*إنَّ السمة المايزة* طوال سيرورة تاريخ الدولة السودانية هي اتسامها بـ “العطوب البنيوية” والإختلالات المؤسسة الممنهجة المرتكزة على المحسوبية المتحيزة؛ والتي لم تكن بأي حال من الأحوال مجرد هفوات إدارية بسيطة أو أخطاء عفوية عابرة، كلا بل هي ممارسات مقصودة وسياسات لئيمة هادفة لـ تركيز السُّلطة والثروة لدى دوائر جهوية وعرقية ضيقة، تعمدت إقصاء الغالبية وإبعادها عن القرار السياسي الوطني لجهة حرمان الشعوب السُّودانية من أبسط حقوق المواطنة؛ إذ ورثت الدولة المركزية هيكلاً إقصائيًا لم يفلح في استيعاب التنوع العرقي والثقافي والجغرافي المتنوع والمتعدد الثر والفريد الذي يميز البلاد.
*على الرغم* من كل المطبات الحرجة التي مرت بالبلاد جراء الجراحات القيح التي أثلقت كاهل شعبنا بالمأساة والمعاناة والإنتهاكات والفظائع التي ارتكبت فلقد استمرت النُخب المتعاقبة على الحكم في تكريس نموذج “المركز” المهيمن مقابل “الأطراف” المهمشة؛ فهذا التراكم الممنهج للإقصاء أدى بالضرورة إلى حالة من الانغلاق السياسي والسخط المتنامي بالشعور بالظلم والتمييز
*الأمر الذي* سد كافة قنوات التعبير السلمي لإفساح المجال للمشاركة العادلة والفاعلة ونتيجة لهذا الانسداد، وجد قطاع عريض من الشعب نفسه أمام خيارات صفرية، الأمر الذي أرغم طيفًا واسعًا من السودانيين لاتخاذ الخيار المسلح كأداة فاعلة وناجعة ومجربة لتغيير مركز السّلطة بقوة السلاح لجهة معالجة الإختلالات التاريخية وتغيير أنماط المعادلات المُختلة لصالح معادلات جديدة جذريًا تضمن مشاركة وتمثيل كافة المجاميع الإجتماعية في شأن الوطن كـ حق وليس منحة أو مِنة من أي جهة أو أي أحد.
*على أي حال* فإنَّ محاولات الاستشفاء من الواقع البائس المٌمتد لقرونٍ مٌتطاولةٍ قد ظلت إمعان مٌعاند في مواجهة أي حلٍ جراء التحايُّل والمٌرواغة التي درجت عليها نخبوية دويلة 1956م الضالعة بتمرسها الحصيف في إعاقتها لأي بادرة حل تنهي الصراع ؛ مع تعمدها السافر وتقويضها الوقح لأي أطروحة تقود لفتح مسارٍ جديدٍ يؤدي إلي كتابة مستقبلٍ وضاءٍ وغدٍ مشرقٍ جراء الأنانية التي ضيعت كافة فرص تداول الحكم على معايير الكفاءة والكثافة السكانية
*وعليه* فلم تكُن خيبات الفشل العليلة ودمارها الذي لحق بالبلاد ناجم عن توابع العوائق والتغولات فحسب ؛ ولا حتى هي ممارسات وليدة اللحظة أو أخطاء عابرة بمحض الصدفة ؛ وإنما هي سياسات ممنهجة لعقلية متعالية متغطرسة وفئة ظلت تستميت في المحافظة على حكمها للبلاد لضمان إستمرارية تدفق اميتازاتها التاريخية والاستئثأر بالموارد منفردة؛ مستخدمة في ذلك كافة وسائلها الملتوية ومناوراتها المخادعة وتكتيكاتها الماكرة وعرقلتها المعهودة لأي جهود مخلصة ووأدها لأي نوايا صادقة تحول دون تحقيق رغبات السودانيين والسودانيات في الحرية والكرامة وتجفيف تطلعاتهم في العيش الكريم بـ الرفاه ؛ فلم تبدئ هذه الطغمة أي ليونة في تموقفها ولم تقدم أي مرونة في تموضعها وبالتالي فلم تتنازل قيد أنملة لتقف مع الجميع على مسافة متساوية في حقوق المواطنة.
*لقد* ظلت ممانعة ورافضة مشاركتها القرار الوطني والسيادي فجعلت من السودان حديقة خلفية تابعة لها لوحدها دون أدنى مراعاة لحقوق للآخرين في شؤون بلادهم؛ وقد تسيدت هذه الطغمة المشهد حين غفلة من الزمان وتعاملت مع قضايا البلاد الضرورية عبر إستغفال سياسي حافل بالغرض والمرض فكانت تنتهج التكيك السياسي الأمني الخبيث في تدوير وترحيل الأزمات وفق “متلازمة الحرب والسلام” عبر وسائل ومناهج “تبعيض اتفاقيات السلام وتجزئة الحلول” كـ مسكنات مؤقتة من خلال المسارات المتباينة لـ خلق واقع مأزوم ومتناقض ومتباغض ومتناحر، على سبيل المثال للحصر ما يسمى بـ اتفاقيات أبوجا والدوحة لسلام دارفور واتفاقية سلام شرق السودان واتفاقية جوبا واتفاقية نيفاشا وغيرها من الحيل المخادعة التي درجت عليها لحلول البائسة والصدئة المقصود بهم جميعًا محافظة مركز الدولة السُّودانية على القرار منفردًا بغية تحكمهُ على مصير ومسار البلاد حتى قيام الساعة ولكن هيهات.
*لذا* فإنَّ أزمة ومأزق الحكم في السُّودان بنيوي وجوهره يتمحور حول النظام الإجتماعي والجهوي اللذانٍ يتسمان بخاصية عدم المساواة في حقوق المواطنة ؛ الأمر أكد على حقائق دامغة “رسخت” هذه المتلازمة التي مثلت مأزق السُّودان التاريخي والماثل؛
*إذ* كانت صيرورة تمرحل محطات البلاد كالآتي: فقد تم تجريب ما يقارب الأثنى عشر دستورًا واعلانًا دستوريًا، وما يفوق الثمانٍ أوامر عسكرية ؛ وأربع أنظمة عسكرية إنقلابية؛ وثلاث ثورات شعبية ناجحة؛ وأربع مراحل إنتقالية ؛ وثلاث إنتخابات تعددية؛ وأربعة حروبات أهلية مُتطاولة؛ وثلاثة أنظمة ديقراطية منتخبة؛ وتسعة إتفاقيات للسلام، فلا تزال البلاد لم تشهد وضعًا مستقرًا ولا تزال تائهة حتى الآن في محور الفوضى والعبث.
*إلا* أنهُ وبعد حرب الخامس عشر من أبريل التي سوف تكون آخر حروب السُّودان وإلي الأبد فقد انقضت تلك العهود المظلمة بلا رجعة ؛ وبعد الآن نحن لسنا بحاجة لإجتراح حلول التجزئة وترحيل الأزمات بـ تبعيض القضايا وتدوير النفايات مرة أخرى فلقد مضى ذلك الوقت الذي كانت تُمنح فيه الحقوق طوعًا وحان ميعاد أخذها كرهًا وبالقوة ؛ وعليه فإنَّ إرادة الجماهير ترفض مرارًا وتكرارًا الإنقياد لأي إعادة أو إنتاج لأي واقع أو وضع يعيد للأذهان أي مشهد قبل تاريخ الخامس عشر من أبريل.
*بـ الضرورة* يمر السُّودان اليوم بـ مفترق طرق ولحظةً تاريخيةً فاصلة، تتجاوز في عمقها مجرد التسويات السياسية العابرة، لتصل إلى جوهر الوجود الوطني؛ وهي الضرورة الملحة والحرجة لـ صياغة عقد اجتماعي جديد ينهي عقودً من التهميش والاستقطاب، ويؤسس لشرعية دستورية راسخة تنبثق من إرادة المجموع لا غلبة الفئة.
إن التأسيس لـ دولة المواطنة ليس خيارًا ترفيًا، بل هو استحقاق وجودي يقتضي الإقرار الصريح بأن السودان وطنٌ يسع الجميع على قاعدة الحقوق والواجبات المتساوية التي حددها دستور السودان التأسيسي فوق الولاءات الضيقة والاعتبارات القائمة على المحسوبية، لضمن الفرد حقه الأصيل في الدولة بوصفه “مواطناً” أولاً وأخيرًا، دون اعتبار لعرقٍ، أو معتقدٍ، أو جهةٍ.
إن التعدد العرقي والتنوع الثقافي في السودان يجب أن يتحول من ذريعة للنزاع إلى ركيزة للإثراء الوطني؛ فالدولة الحديثة التي ننشُدها هي التي تجعل من التنوع هويتها الجامعة، وتعتمد “الوحدة في التعدد” عقيدةً سياسية، حيث تُحترم الخصوصيات الثقافية في إطار الدولة الموحدة، وتُصان فيها الحقوق بقوة القانون لا بمنحة من السلطة.
*ختاماً*، إن الانتقال من “دولة النخب” إلى “دولة المؤسسات والمواطنة” تستوجب وجود إرادةً وطنيةً شجاعة تعيد تعريف السُّلطة بوصفها خادمةً للشعب، والسيادة بوصفها ملكاً للمواطنين بالتساوي، إنها دعوة لتأسيس غدٍ سوداني يقوم على العدالة الناجزة، والمساواة الدستورية، والاعتراف المتبادل، ليكون العقد الإجتماعي الجديد هو الحصن الذي يحمي حلم الأجيال القادمة في وطن آمن ومستقر.




