الخرطوم – الجماهير
أغلقت أعداد من المحال التجارية في عدد من المدن الخاضعة لسيطرة الجيش، اليوم الأربعاء، أبوابها بصورة مفاجئة، وسط اضطراب واسع في الأسواق وقفزات حادة في أسعار السلع الأساسية، بالتزامن مع تراجع متسارع للجنيه السوداني أمام الدولار في السوق الموازية.
وعلّق عدد من تجار الجملة عمليات البيع، في انتظار اتضاح اتجاهات سعر الصرف والأسعار خلال الأيام المقبلة، بعدما قفز الدولار من نحو 7,500 إلى 9,500 جنيه خلال ساعات، بزيادة تقارب ألفي جنيه، ما أحدث حالة من الارتباك في عمليات التسعير والشراء.
التجار بين البيع بالخسارة وإغلاق المحال
وقال تجار لـ”الجماهير” إن التقلبات الحادة في سعر الصرف جعلت تحديد أسعار السلع عملية شديدة المخاطر، إذ إن البيع بالسعر القائم قد يعني عدم القدرة على شراء الكميات نفسها مجدداً، بينما يؤدي رفع الأسعار إلى تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين.
وقال أحد التجار إن «التجار لا يملكون حلاً أمام هذا الوضع»، داعياً إلى إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة الاقتصادية.
وفي مؤشر على حجم الارتباك، أكد تجار في ولاية كسلا لـ ” الجماهير” بأن بعض تجار السكر رفضوا بيع الجوال زنة 50 كيلوغراماً بسعر 450 ألف جنيه، رغم بلوغ السعر هذا المستوى، قبل أن يغلقوا محالهم انتظاراً لما ستؤول إليه حركة الأسعار.
موجة ارتفاع تضرب السلع الأساسية
وقفز سعر جوال السكر زنة 50 كيلوغراماً من 300 ألف إلى 450 ألف جنيه، فيما ارتفع جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً من 100 ألف إلى 140 ألف جنيه.
كما صعد سعر لتر الزيت من 16 ألفاً إلى 21 ألف جنيه، وسط مخاوف من انتقال موجة الارتفاع إلى سلع وخدمات أخرى إذا استمر تراجع قيمة الجنيه.
وحسب الاقتصاديين لا يقتصر أثر انهيار العملة على السلع المستوردة مباشرة، إذ إن ارتفاع تكلفة الاستيراد والنقل والوقود وتمويل رأس المال ينعكس تدريجياً على معظم حلقات سلسلة الإمداد، ما يجعل انخفاض قيمة الجنيه عاملاً ضاغطاً على الأسعار حتى بالنسبة لبعض السلع المنتجة محلياً.
«سقوط مدوٍ» للجنيه
ووصف الخبير الاقتصادي د. الحاج ابراهيم ما آلت إليه قيمة الجنيه السوداني بأنه «سقوط مدوٍ»، وقال لـ«الجماهير» إن المؤشرات الحالية تعكس أزمة أعمق من مجرد ارتفاع مؤقت في سعر الدولار.
وأضاف أن استمرار تراجع العملة المحلية يعني أن التجار سيعيدون تسعير مخزونهم بصورة متكررة تحسباً لارتفاع تكلفة الاستبدال، الأمر الذي يخلق حلقة متصاعدة بين انخفاض الجنيه وارتفاع تكلفة السلع وتراجع القوة الشرائية.
ويمضي ” اتساع الفجوة بين سعر الصرف وحركة الأسعار يهدد بتحويل السوق إلى حالة من التسعير اليومي، حيث يصبح التاجر أكثر ميلاً إلى الاحتفاظ بالسلعة بدلاً من بيعها، بينما يتجه المستهلك إلى الشراء خوفاً من زيادات جديدة، بما قد يزيد من شح بعض السلع ويدفع أسعارها إلى مستويات أعلى.
ويرى الحاج أنه لم يعد أمام حكومة البرهان حل لوقف التراجع المستمر للجنيه والزيادات الكبيرة في أسعار السلع الأساسية بسبب الصرف على المجهود الحربي ، محذراً من أن استمرار المسار الحالي سيزيد الضغوط على الأسر، ويعمق تاكل الأجور، ويجعل تأمين الاحتياجات اليومية أكثر صعوبة ومن ثم ثورة جياع .
ويستطرد ” تأتي موجة الارتفاع الجديدة في وقت تعاني فيه الأسواق أصلاً من تراجع القدرة الشرائية، ما يجعل القفزة الأخيرة في سعر الدولار مرشحة لأن تتحول من اضطراب في سوق الصرف إلى موجة غلاء أوسع تمس الغذاء والنقل والخدمات ومعاش المواطنين بصورة مباشرة.



