الخرطوم – الجماهير
قفزت أسعار الذرة إلى أكثر من مليوني جنيه للأردب، بعدما كانت لا تتجاوز 150 ألف جنيه في أكتوبر من العام الماضي، في زيادة تعكس اتساع الضغوط المعيشية التي تواجه ملايين السودانيين. وحذّر خبراء اقتصاديون من أن استمرار انهيار العملة المحلية وتصاعد أسعار الغذاء قد يدفع قطاعات واسعة من السكان في ولايات الخرطوم وكسلا والجزيرة والنيل الأبيض إلى فقدان القدرة على تأمين احتياجاتهم الأساسية، ويجعل المساعدات الإنسانية الخارجية خياراً اضطرارياً لملايين الأشخاص بحلول نهاية العام الجاري.
وقال خبراء تحدثوا لـ«الجماهير» إن التراجع الحاد في قيمة الجنيه وارتفاع معدلات التضخم تسببا في تآكل القدرة الشرائية للأسر، وسط مخاوف من اتساع انعدام الأمن الغذائي، في ظل غياب برامج إسعافية فعالة لمواجهة الأزمة. وحذّروا من مجاعة محتملة، فيما قدّروا احتمال وقوعها بنسبة 98%.
وفي مؤشر على حجم الأزمة، أظهرت أسعار الحبوب الغذائية قفزات كبيرة، وفق تجار استطلعتهم «الجماهير»، إذ تراوح سعر أردب الذرة، الذي يزن نحو 200 كيلوجرام، بين مليون و600 ألف جنيه ومليونين و250 ألف جنيه في بعض الولايات، بينها الخرطوم وكسلا والنيل الأبيض، فيما بلغ سعر أردب القمح نحو مليوني جنيه.
وتكشف مقارنة الأسعار عن تراجع غير مسبوق في القدرة على شراء الغذاء؛ إذ ارتفع سعر كمية الذرة البالغة 200 كيلوجرام من 150 ألف جنيه في أكتوبر 2025 إلى نحو مليونين و250 ألف جنيه في أكتوبر 2026، بزيادة قدرها مليونان و100 ألف جنيه، أي ما يعادل 15 ضعفاً للسعر السابق.
ولم تقتصر الزيادات على الحبوب، إذ ارتفع سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوجراماً من 125 ألف جنيه إلى 150 ألف جنيه، وسط توقعات بمضاعفة سعر الرغيفة إلى ألف جنيه. كما بلغ سعر جوال البصل 500 ألف جنيه، وجركانة الزيت سعة 36 رطلاً 300 ألف جنيه.
وقال تجار لـ«الجماهير» إن الزيادات المتلاحقة دفعت بعضهم إلى الإحجام عن استجلاب بضائع جديدة، بينما رصدت الصحيفة خروج عدد من التجار من الأسواق بسبب الارتفاع الجنوني في الأسعار وتراجع القدرة على مواصلة النشاط التجاري. وتزامنت هذه التطورات مع صعود سعر الدولار في السوق الموازية إلى نحو 9,500 جنيه، وسط توقعات ببلوغه 10 آلاف جنيه.
وأعرب مواطنون عن مخاوفهم من استمرار التدهور المعيشي، محذرين من أن ارتفاع أسعار الغذاء، بالتزامن مع الأوضاع الأمنية واستمرار الحرب، قد يدفع مزيداً من الأسر إلى العجز عن توفير احتياجاتها اليومية، خصوصاً في ظل محدودية الدخول واتساع الفجوة بين الأجور وتكاليف المعيشة.
وقال الخبير الاقتصادي د. الحاج إبراهيم لـ«الجماهير» إن ملايين السودانيين قد يحتاجون إلى مساعدات إنسانية تقدمها الوكالات الأممية بحلول نهاية العام الجاري، إذا استمر التدهور الاقتصادي وارتفاع الأسعار بالمعدلات الحالية.
وأوضح إبراهيم أن مؤشرات فقدان الأمن الغذائي بلغت مستويات وصفها بالمخيفة، في ظل الارتفاع الكبير في أسعار الحبوب التي تمثل الغذاء الأساسي لقطاعات واسعة من السكان، محذراً من أن استمرار الاتجاه الحالي قد يقود إلى مجاعة واسعة النطاق.
وأشار إلى أن تعثر الموسم الزراعي في مناطق إنتاج الذرة بالقضارف والجزيرة والنيل الأبيض يزيد المخاطر، فيما تهدد تكاليف الإنتاج المرتفعة فرص نجاح الموسم الشتوي في المشاريع الزراعية المروية، بما قد ينعكس على حجم المعروض من المحاصيل الغذائية خلال الفترة المقبلة.
وحمّل إبراهيم السلطات مسؤولية جانب من التدهور، منتقداً السياسات الاقتصادية المتبعة في ظل حرب تستنزف موارد الدولة المحدودة، إلى جانب توقف الإنتاج في قطاعات صناعية واسعة.
وقال إن زيادة التعرفة الجمركية وضرائب الإنتاج تنعكس مباشرة على المستهلكين، عبر رفع تكاليف السلع وتوسيع الضغوط على الأسر محدودة الدخل.
وحذّر الخبير الاقتصادي من أن استمرار هذه الظروف قد يعرّض مساحات واسعة من البلاد، خصوصاً الخرطوم والنيل الأبيض وكسلا، لخطر أزمة غذائية حادة، مع اتساع الفجوة بين أسعار الغذاء وقدرة المواطنين على شرائه.




