إن هذه الحرب رغم قسوتها وتداعياتها وشدة وطأتها على الشعوب السودانية قاطبة، لكنها قادت إلى سبر أغوار الأزمة السياسية التاريخية في السودان والتعاطي مع جذورها بشكل أكثر عمقا، فالبرغم من نجاح ثورة ديسمبر المجيدة إلا أن ميكانيزمات الدولة القديمة المركزية القابضة والعميقة عطلت عملية الانتقال. وواجه المشروع الوطني الخاص بتأسيس وبناء الدولة السودانية صعوبات وتعقيدات وتحديات، على رأسها ما يعرف بالجيش السوداني الموروث عن الاستعمار قبل ميلاد ما يعرف بالدولة السودانية بثلاثة عقود من الزمان، والذي ظل عرضة للاختراق والاختطاف والارتهان للدولة المصرية، وبالتالي كان مخلب قط للتدخل المصري السافر في الشأن الداخلي للسودان تتحكم في مصائره كيفما شاءت عبر الانقلابات العسكرية حتى لا ينعم السودان بالاستقلال الكامل.
سبعة عقود من الزمان وفكرة بناء وتأسيس الدولة بالمعنى الحديث لم تكتمل، والمؤسف أن الذي حدث في السودان من حداثة بالطبع لم يرتبط البتة بالتطور الروحي والفكري والمفاهيمي للمجتمعات بل أحدث استلاب بسبب تزييف التاريخ وضعف واهتراء المناهج التي أنتجت ما يعرف بالدولة الوطنية بعد الاستقلال. هي دولة مأزومة بالدرجة القصوى مما نتج عنها الشخصية السودانية بتناقضاتها المختلفة وممارستها المنكفئة على الأطر الضيقة القبلية والإثنية والطائفية، الأمر الذي قاد إلى غياب ما يعرف بالاندماج الوطني القومي، مما يستدعي بالضرورة العمل على إنتاج وعي قادر على بعث مفهوم المواطنة والدولة القومية لا سيما وأن فكرة بناء الدولة مرتبطة بالرؤى الأخلاقية والقانونية حتى لا تنتشر الفوضى وتعم الانتهاكات لحقوق الإنسان الأساسية، الشيء الذي يخلق نتائج خطيرة على رأسها خطاب الكراهية والعنصرية والانقسام الاجتماعي وهي كلها مهددات للوحدة الوطنية.
المؤسف أن معظم المؤسسات التي أنتجتها دولة ما بعد الاستقلال (الأحزاب والتنظيمات السياسية والخدمة المدنية والقوات النظامية والجامعات ..إلخ)، ليست ذات تأثير على المجتمع. وبالتالي فشلت في إحداث أي تغيير في الواقع السوداني بل صارت تتمتع بامتيازات دون أن تقدم ما يفيد الدولة، وبالتالي صارت هي نفسها أزمة صاحبت تعثر تأسيس الدولة. والمضحك أنه، بالرغم الفشل الذريع لهذه المجموعات المرتبطة بالدولة، ظل يطلق عليها لقب (نخب) وهي في حقيقتها أدمنت الفساد وجرت البلاد إلى دوامة من العنف وظلت على الدوام تحني ظهرها للدولة المصرية وكانت عالة على مقدرات وموارد وثروات الوطن.. على حساب بناء وتمكين المجتمع توظيف الموارد والاستغلال الأمثل لها علاوة على المنازعات التي صاحبت التجربة الدستورية والتي أضاعت حقوق الوطن والمواطن.
من براثن هذا الواقع البائس لسودان ما بعد الاستقلال، تخلق ونشأ تحالف السودان التأسيسي كأول تكتل وطني يضع أسس لبناء دولة سودانية، تقوم على أسس جديدة وعادلة ومستدامة ويحمل في طياته التنوع والاختلاف الذي يمثل أطياف عريضة من الشعوب السودانية بخلفياتهم الفكرية والسياسية وانتماءاتهم الجغرافية والاجتماعية والفئوية، علاوة على القوى الناهضة والحديثة، يمثلوا أصحاب المصلحة الحقيقيين، حيث اتفقوا على وثيقة تأسيسية ودستور انتقالي خاطب جذور الأزمة السياسية في السودان وقدم أطروحات واقعية تلامس قضايا وهموم الشعب السوداني. وبالطبع هذا التحالف يمثل الكتلة الحرجة لأنها قائمة على حوامل اجتماعية وسياسية ومرتكزات فكرية قادرة على إحداث تغيير جوهري في بنية الدولة السودانية وتأسيس منصة صلبة للانعتاق من تشوهات الماضي وارتياد آفاق مستقبل تسوده قيم الأنسنة المتمثلة في الحرية والسلام والعدالة والكرامة والعيش الكريم. وسيكون الثاني والعشرين من ٢٠٢٥م تاريخ ميلاد وتأسيس دولة سودانية ديمقراطية فدرالية علمانية قائمة على المواطنة كأساس للحقوق والواجبات الدستورية، وحق للسودانيين الأحرار أن يحتفوا بيوم التأسيس الذي غادروا فيه الصورة الزائفة والقمع التاريخي وإنهاء عقود من الظلم الممنهج.





