لم تترك مصر فرصةً إلا واستثمرتها لتوسيع قبضتها على السودان، مستغلةً حالة الهشاشة السياسية والانقسام الداخلي الذي يعصف بالبلاد. الجديد في الأمر أنّ وزارة المعادن السودانية وقّعت اتفاقًا مع ما يُسمّى “الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمارات المتعددة”، وهي واجهة معروفة للمخابرات المصرية ومنظومة الصناعات الدفاعية، وذراع تنفيذي لإخراج الذهب السوداني عبر بوابة “الاستثمارات المشتركة”.
ما يجري ليس “استثمارًا” وإنما تقنينٌ للنهب الممنهج. فهذه الشركة كانت تمارس تهريب الذهب لسنوات، والآن أُعطيت شرعية رسمية بمباركة وزارة فقدت صلتها بالشعب والشرعية.
أطماع مصر التاريخية
منذ عقود، لم تُخفِ مصر أطماعها في السودان، فهي تسعى لبسط نفوذها على الأرض والموارد والمياه. احتلال حلايب وشلاتين كان مجرد بداية، واليوم يُستكمل المشهد بالسيطرة على الذهب، وغدًا سيكون على النيل نفسه. كما أشار الدكتور النور حمد مرارًا، فإن مصر تنظر إلى السودان باعتباره “حديقتها الخلفية”، لا كشريك سيادي مستقل.
المناخ المثالي للنهب
الحرب الراهنة مثّلت للمصريين أفضل بيئة لتمرير مخططاتهم. فوسط الفوضى وانعدام الدولة، سهل عليهم أن يجدوا من يوقع باسم السودان على اتفاقيات تُشرعن سرقة الموارد. هذه ليست شراكات، وإنما عمليات امتصاص منظم لما تبقى من مقدرات الشعب السوداني، لصالح دولة جعلت من التبعية والإلحاق إستراتيجيتها الثابتة تجاه الخرطوم.
المصريون.. من الاكتشافات الجيولوجية إلى النهب العسكري
لم يكتف المصريون بما جنوه من الاكتشافات الجيولوجية الأخيرة في حلايب وشلاتين، عوضًا عمّا ظلوا يستخرجونه لسنوات طويلة من الذهب والمعادن هناك، بل امتد توغلهم إلى داخل مناطق التعدين الأهلي في شمال السودان. تم طرد المعدنين السودانيين والاعتداء عليهم داخل أرضهم، تحت غطاء عسكري يقدمه الجيش المصري، فيما هو في الحقيقة مجرد عملية نهب منظّم تقوم به المؤسسة العسكرية المصرية وسط صمتٍ مخجل وتواطؤ واضح من السلطات المحلية.
الحركة الإسلامية.. أداة مصرية
المفارقة أنّ الإسلاميين الذين رفعوا شعارات “المشروع الحضاري” لم يكونوا سوى مخلب قط مصري، استُخدم لإنجاز الدور المطلوب: تفكيك الدولة السودانية، إنهاكها بالحروب، وتسهيل تمدد مصر في العمق السوداني. واليوم، بفضل الخراب الذي خلّفوه، تمكّنت مصر من التحرك بارتياح نحو الذهب والمياه والسيادة الوطنية.
المخطط يسير كما رُسم
ليس في الأمر ارتجال، بل خطة طويلة المدى نُفّذت بإحكام:
• احتلال الأرض (حلايب وشلاتين).
• السيطرة على المياه (النيل والاتفاقيات).
• نهب الموارد (الذهب والمعادن).
• إضعاف الدولة (بدعم أنظمة عميلة فاقدة للشرعية).
وهكذا يسير المخطط المصري خطوة بخطوة، فيما تُدارك النخب السودانية الصامتة أن السودان يُفرَّغ من مضمونه كدولة ذات سيادة.
إن ما يجري ليس اتفاقًا اقتصاديًا بل إعلان رسمي عن مرحلة جديدة من التبعية. السكوت على هذا الاتفاق خيانة عظمى، واستمرار التعامل مع مصر بعقلية “الأشقاء” وهمٌ قاتل. لقد آن أوان القول بصوتٍ عالٍ: مصر ليست شريكًا، وإنما خصمٌ تاريخي يسعى لمحو السودان من خريطته السياسية والاقتصادية.
فهل يتنبه السودانيون قبل فوات الأوان؟





