في قرار مفاجئ حمل الكثير من الإشارات السياسية والأمنية، أعلن جيش الحركة الإسلامية من بورتسودان قطع العلاقات الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، متهمةً إياها بـ”العدوان”. إلا أن قراءة متأنية للمشهد تُظهر أن هذا القرار لا يُعبر عن موقف سيادي حقيقي، بقدر ما يكشف عمق اختراق التيارات الإخوانية داخل المنظومة الحاكمة، واستغلالها لمؤسسات الدولة لخدمة أجنداتها الأيديولوجية.
الإمارات التي وقفت مع السودان في أزماته، واحتضنت على أراضيها ما يقارب مليونَي سوداني، معظمهم من الفارين من نيران الحرب التي أشعلها الإسلاميون داخل البلاد، وجدت نفسها فجأة في مرمى تصعيد سياسي لا يُبرره منطق ولا تُدعمه مصالح الدولة السودانية.
هذا القرار، الذي تم اتخاذه دون أي اعتبار للجالية السودانية المقيمة في الإمارات، يُعد إضراراً مباشراً بمصالح المواطنين، وخصوصاً أولئك الذين يحتاجون لخدمات السفارة والتمثيل القنصلي لتسيير شؤونهم اليومية. ويبدو أن قيادة الجيش في بورتسودان اختارت مجدداً تقديم مصلحة التنظيم الإسلامي الدولي على حساب مصالح شعبها، لتؤكد مرة أخرى أنها لا تحكم بوصفها دولة، بل كأداة لتنفيذ أجندات خارجية.
من جهة أخرى، فإن المؤشرات تشير إلى أن القرار تم بتشجيع وتحريض من أطراف إقليمية تتبنى مواقف معادية للإمارات، وعلى رأسها الجزائر وإيران، في إطار اصطفاف سياسي يُعيد السودان إلى حاضنة قوى توصف بالمتشددة والمعادية للمشروع الوسطي.
إن ما يجري اليوم هو انتكاسة جديدة في مسار السودان السياسي، وتراجع عن كل الجهود التي بُذلت لإعادته إلى حضنه العربي الطبيعي. فبدلاً من بناء علاقات استراتيجية مع دول ساهمت تاريخياً في دعم الشعب السوداني، ها هو النظام الحاكم اليوم يختار طريق العزلة، والانحياز لتحالفات تتناقض مع مبادئ الاستقرار والتعاون.
قد يكون هذا القرار بداية لسلسلة من الإجراءات التصعيدية التي تهدد بتوسيع دائرة التوتر في المنطقة، وتفتح الباب لتوظيف السودان كمنصة جديدة لمشاريع أيديولوجية متطرفة تتعارض مع مصالح العديد من دول الإقليم العليا. والأسوأ، أنه يأتي في وقتٍ حرج يعاني فيه السودان من حرب داخلية وانهيار اقتصادي، ما يجعل أي مغامرة دبلوماسية بمثابة لعب بالنار.
إن واجب القوى السياسية والمجتمعية السودانية اليوم هو رفض هذا النهج، والدفاع عن استقلالية القرار السوداني، وعدم السماح بتحويل البلاد إلى أداة بيد تحالفات الشر التى تستثمر في الفوضى والانقسام.




