بداية، أشير إلى أن طبيعة السلطة ونظام وأساليب الحكم في دولة (56)، وتتبع التطور التاريخي للقوى الاجتماعية السودانية في علاقتها بمؤسسات الدولة الحديثة التي فرضتها القوى الاستعمارية في السودان، يكشف أن حالة عدم الاستقرار السياسي التي انتظمت البلاد عقب الاستقلال وتمظهرت في عدد لا يحصى من الحروب والثورات والتمردات؛ إنما هي نتيجة مباشرة للغياب التاريخي للعدالة في توزيع الثروة والسلطة في السودان. لعله يمكننا أن نقرر هنا، أن هذا الغياب التاريخي للحكم التشاركي، كان نتيجة لمشكلة الشرعية التي ظلت تواجهها مؤسسات الدولة السودانية الحديثة الموروثة من المستعمر، والتي يمكن استنادا إليها توصيف كل التمردات والثورات المسلحة التي انتظمت هوامش السودان عقب الاستقلال، باعتبارها محاولات من قبل بعض القوى الاجتماعية لاختبار الشرعية الاجتماعية لمؤسسات الدولة الاحتكارية في المركز. لعل أهم ما يؤكد على صحة هذا الادعاء، هو أن السودان قد خبر أزمنة متطاولة من الصراعات المسلحة والمعاناة السياسية والحروب، التي تمخضت عن توقيع أكثر من 46 اتفاقية للسلام وفقا لبعض المصادر؛ كانت جميعها تعاني من نقطة ضعف مشتركة، وهي التركيز على إنهاء الصراع دون معالجة جذوره.
أشير أيضا إلى أن حرب 15 أبريل تأتي في سياق كل هذا الكم الكبير من الحروب، لتكون اللحظة التي تكشفت فيها مشكلة الشرعية الاجتماعية التي تعانيها دولة (56)، والتي يمكن تلخيصها في هيمنة القوى الاجتماعية النهرية على بيروقراطية الدولة؛ حيث نلاحظ أن استمرار السياسات الاستعمارية عقب الاستقلال، كان قد قطع الطريق على تحول المؤسسات الاستعمارية التي ورثتها القوى النهرية حصرا، إلى مؤسسات ونظم حكم وطنية تعمل على خدمة المصلحة العامة للشعب السوداني.
نقرر أيضا في سياق تحليل طبيعة السلطة في دولة (56) أن هيمنة القوى النهرية على بيروقراطية الدولة حصرا دون بقية القوى الاجتماعية السودانية، هو ما ظل يفرغ مؤسسات الدولة الحديثة في السودان من مضمونها الوطني، ذلك الذي يقوم على التمييز بين المصلحة الخاصة والعامة داخل الفضاء العام، كما أن هيمنة القوى الاجتماعية النهرية على بيروقراطية الدولة تاريخيا، هي السبب الرئيس الذي يفسر تمكنها من إدارة جهاز الدولة لخدمة مصالحها الضيقة بدلا عن خدمة الخير العام للشعب السوداني. ولعل كون دولة (56) جهاز سلطة يعمل بطبيعته على خدمة مصالح أقليات اجتماعية، هي القوى الاجتماعية النهرية، يمكن أن يدلل عليه عبر اقتباس الفكر السياسي الحديث والقول، إن الشرعية الاجتماعية لمؤسسات الدولة لا يمكن أن تكتسب عبر احتكار الدولة للعنف الشرعي فقط، وإنما عن طريق تمديد جهاز الدولة الخدمي إلى المناطق الهامشية وتوسيع دائرة المشاركة السياسية والاقتصادية وذلك من أجل تطوير الحس القومي ورابطة المواطنة داخل الاجتماع-السياسي. وعلى هذا فإن دولة (56) هي نظام سياسي يضمن بنيويا تواصل احتكار الثروة والسلطة من قبل هذه القوى الاجتماعية النهرية في الشمال.
استنادا إلى التحليل أعلاه، أؤكد أن هيمنة القوى الاجتماعية النهرية الاحتكارية على بيروقراطية الدولة عقب الاستقلال، أنتج لنا النظام السياسي الذي استمر منذ لحظة الاستقلال وحتى 15 أبريل 2023م، والذي نسميه هنا بدولة (56). وأشير هنا أيضا، إلى أن الصراع الاجتماعي على الثروة والسلطة داخل النظام السياسي لدولة (56) ظل يتم في مستويين رئيسيين. الأول، هو المستوى الداخلي للصراع على السلطة داخل النظام السياسي، حيث تتصارع التشكيلات السياسية الحديثة التي نشأت في المركز -وسط وشمال السودان- وتتكون حصرا من القوى الاجتماعية النهرية، وتتنافس الهيمنة على بيروقراطية الدولة وجهاز السلطة. أما المستوى الثاني: فهو المستوى الخارجي للصراع داخل النظام السياسي لدولة (56)، حيث تتصارع هذه التشكيلات السياسية الحديثة التي تحتكر السلطة والثروة في المركز، والقوى الاجتماعية الأخرى في الهامش “دارفور وكردفان والشرق” وتشكيلاتها السياسية والعسكرية التي نشأت حول المظالم التاريخية الموروثة منذ العهد الاستعماري.
حتى نفهم طبيعة النظام السياسي لدولة (56) الذي إنهار عقب حرب 15 أبريل 2023م، أؤكد هنا على أن استمرار السياسات ونظم وأساليب الحكم الاستعماري عقب الاستقلال، هي الدليل الأهم على الممارسة السياسية للنخبة السياسية لدولة (56) التي لم تكن تسند إلى قيم ديمقراطية أو وطنية راسخة تاريخيا. ليس هذا فحسب، بل إن استمرار الطبيعة الاحتكارية لجهاز السلطة الاستعماري، جعل نظام الحكم في دولة (56) في تناقض جذري مع الديمقراطية كنظام حكم؛ ذلك أن نظام الحكم الديمقراطي يقوم على مقولات حديثة مثل المواطنة والمشاركة السياسية، المساواة أمام القانون، لم تكن هي ذاتها التي تحكم الممارسة السياسية تاريخيا في السودان. ونؤكد أيضا، أن بنية النظام السياسي لدولة 56 كانت وما زالت تفرض ممارسة سياسية إقصائية، هي النقيض لتوسيع قاعدة المشاركة في السلطة والثروة، وهو ما يعزز فرضية أن الديمقراطية كنظام سياسي في تناقض جذري مع الامتيازات التاريخية الموروثة للقوى الاجتماعية النهرية؛ والديمقراطية ولهذا السبب أيضا لا بد تكون ضد الطبيعة الاحتكارية لجهاز السلطة ذي الطبيعة الاحتكارية لدولة (56) وضد مصالح نخبتها السياسية المهيمنة، التي لم تحتكر السلطة فقط، بل واحتكرت حتى التنافس عليها في السودان، وكانت بذلك تجعل الصراع الاجتماعي على السلطة في السودان ذي مستويين، داخلي وخارجي.
جدير بالذكر هنا أيضا، أن كون الصراع الاجتماعي ذو مستويين داخلي وخارجي، يشير إلى أن هنالك نوعين من المعارضة للسلطة، النوع الأول “المعارضة الداخلية” التي تتكون من التشكيلات السياسية والاجتماعية التي هي من نفس القوى الاجتماعية النهرية المهيمنة على بيروقراطية الدولة وخاصة جيشها، والنوع الثاني: “المعارضة الخارجية” التي تتكون من التشكيلات السياسية والعسكرية للقوى الاجتماعية في الهامش. نؤكد هنا، أن وجود هذين المستويين من الصراع يشير أيضا، إلى وجود نوعين من التناقض داخل الاجتماع-السياسي السوداني: التناقض الثانوي الذي يتركز بشكل أساسي بين المعارضة الداخلية والتشكيلات السياسية الحاكمة تاريخا لدولة (56)، نظرا للتطابق من حيث الخلفية الاجتماعية ومن حيث المصالح الاجتماعية بين كل من التشكيلات المعارضة في المركز والتشكيلات الحاكمة تاريخيا لدولة (56). أما النوع الثاني من التناقض داخل الاجتماع السياسي السوداني فهو الذي نعرفه على أنه التناقض الرئيسي، والذي يوجد بين التشكيلات السياسية\العسكرية للقوى الاجتماعية في الهامش والتشكيلات السياسية\العسكرية الحاكمة تاريخيا -القوى الاجتماعية النهرية- لدولة (56)، وهو تناقض رئيسي نظرا لأن الاختلاف من حيث القوى الاجتماعية يجذر اختلافا في المصالح الاجتماعية، حيث أن مصلحة القوى الاجتماعية في الهامش تتركز بشكل أساسي في إنهاء الحكم الاحتكاري للقوى الاجتماعية النهرية وبالتبع مؤسسات الدولة الاستعمارية التي تمت إعادة إنتاجها في دولة (56)، هذا في حين توجد مصلحة القوى الاجتماعية النهرية في تواصل حكمها الاحتكاري وهيمنتها على جهاز الدولة.
أحاجج هنا على أن النظام السياسي لدولة (56) ونتيجة للمتغيرات الكبرى التي تطرحها حرب 15 أبريل، قد أصبح مستحيل الوجود، وهو ما يبرر توصيف اللحظة ما بعد اندلاع الحرب على أنها لحظة انهيار النظام السياسي لدولة (56). بداهة، اليوم وبالتزامن مع احتدام الصراع بين الجيش وحلفاءه من أنصار الدولة القديمة من جهة، والدعم السريع وحلفاءه من جهة أخرى في كردفان، فإن أن الدولة القديمة قد انهارت في معظم غرب السودان، كما أن تحالف “تأسيس” الذي يلوح بتشكيل حكومة تملأ الفراغ الإداري والخدمي الذي تركه انهيار الدولة القديمة يجد في الواقع الضرورات التي تبرر فعله السياسي، وهو ما يشير إلى أننا نعيش لحظة انتقالية حاليا. استنادا إلى هذا أؤكد أن نتائج المعارك الحالية بكردفان ستكون حاسمة في تاريخ السودان الحديث، ذلك أن انتصار الدعم السريع فيها يعني تأمين الشرط الأمني المفقود لتأسيس حكومة/دولة جديدة في مناطق سيطرة التحالف التي تضم معظم مساحة السودان، وهو ما يطرح أيضا فرضية إمكان تشكل نظام سياسي جديد، يقوم على قيم وممارسة سياسية تقطع مع النظام الاحتكاري لدولة (56). أما في حالة انتصار الجيش، فإن ذلك يعني أن إعادة نفخ الروح في النظام السياسي القديم لدولة (56) وإمكان هيمنة القوى الاجتماعية النهرية مجددا على جهاز الدولة. لكن، في كلتا الحالتين يظل النظام السياسي القديم لدولة (56) مستحيلا، نظرا لأن المتغيرات الكبرى التي أحدثتها حرب 15 أبريل تؤكد أن الشرعية الاجتماعية التاريخية لدولة (56) قد انهارت تماما، نظرا لأن هذه الحرب هي حرب بين قوى اجتماعية، وليست مجرد صراع عسكري بين جنرالين أو مؤسستين على السلطة.
نلاحظ أيضا أنه كلما تطاول أمد حرب 15 أبريل، كلما زاد الانقسام الاجتماعي داخل الاجتماع السياسي السوداني حدة، بحيث يصبح كل من الجيش وقوات الدعم السريع تدريجيا مؤسستين تستقطبان المجتمعات السودانية للاصطفاف خلفها؛ وهو ما يجعل بدوره كلتا المؤسستين تحظيان بشرعية اجتماعية في نظر المجتمعات التي تدعمانهما، وبالتالي تحولهما أيضا إلى جبهتين كبيرتين، الأولى تضم الجيش وأنصار دولة (56) من جهة، والثانية تضم قوات الدعم السريع وأنصار السودان الجديد من جهة. لعل ما يدلل على صحة هذا الادعاء أن تحالف السودان التأسيسي الذي يضم الدعم السريع وعدد من الجماعات المسلحة ثقيلة الوزن والتي ظلت تحارب الدولة تحت مسمى مشروع السودان الجديد بات قريبا من إنشاء دولة عقب بلورته عقد اجتماعي جديد: وهو ما يطرح فرضية امتلاك هذا التحالف لمشروع قابل للتمدد واستقطاب قوى اجتماعية أخرى. لكن وفيما يتعلق بتحالف الجيش وأنصار دولة (56) نلاحظ أنه تحالف يضم عددا من القوى الاجتماعية التي توجد تناقضات رئيسية فيما بينها، حيث أن هنالك عددا من القوى السياسية والعسكرية التي تحوز استقلالا معتبرا عن الجيش والتي لها مصالح اجتماعية متناقضة مع مصالح القوى الاجتماعية النهرية التي تهيمن على الجيش، وأعني هنا الحركات المسلحة التي من القوى الاجتماعية المهمشة؛ الأمر الذي يشير إلى صراعات ممكنة مستقبلا. إضافة إلى ذلك، تكمن استحالة النظام السياسي لدولة (56) في أن التحالف الحالي الذي يماسك الدولة، إنما هو تحالف مختلف تماما عن التحالف المؤسس تاريخيا لجهاز سلطة دولة (56)، حيث أن التحالف الأخير كان يقوم على تبادل مواقع الهيمنة على السلطة بين المعارضة الداخلية للنظام السياسي للقوى الاجتماعية النهرية، والتي تتكون من التشكيلات السياسية الحديثة التي نشأت في المركز، أما في الأول فإن قوى اجتماعية أخرى من الهامش باتت تشارك القوى الاجتماعية النهرية الهيمنة على السلطة، وهو ما يفرض تغيرا جذريا في طبيعة النظام السياسي لدولة (56). بعبارة أخرى، نؤكد أن الدعم السريع قد أجبر القوى الاجتماعية النهرية على التحالف مع قوى اجتماعية في تناقض رئيسي مع حكمها الاحتكاري وهو ما يهدد بانهيار هذا التحالف في أي وقت، كما أنه قد أجبر الكثير من القوى الاجتماعية غير المستفيدة تاريخيا من الدولة، على التحالف معه من أجل هدم النظام السياسي القديم وتأسيس نظام سياسي جديد لسودان جديد. وباختصار هنا، إن 15 أبريل هي لحظة وصول الأفق السياسي السوداني إلى مفترق طرق، فإما تأسيس نظام سياسي يؤسس لسودان جديد موحد، وإما تأسيس نظامين سياسيين في نفس الدولة، الأول في حدود الدولة السنارية القديمة، والثاني في غرب السودان. أما عودة النظام السياسي لدولة (56) فذلك مستحيل.




