث كان والده خليفة السيد علي الميرغني بالمنطقة وراعيا للسجادة الختمية في جميع أرجاء مدينة الأبيض .

تدرج عبد الرحمن محمد حسن أو (عبد الرحمن سوار الذهب) وفقما كان ذائعا بين أقرانه ، في مراحل التمدرس المختلفة إلى أن تم استيعابه في الكلية الحربية السودانية مع تسعة وخمسين من أقرانه ، في دفعة استثنائية حيث لم تكن الكلية في ذلك الزمان تستوعب أكثر من عشرين طالبا حربياً ، لكن مساجلات بين الضابط السوداني المسؤول عن استيعاب الطلاب السودانين ومدير الكلية البريطاني رفعت عدد المستوعبين في ذلك العام إلى ستين وفقما يروي الأمر ، مزمل سليمان غندور مشيرا إلى أن اللواء طلعت فريد قد طلب من الضابط الانجليزي أن يقوم برفع عدد الطلاب الحربيين في ذلك العام إلى أربعين إلا أن إصرار الضابط على العشرين دفع بطلعت فريد لاجتراح حل وسط تم بموجبه استيعاب الأربعين الذين اقترحهم بالإضافة لعشرين (الخواجة) ليصبح عدد المستوعبين ستين طالباً حربيا تخرجوا في العام خمسة وخمسين وتسعمائة وألف وكان سوار الذهب والذي خلف والده على سجادة الطريقة الختمية أحدهم ليتدرج الرجل بعدها في السلك العسكري كضابط منضبط وملتزم بعمله الأمر الذي أهله لتقلد مجموعة من المناصب في المؤسسة العسكرية السودانية كان آخرها ترقيته كرئيس لهيئة الأركان إلى أن تم تعيينه كوزير للدفاع في عهد الرئيس جعفر نميري الذي أظهر له سوار الذهب وفاءً منقطع النظير للدرجة التي جعلت بعض الناقمين على النظام الشمولي يصمونه بـ(السادن) ، فقد عمل مع مجموعة من زملائه على توطيد أركان الحكم العسكري الوليد، وكان حائط الصد الأول في وجه كل العواصف التي تعرض لها النظام ، وعندما قام الرائد هاشم العطا بانقلابه التصحيحي الشهير في العام 1971 كان سوار الذهب أحد (المايويين) الذين عملوا على إفشال الانقلاب فكان أن رفض تسليم حامية مدينة الأبيض العسكرية التي كان قائدا لها لحظة حدوث الانقلاب ، ليستعيد النميري وعصبته الحكم بعد ثلاث ليال .

سوار الذهب رئيس هيئة ترشيح البشير انتخابات ٢٠١٠

لكن مكأفاة سوار الذهب عندها كانت مفاجأة للجميع ،حيث فُصل تعسفيا عن الخدمة بعد عام من استبساله في حامية الأبيض ليغادر في العام 1972 إلى دولة قطر التي عمل فيها كمستشار للحاكم الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني للشئون العسكرية، فكان بمثابة قائد للجيش والشرطة في ذات الوقت محدثاً نقلات عديدة في المؤسسة العسكرية القطرية ليقوم بفرز الأرقام العسكرية محدداً أرقاما للشرطة منفصلة وأخرى للجيش -كلا على حده- كما استبدل الزي والبزات العسكرية بأخرى جديدة وحدد كل سلاح على حده، فأضحى الجيش القطري مؤسسة قائمة بذاتها وكذا الشرطة القطرية، ليعود سوار الذهب إلى الخرطوم بعد الرضا عنه من قبل المايويين ويتم تعيينه رئيساً لهيئة الأركان ومن ثم قائداً عاما للقوات المسلحة السودانية في مارس من العام خمسة وثمانية وتسعمائة وألف مع تمديد فترة عمله بالجيش لمدة سنة حسب قرار رئيس الجمهورية جعفر نميري وذلك حتى لا يشغل المنصب من بعده اللواء (تاج الدين) حسب قراءات النميري الذي يبدو أنه كان يشتم رائحة الانتفاضة الشعبية التي أطاحت به بعد عام من قراره ذاك ، ليتبين فيما بعد صحة قرار نميري وبعد نظرته في اختيار سوار الذهب، فعندما قرر مجموعة من الضباط بالجيش عند نشوب انتفاضة أبريل من العام 1986 الانحياز للشعب والعودة للثكنات وأوكلوا المهمة له بصفته قائداً للجيش تردد الرجل مشيرا إلى أنه لن يحنث بقسمه للرئيس نميري وفقاً لرواية مزمل غندور الذي وصفه بالوفي فيما أشار أحد زملائه العسكريين والذي طالب بحجب اسمه إلى أن سوار الذهب لم يكن ليوافق على خطوة الجيش بالانحياز للشعب لولا الضغوطات التي مارسوها عليه ، مبينا أنه لولا ضغوطاتهم لتمترس خلف وفائه لنميري والذي يؤهله لنيل صفة (السادن الأكبر) بجدارة – وفقاً لما يرى.

وبعد ضغوطات عديدة رضخ سوار الذهب لزملائه وتسلم السلطة عقب انتفاضة أبريل رجب الشهيرة ليقوم بتسليم السلطة بعد عام لرئيس الوزراء المنتخب الصادق المهدي في سابقة رفعت من أسهمه وصنعت منه شخصية بطولية وجدت الاستحسان لدى الكثيرين ، لكن بالمقابل وقف الكثيرون موقفا لايخلو من الشك إزاء الخطوة حيث وصف الراحل جون قرنق ديمابيور الأمر برمته (الانتفاضة وخطوة سوار الذهب) بعبارة شهيرة (مايو تو) مشيرا إلى أن الفترة الانتقالية التي ترأسها سوار الذهب لا تعدو كونها امتدادا لاستبداد وتسلط جعفر نميري لكونها أتت بذات (السدنة) الذين لطالما دافعوا عن ذات النظام العسكري .

لكن بالمقابل اكتسب سوار الذهب بريقاً كبيرا في الدول المجاورة خاصة العربية حيث ظلت عبارة الرئيس السابق تتصدر اسمه، الذي تليه مباشرة عبارة الثناء البراقة ( هذا هو العسكري الذي أعاد السلطة للشعب طواعية) ، فكان نجماً ديمقراطيا وفقاً لكثيرين لا تنقص من ديمقراطيته رتبة (المشير) التي كافأه بها العهد الديمقراطى.

كان (مجبرا لابطل) على ترؤس المجلس العسكري لانتفاضة أبريل 1986.

لكن صورة سوار الذهب البطولية هذه تبدو غير واقعية بوجهة نظر الكثيرين حسبما يرى الصحفي المعروف خالد عويس حيث يشير في إحدى مقالاته المنشورة على موقع (العربية نت) إلى أن ثمة صورة غير واقعية عن سوار الذهب الذي وصفه بالافتقار للإرادة الكافية للانحياز للشعب إبان اللحظات المفصلية من انتفاضة أبريل التي ثار فيها الشعب على الجلاد ، فقد كان وفقاً لعويس يُؤثر السلامة على مجرد التفكير في (خيانة) نميري الذي عُرف بسحله لكل من تسول له نفسه من العسكريين بالانقلاب عليه حيث كان الرجل (مجبرا لابطل) على ترؤس المجلس العسكري المكون في أبريل من العام 1986.

ويرى عويس كذلك أن ما يتردد عن سوار الذهب كرئيس اختار طواعية التنازل عن السلطة فهم مغلوط، فالسلطة ذاتها لم تكن سلطة عسكرية ولا انقلابية لأن الشعب السوداني هو الذي نحى نميري كما أن قادة الأفرع العسكرية هم الذين عضدوا هذا الخيار الشعبي الجارف بقرارهم تحييد الجيش في المعركة التي كان ينوي نميري زجه فيها ضد الثائرين حسب عويس الذي يرى أن زملاء سوار الذهب هم من وضعوه في نهاية المطاف في مجرى التغيير والثورة.

ويضيف عويس أنه إذا كان ثمة من يستحق التكريم، فهم أولئك الضباط الكبار الذين جنبوا البلاد (تاريخا دمويا) كان سيؤرخ في أبريل 1985 عوضا عن التاريخ الذي بقي إلى اليوم إلى جانب 21 أكتوبر 1964 شاهدا على قدرة الشعب السوداني على هزيمة الأنظمة الديكتاتورية .

وقد هزمت الديكتاتورية وتسلم السلطة من اختارهم الشعب ليحكموه فذهب الصادق المهدي وأحمد الميرغني للقصر الجمهوري الذي غادره سوار الذهب ليواصل عمله الطوعي مترئساً لمنظمة الدعوة الإسلامية التي تكونت في عهد جعفر نميري عقب استنانه لما يعرف بقوانين سبتمبر في محاولة لتطبيق ماوصف حينها بـ(الشريعة الإسلامية) .

ظل سوار الذهب متواريا خلال حقبة الديمقراطية الثالثة لايذكر إلا عندما يأتي ذكر منظمته الطوعية ، ليختفي الرجل ويبزغ نجمه بصورة مفاجئة عقب استيلاء الإنقاذ على السلطة إثر انقلاب عسكري في الثلاثين من يونيو من العام 1988 وبرز سوار الذهب حينها كشخصية قومية محايدة فقد قاد الرجل محاولات عديدة للتقريب بين الخرطوم وأعدائها لكن بالمقابل ووفقا لمقربين فقد أفلحت الإنقاذ في استخدام سوار الذهب في تحقيق أجندتها حيث تم الزج به في قضية شهداء 28 رمضان الشهيرة والتي تدخل فيها الرجل بحسن نية دون أن يعلم أن السلطة ستنفذ فيهم ماتريد .

نجم سوار الذهب سطع مرة أخرى بشكل لافت عقب ترؤسه ماكان يعرف بـ(هيئة جمع الصف الوطني) المكونة من مجموعة من الشخصيات السياسية التي كانت ترى حينها أن البلاد تمر بمنعطف خطير جراء الأحداث الداخلية المتلاحقة والتي كان أهمها نشوب الأزمة في إقليم دارفور بالإضافة للمهددات الخارجية المتمثلة في قرار مجلس الأمن رقم (1706).

قال: اعادة انتخاب البشير يساعد السودان على مواجهة المؤامرات والتحديات الخارجية

وفي ظل تعنت مجموعة من القوى السياسية حينها والتي شككت في نوايا سوار الذهب ولجنته دون أن تظهر هذا الأمر، رامية باللوم على الحكومة ، فشلت هيئة جمع الصف الوطني في تادية مهمتها ليصبح مصيرها النسيان ويخفت ضوء سوار الذهب مع زوالها ليعود لواجهة الأحداث بقوة مؤخراً عندما يمم وجهه شطر مفوضية الانتخابات بوسط الخرطوم حاملاً تزكية واحد وثلاثين الف ناخب يمثلون 25 ولاية من ولايات السودان لترشيح المشير البشير لدورة حكم جديدة ، وبرر سوار الذهب خطوته تلك بأن البشير هو الخيار الأمثل لكي يظل السودان مستقرا ، نافياً أن يكون منتمياً لحزبه ، إلا أن هذا النفي لم يجعله بمنأى عن أسهم النقد اللاذع الذي وجه له بشدة وفي غيرما مرة دون أن يكترث له ليجوب أصقاع العالم مخاطبا الجاليات السودانية المختلفة ، لكن هذه المرة بصفته رئيساً لما عرف بالهيئة القومية لدعم ترشيح البشير فهو حسبما يرى فإن دعم البشير واجب قومي لكونه الأقدرعلى جلب السلام والتنمية للسودان، كما أن انتخابه –حسب سوار الذهب – يساعد السودان على مواجهة المؤامرات والتحديات الخارجية التي تحيط به حاليا .

إلا أن هذا التبرير وغيره مما شابهه وضع الرجل مجددا في وجه المدفع حيث أبدى كثيرون في المعارضة امتعاضهم من الطريقة التي يختتم بها الرجل مسيرته في العمل العام ،حيث يرون أنه كان عليه التزام الحياد والانحياز للشعب بدلاً عن تمديد فترة النظام الشمولي الذي يقوده البشير .

وهو ذات ماذهب إليه مرشح الحزب الاتحادي (الأصل) لرئاسة الجمهورية حاتم السر علي.[1] لدى مخاطبته لمهرجان سياسي أقامه حزبه في السادس من أبريل الماضي بميدان الرابطة بشمبات إحياءً لذكرى انتفاضة أبريل حيث أبدى السر أسفه لما أسماه بالسقوط الشنيع لسوار الذهب الذي ما كان عليه أن يقف ضد الشعب الذي استأمنه ثورته ذات يوم، ومضى السر مهاجماً لسوار الذهب مشيرا إلى أنه أضحى (سادنا كبيراً) للشمولية ومكرساً لحكم الفرد على الرغم من أنهم كانوا يرجون منه دوراً أرفع من ذلك بكثير بالانحياز للشعب السوداني الذي قدمه كنموذج للعالم في أبريل من العام ستة وثمانين وتسعمائة وألف.

نشر بصحيفة الحقيقة في : 19/04/2010

الصورة بعدسة المصور السوداني ناجي الملك


  1. يشغل حاتم السر منصب وزير النقل والتنمية العمرانية بحكومة الرئيس عمر البشير

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى