تحقيق استقصائي
عمار سعيد
المقدمة
في 1 يناير 1954، رُفع رسمياً علم القوات المسلحة السودانية، إيذانًا بانتقال “قوة دفاع السودان” من سلطة الاستعمار البريطاني–المصري إلى ما سُمّي جيش السودان الوطني. لكن خلف هذا التاريخ الرسمي تختبئ قصة أكثر قتامة: قصة جيش وُلد في حضن المستعمر، وتربى على طاعة الأوامر الخارجية، وتخصص في قمع أبناء شعبه، بينما التزم الصمت أمام كل اعتداء خارجي على حدود الوطن.
الجذور الاستعمارية
تأسست قوة دفاع السودان بقرار بريطاني في 1925 بعد حادثة تمرد الجيش السوداني في الخرطوم (ثورة 1924) التي قادها ضباط سودانيون ضد الاحتلال البريطاني والمصري.
المستعمر الإنجليزي أعاد تشكيل القوات السودانية على أسس تضمن ولاءها التام له، وحرص على أن يقودها ضباط بريطانيون، بينما يتم تجنيد السودانيين من مناطق معينة، في سياسة فرّق تسد.
• المرجع: (O’Ballance, Edgar. “Sudan: Civil War and Terrorism, 1955–99”. Macmillan, 2000)
حرب المهدية… دماء سودانية بأوامر بريطانية
أحد أكثر الفصول سوادًا هو مشاركة الجنود السودانيين المجندين تحت قيادة البريطانيين في الحملة المهدية (1881–1898)، حيث حاربوا إخوانهم من الأنصار لصالح الاحتلال.
المؤرخ البريطاني Winston Churchill في كتابه The River War (1899) وصف كيف كان السودانيون في صفوف قوات الاحتلال البريطاني–المصري يطلقون النار على بني جلدتهم، وهو ما أسس لعقيدة عسكرية منحازة ضد الشعب لا معه.
رصاص في الداخل… صمت على الحدود
منذ الاستقلال في 1956، لم يخض الجيش السوداني حربًا واحدة لاسترداد أرض محتلة:
• حلايب وشلاتين: احتلتها مصر منذ 1995، والجيش لم يطلق رصاصة.
• الفشقة الكبرى والصغرى: استولت عليها إثيوبيا لعقود، واستعادتها قوات محلية لفترة قصيرة دون معركة كبيرة يقودها الجيش.
لكن في الداخل، كانت البنادق نشطة:
• 1955–2005: الحرب الأهلية في الجنوب، أكثر من مليوني قتيل (إحصاءات الأمم المتحدة).
• 2003–الآن: نزاع دارفور، عشرات الآلاف من القتلى وملايين المهجرين (تقارير المحكمة الجنائية الدولية).
• جبال النوبة والنيل الأزرق: سياسة الأرض المحروقة والقصف الجوي للقرى (Human Rights Watch, 2013).
عداء مزمن للديمقراطية
على مدى سبعين عامًا، ظل الجيش السوداني خصمًا شرسًا لأي تجربة ديمقراطية:
1. انقلاب 17 نوفمبر 1958: الفريق إبراهيم عبود يطيح بحكومة منتخبة.
2. انقلاب 25 مايو 1969: جعفر نميري يقطع الطريق على الديمقراطية الثانية.
3. انقلاب 30 يونيو 1989: عمر البشير، بدعم الجبهة الإسلامية، يدخل البلاد في ثلاثة عقود من الاستبداد.
4. انقلاب 25 أكتوبر 2021: عبد الفتاح البرهان يطيح بالشراكة المدنية–العسكرية.
أداة في يد النخب الخارجية
منذ نشأته، كان الجيش بوابة نفوذ القوى الأجنبية:
• تحالفات عسكرية سرية مع مصر لضمان السيطرة السياسية.
• تعاون مع قوى إقليمية مقابل دعم مالي وعسكري.
• حماية أنظمة الحكم الفاسدة على حساب حقوق الشعب.
نهاية مرحلة… وبداية جديدة
رغم هذا التاريخ المظلم، فإن اللحظة الراهنة قد تفتح بابًا للتغيير. القوى الوطنية تسعى اليوم لإعادة بناء جيش قومي مهني:
• بعيد عن الولاءات الحزبية والسياسية.
• يحمي الشعب قبل السلطة.
• يدافع عن الحدود بدل قمع المدن.
• يخضع للرقابة المدنية المنتخبة.
الجيش الذي تأسس في حضن المستعمر وخدم النخب الفاسدة سبعين عامًا، يقترب من نهاية دورته التاريخية. السودان اليوم أمام فرصة لصياغة مؤسسة عسكرية جديدة تعكس روح الثورة الشعبية وتحمي سيادة البلاد.
إن بناء جيش وطني حقيقي ليس ترفًا سياسيًا، بل ضرورة وجودية لبقاء الدولة نفسها.





