تقارير وتحقيقات

قرارات إبعاد نائب قائد «الجيش السوداني».. قراءة ما وراء الخبر

تقرير: الجماهير

أثارت القرارات الأخيرة التي أصدرها القائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، والقاضية بإلغاء تعيين نائب القائد العام ومساعديه، موجة واسعة من الجدل والتساؤلات حول خلفياتها وتوقيتها، خاصة في ظل تعقيدات المشهد العسكري والسياسي في البلاد.

القرار الذي شمل عملياً إبعاد الفريق شمس الدين كباشي من موقعه كنائب للقائد العام، مع الإبقاء عليه عضواً في هيئة القيادة، جاء بعد أيام قليلة من تداول أنباء غير مؤكدة عن تعيينه قائداً للجيش، وهي معلومات تم نفيها لاحقاً، ما يعكس حالة من الارتباك والتضارب داخل المؤسسة العسكرية بشأن ترتيبات القيادة.

تشير معطيات متقاطعة إلى أن القرار لا يمكن فصله عن محاولات إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الجيش، في ظل ضغوط متزايدة من تيارات ذات توجهات إسلامية تسعى إلى توسيع حضورها في مفاصل القرار العسكري. وبحسب ما أوردته مصادر إعلامية، فإن هذه التحركات تشمل الدفع بقيادات بعينها إلى مواقع متقدمة، من بينها ترشيح ياسر العطا لرئاسة هيئة الأركان، لما يتمتع به من علاقات مع هذه التيارات وقدرة على التنسيق معها ميدانياً.

وفي السياق ذاته، برز اسم أسامة عبد الله كأحد الأطراف المؤثرة في هذا الحراك، وسط حديث عن ضغوط لإبعاد كباشي من معادلة النفوذ، مقابل مساعٍ من البرهان للحفاظ على توازنات داخلية دقيقة دون الدخول في مواجهة مباشرة مع هذه القوى.

تكتسب هذه التطورات أبعاداً إضافية عند النظر إلى البعد الاجتماعي والعرقي داخل المؤسسة العسكرية. فالفريق كباشي ينتمي إلى عرقية النوبة، التي ظلت تاريخياً جزءاً من مكونات الهامش السوداني، في مقابل ما يُعرف بسيطرة النخبة النيلية من شمال السودان على مراكز القرار داخل الدولة، بما في ذلك المؤسسة العسكرية.

هذا البعد كان حاضراً بوضوح في ردود الفعل، حيث اعتبر تجمع شباب النوبة أن القرار “مجحف وغير مبرر”، ويعكس اتجاهاً لإعادة تشكيل السلطة بطريقة لا تراعي التوازن الوطني ولا تعكس حجم التضحيات التي قدمها أبناء النوبة في ساحات القتال.

بيان تجمع شباب النوبة حمل رسائل سياسية قوية، إذ ربط القرار بما وصفه بمحاولات “الهيمنة على مراكز القرار”، محذراً من أن إقصاء قيادات تمثل مكونات بعينها قد يؤدي إلى تعميق الإحساس بعدم العدالة وزيادة الاحتقان.

كما شدد البيان على رفض أي “أدوار شكلية” لا تعكس مشاركة حقيقية في صناعة القرار، في إشارة إلى إبقاء كباشي ضمن هيئة القيادة دون صلاحيات تنفيذية مؤثرة، وهو ما قد يُفهم كخطوة لاحتواء ردود الفعل دون تغيير جوهري في موازين القوة.

المعطيات المتوفرة تشير كذلك إلى وجود تباينات داخل القيادة العسكرية نفسها، خاصة فيما يتعلق بإدارة العلاقة مع الكتائب الإسلامية ودورها في الحرب الدائرة. فمحاولات الحد من ظهور هذه المجموعات إعلامياً لم تحقق نتائج واضحة، ما يعكس محدودية السيطرة المركزية على بعض الفاعلين داخل المشهد العسكري.

هذا الواقع يعزز فرضية أن القرارات الأخيرة تأتي في إطار صراع نفوذ داخلي، أكثر من كونها مجرد إعادة تنظيم إدارية، حيث تتداخل الاعتبارات العسكرية مع الحسابات السياسية والولاءات المتباينة.

يأتي هذا التطور في وقت لا يزال فيه الوضع الميداني هشاً، والتحديات الأمنية قائمة، ما يجعل أي تغييرات في هرم القيادة العسكرية ذات تأثير مباشر على تماسك المؤسسة العسكرية. وفي ظل استمرار

تراجع الجيش ميدانيا في عدة محاور وتقدم قوات الدعم السريع وفتح جبهات قتالية في الشرق

تكشف قرارات إبعاد نائب القائد العام ومساعديه عن تعقيد عميق في بنية السلطة داخل الجيش السوداني، حيث تتقاطع عوامل السياسة والعرق والتنظيمات الأيديولوجية في تشكيل مراكز القرار. وبينما يسعى البرهان إلى إدارة توازنات شديدة الحساسية، فإن ردود الفعل الرافضة، خاصة من مكونات مثل أبناء النوبة، تشير إلى أن هذه الخطوات قد تحمل في طياتها مخاطر توسيع فجوة الثقة داخل المؤسسة العسكرية، وهو ما قد ينعكس بدوره على مجمل المشهد السوداني في المرحلة المقبلة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى