بالتأكيد، سيكون من العسير لرجل من خلفية أنصارية، تقدس عائلته المهدي، الإقدام على توجيه نقد للإمام، لهذا؛ منذ أن فارقت حزب الأمة القومي في العام 2010م من موقع عضو الهيئة المركزية -وهي أعلى سلطة في الحزب بعد المؤتمر العام- ظللت أتحاشى الكتابة النقدية الموجهة لمواقف رئيس الحزب، إلا هذه المرة، بعد أن فتحت بنتا الإمام “رباح ومريم الصادق” الباب واسعًا لنقد رئيس الحزب بسبب ما أسمتاه بـ”التجاوزات”.
معروف عن السيد الصادق أنه لا يتحمل النقد وإن تظاهر بغير ذلك، ولتفادي مخالفة الرأي داخل حزب الأمة وكيان الأنصار، سعى الإمام للجمع بين الأختين “رئاسة الحزب وإمامة الأنصار”، في حين كان ذو صوت عال ضد الجمع بينهما وقتذاك، في حياة عمه الهادي المهدي. ثم أضاف، أي الصادق، القليل من المسحة الدينية التي تخرجه من مرحلة الأنسنة إلى الروحي، ولا تنسى عزيزي القارئ حكاية حط القمرية على كتف جده ومصادفة ميلاده مع ميلاد المسيح، هذا الكلام هو خبر قابل للتصديق، قد يعاني طائر القمرية من خلل ما، أو تأكد من أن شيخ في سن السيد عبد الرحمن لا يشكل خطرًا على حياته! أما موضوع مصادفة الميلاد، فهنالك ملايين الكفار ناهيك عن المسلمين، ولدوا في يوم 25 ديسمبر، بل هناك من ولدوا في يوم الاثنين الذي يصادف الثاني من ربيع الثاني، هل جميعهم مقدسون؟.
أزيدك من شعر القداسة بيت، يقول السيد الصادق في حوار تلفزيوني وفي كتاباته، إن شخصًا ما رأى في المنام نميري وهو يحاول الخروج من برميل في حضور مجموعة من الناس تريده أن يبقى داخله (تكبس غطاء البرميل على النميري)، فسر الإمام الرؤية بأن سلطة نميري في طريقها إلى الزوال، بعدها بأيام، جاءه هاتف -أي والله- قال السيد: جاءني هاتف من السماء يؤكد دنو أجل حكم نميري، ولم يلبث الأخير في الحكم بعد الهاتف سوى ساعات فقط، كما يقول. لا أدري ما نوع الهاتف، هل هو غبي من فصيلة “ريبيكا” أم ذكي من فصيلة “آيفون”!.
يا سادتي، سقط حكم نميري عن طريق ثورة شعبية، بذل فيها الطلاب والهيئات النقابية دورًا كبيرًا، بالإضافة لدعم عضوية الأحزاب الديمقراطية، ولما بلغ الأمر ذروته أجبر صغار الضباط كبارهم على الانحياز إلى صوت الجماهير، هكذا سقط نميري، لكن كل هذه الجهود يختزلها السيد الصادق في أضغاث أحلام وهواتف ربانية مزعومة.
هذه الخزعبلات ستكون مقبولة من الفكي -واعظ متجول، قليل التعليم، لديه نزعة لترويج الروايات الظلامية التي تعارض العلم والفكر.
في كل منطقة يدرك أهل السودان قصصًا من هذه الشاكلة على أفواه أتباع المشايخ وأصحاب القباب، تتحدث عن كرامات عجز عن الإتيان بمثلها الصحابة وخلفاء الرسول، أذكر في عهد الطلب، لبيتُ دعوة من صديق يسكن في إحدى قرى طابت بولاية الجزيرة، تدين تلك العائلة بالولاء للشيخ حسن ود حسونة، تبارى زميلي ووالده في إخباري عن كرامات الشيخ ود حسونة، مثل إنه لا يصلي الجمعة إلا في الكعبة المشرفة في كل أسبوع، فعندما تقام الصلاة هناك يطير إلى السعودية لحضورها. قلت لنفسي ما هذا التعب! أيعجز الله عن نقل الكعبة إلى حيث مسجد ود حسونة؟ ما أعلمه من فن الأوتكيت؛ يجب ألا تجادل أصحاب القناعات في صحتها، ولكن، لما حكى لي والد زميلي حكاية البنت التي أحياها ود حسونة، فاض بي الكيل، عندها اعترضت دون مراعاة للأوتكيت، وبالفعل ظهرت ملامح الغضب من أهل المنزل. تقول الحكاية؛ هناك بنت جاء بها أهلها إلى ود حسونة لكي يطببها من مرض أعجز الأطباء، أثناء العلاج توفيت الفتاة، ولما عاد أهلها دار بينهم حديث بأن ود حسونة قتلها، تلك الهمسات سمعها الشيخ من مسافة بعيدة، ليستدعي مباشرة أهل البنت إلى أن أوقفهم على قبرها، وفي اللحظة طلب من البنت أن تقوم من مرقدها، بالفعل قامت كما تقول الرواية، كادت أن تصرخ مندهشة: “يا ويلنا مَنْ بعثنا من مرقدنا”.
سأل ود حسونة البنت التي قامت من قبرها؛ هل ماتت بسببه؟ نفت بشدة، ثم طلب منها أن تواصل الرقاد! شعرت بالحرج لاعتراضي العلني على هذه القصص، لكن أسعفني ابن للأسرة من ذوي الاحتياجات الخاصة بقوله: “ده كلام فارغ أنا ودوني قبر الشيخ وما اتعالجت”.
هذه الخرافات منتشرة في كل مكان، في قريتنا يردد صديق لوالدي يسمى “إدريس درجة” حكايات مشابهة تصله عبر خطابات يدوية من ولي الدين الهادي المهدي، يروى فيها حضور الإمام الهادي لصلاة العيدين في كل عام بالجزيرة أبا، وأثناء الصلاة يفرش الإمام الهادي فروته على بعد أمتار من تحت الشمس، وما أن يفرغ المصلون من صلاتهم، حتى يتلاشى الإمام كدخان طائرة بين طيات الضباب.
كل هذه الروايات ستكون مهضومة إلى حد ما على لسان العوام، لكن، أن يأتي مثلها من خريج أوكسفورد؛ فذلك شيء مستغرب!.
نواصل..





