بعد أن وضعت الحرب في غزة أوزارها، وطويت صفحة مليئة بالألم والجراح التي عاشها سكانها، تبرز المنطقة أمام مرحلة جديدة من إعادة الترتيب السياسي والاستراتيجي. فقد انكشفت في تلك الحرب حدود المغامرة غير المحسوبة التي أقدمت عليها حركة “حماس”، عندما جعلها الحماس الزائد تُلقي بشعبها في أتون معركة لم تضع في حساباتها مآلاتها البعيدة، ولا موازين القوى المحيطة بها. واليوم، يبدو أن المشهد نفسه يتكرر في السودان، ولكن بوجه آخر، حيث يجد “إخوان السودان” أنفسهم في موقف مشابه بعدما أطلقوا الرصاصة الأولى في حربٍ دمّرت البلاد، ومزّقت نسيجها الاجتماعي، وجعلت حلم السلطة عندهم أغلى من مصير الوطن نفسه.
لقد أعمى التشبث بالحكم أعينهم عن رؤية الواقع، وأغرى حلم “العودة إلى السلطة” عقولهم حتى غاب عنهم أن الزمن تغيّر، وأن الحاضنة الشعبية التي كانوا يستندون إليها قد تآكلت تحت وطأة الفقر والدمار والخذلان. فالسودان اليوم لم يعد ذاك المسرح الذي يتبارى فيه الإسلاميون في الخطابة والتنظير، بل صار ساحة اختبار حقيقية لمدى قدرتهم على البقاء في عالمٍ لفظ الجماعات المؤدلجة، وبدأ يضيق ذرعاً بالتنظيمات المسلحة والولاءات العابرة للحدود.
لقد أصبح الشعب السوداني اليوم رافضاً تماماً لأي وجود أو دورٍ سياسي للإخوان المسلمين في مستقبل البلاد، بعد أن تبيّن له أنهم هم من أشعلوا هذه الحرب الدامية في محاولة يائسة للعودة إلى الحكم بعد أن لفظهم الشعب وأسقط مشروعهم السياسي والتنظيمي إلى غير رجعة. هذا الرفض الشعبي ليس مجرد موقف عابر، بل هو تعبير عميق عن وعيٍ جمعي تشكّل من رحم المعاناة، ونتيجة طبيعية لما ذاقه المواطنون من ويلاتٍ بسبب مغامراتٍ أيديولوجية لم تجرّ على السودان سوى الخراب والفقر والانقسام.
تُشبّه الساحة السودانية اليوم بـ”عشّ الدبابير الأخير” للإخوان المسلمين في المنطقة، بعد أن انحسر نفوذهم في مصر وتونس والمغرب، وتفككت شبكاتهم في ليبيا وسوريا. ولم يبق لهم سوى السودان كآخر موطئ قدمٍ يحاولون عبره إعادة إنتاج أنفسهم سياسياً أو عسكرياً، ولو على حساب وحدة الوطن واستقراره. هذا الوجود المزدوج — السياسي والعسكري — هو ما يجعلهم في مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي والإقليمي الذي بات يرى في أي سلاح خارج سلطة الدولة تهديداً لمستقبل الاستقرار في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
لكن السؤال الجوهري اليوم: هل يمكن للإخوان في السودان أن يسلموا سلاحهم فعلاً؟
الإجابة ليست بسيطة، فهي تتأرجح بين ثلاثة سيناريوهات واقعية:
السيناريو الأول: التسليم المشروط للسلاح مقابل ضمانات سياسية.
قد يقبل الإخوان بتسليم سلاحهم إذا توفرت لهم ضمانات تتيح لهم البقاء كفاعل سياسي ضمن مرحلة انتقالية عادلة. لكن التجارب السابقة في السودان تجعل الثقة معدومة، مما يصعّب الوصول إلى مثل هذه التسوية دون إشراف دولي قوي ومراقبة حقيقية.
السيناريو الثاني: الرفض والمقاومة.
وفي هذا السيناريو، قد يرفض الإخوان أي تنازل، معتبرين أن نزع السلاح يعني نهايتهم السياسية والتنظيمية. وقد يلجأون إلى العمل السري أو الاندماج في كيانات مدنية واجتماعية بواجهة جديدة، مما يفتح الباب مجدداً أمام دوامة عنف لا تنتهي.
السيناريو الثالث: النزع القسري للسلاح عبر ضغوط إقليمية ودولية.
وهو السيناريو الأكثر احتمالاً في ظل موازين القوى الحالية، حيث سيُجبر الإخوان على الخروج من المشهد العسكري تحت ضغط العقوبات، وربما التصنيف الدولي كجماعة إرهابية، مع إغلاق منافذ التمويل والدعم الخارجي.
ومهما كان شكل التسوية المقبلة في السودان، فلن تكون هناك أي مباحثات أو عملية سلام ذات معنى ما لم تُؤمن على جملة من المطالب الوطنية الجوهرية التي باتت تمثل خطوطاً حمراء لدى الشعب السوداني وقواه الحية، وهي:
1. تسليم جميع المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية من رموز النظام السابق، وفي مقدمتهم من تورطوا في جرائم الحرب والإبادة الجماعية في دارفور ومناطق أخرى.
2. تقديم كل المتورطين في إشعال هذه الحرب من رموز النظام البائد ومحاسبتهم قضائياً، وملاحقتهم قانونياً في الدول التي يقيمون فيها حالياً عبر التعاون القضائي الدولي.
3. وصول لجان دولية مستقلة للتحقيق في جرائم استخدام الأسلحة الكيميائية من قبل الجيش ومليشيات الحركة الإسلامية، وتقديم كل من يثبت تورطه إلى العدالة الدولية.
4. فتح تحقيق شامل وشفاف في جميع الانتهاكات التي حدثت خلال الحرب، بما في ذلك جرائم القتل والتعذيب والاغتصاب والتهجير، وتقديم أي شخص أو مجموعة ثبت تورطها في ارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية للمساءلة القانونية.
إن هذه المطالب ليست شروطاً تفاوضية بقدر ما هي أسسٌ ضرورية لبناء سلامٍ حقيقي وعادل، يضع نهاية لدورة الإفلات من العقاب التي ظلت سمةً مرافقة للحياة السياسية السودانية لعقود طويلة. فبدون العدالة، لا يمكن الحديث عن مصالحة، وبدون المحاسبة، لا يمكن بناء دولة قانون ومؤسسات.
لقد تغيرت قواعد اللعبة الإقليمية بعد انتهاء الحرب في غزة؛ فالدول التي كانت تراهن على الإسلاميين كأدوات نفوذ، بدأت اليوم تبحث عن استقرار يضمن مصالحها، لا عن أيديولوجيات تُشعل الفوضى. وفي المقابل، فإن أي حل في السودان يجب أن يستند إلى منطق الدولة لا منطق التنظيم، وإلى المصالحة لا الانتقام، وإلى بناء المستقبل لا إعادة تدوير الماضي.
الإخوان في السودان أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يتعاملوا بعقلانية مع الواقع الجديد، ويسلموا سلاحهم طوعاً مقابل فرصة للمشاركة المدنية المشروطة بإقرار العدالة والمساءلة، وإما أن يظلوا أسرى أوهام الماضي حتى يبتلعهم التغيير القادم لا محالة. فالتاريخ لا يرحم من يصرّ على إعادة نفس الأخطاء، والشعوب التي دفعت ثمن الدم والخراب لن تقبل مجدداً أن تكون رهينة لمشاريع أيديولوجية فاشلة.
السودان اليوم يقف على عتبة مرحلة جديدة، قد تكون مؤلمة ولكنها ضرورية، لتطهير الجسد الوطني من سموم التنظيمات التي حولت الوطن إلى ساحة صراع. فهل يدرك الإخوان أن زمن السلاح قد انتهى؟ أم سيختارون أن يكونوا آخر من يُطفئ الضوء في عشّ الدبابير؟





