تقرير : الجماهير
تشهد «الولاية الشمالية»، وتحديداً مدينة «الدبة»، توترات متصاعدة في المشهد «التجاري والاقتصادي» على خلفية قرار والي الولاية بحظر نقل السلع والبضائع إلى ولايات «دارفور وكردفان»، بذريعة وقوعها تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» وبينما يُقدَّم القرار في إطار أمني، تكشف الوقائع الميدانية عن تداعيات أعمق تتجاوز الحسابات العسكرية، لتضع البلاد أمام واحدة من أخطر إفرازات الحرب: تحويل الاقتصاد إلى أداة صراع، والانزلاق نحو استقطاب مناطقي وأهلي يهدد وحدة النسيج الوطني.
الاقتصاد في مرمى الحرب
وفق مصادر تجارية، أدى القرار إلى مصادرة بضائع تُقدَّر قيمتها بأكثر من {2.5} تريليون جنيه سوداني، وفرض غرامات ضخمة خلال ساعات، ما ألحق خسائر فادحة بتجار دارفور، وخلق حالة من الشلل في حركة انسياب السلع الأساسية. ولا تقف التداعيات عند حدود الخسائر الاقتصادية، بل تمتد إلى ارتفاع الأسعار ونقص السلع في مناطق تعاني أصلاً من أوضاع إنسانية حرجة.
وتشير شهادات متطابقة إلى أن تطبيق القرار لم يكن متساوياً، حيث جرى تمرير بعض الشحنات عبر وسطاء وتجار أزمات مقابل مبالغ طائلة، في وقت تمت فيه مصادرة شحنات أخرى، ما يثير تساؤلات جدية حول العدالة، وانتقائية التنفيذ، وتغوّل الأجهزة الأمنية والمليشيات المحلية على النشاط التجاري.
من الحرب العسكرية إلى الحرب المجتمعية
الخطير في هذه التطورات لا يكمن فقط في الأثر الاقتصادي، بل في المنحى الخطابي والمناطقي الذي بدأت تأخذه الحرب. فربط ولايات بكاملها بكونها “مناطق عدو”، وحرمان سكانها من الغذاء والدواء، يفتح الباب أمام شيطنة مجتمعات كاملة، ويحوّل الصراع من نزاع عسكري إلى صراع أهلي واجتماعي.
ويرى محللون أن مثل هذه السياسات تُضعف اللحمة الوطنية، وتغذي الإحساس بالتهميش والاستهداف العرقي والمناطقي، خاصة في أقاليم مثل دارفور وكردفان التي تحمل تاريخاً طويلاً من الإقصاء. وهو ما يمنح المجموعات المسلحة سرديات جاهزة لتبرير العنف، ويقوّض أي فرص لبناء سلام مستقبلي.
شريان الاقتصاد يُخنق
تُعد الولاية الشمالية اليوم شرياناً اقتصادياً حيوياً يربط السودان بالتجارة الخارجية عبر مصر وميناء بورتسودان. ويعني تعطيل هذا الشريان عملياً خنق الاقتصاد الوطني ككل، وليس فقط مناطق بعينها. كما يُتوقع أن تؤدي هذه السياسات إلى:
زيادة النزوح نحو الولايات الآمنة نسبياً.
ركود الأسواق وتضرر التجار في الشمالية نفسها.
توسع التهريب كبديل قسري، بما يحمله من مخاطر أمنية واقتصادية.
توقف تدفقات سلع استراتيجية من الأقاليم الأخرى مثل الماشية والصمغ العربي والذهب.
أسئلة الانفصال هل أصبحت مشروعة؟
في ظل هذه التطورات، يبرز سؤال لم يعد من المحرّمات
هل تقود الحرب، بإفرازاتها الاقتصادية والمناطقية، إلى تفكيك الدولة السودانية؟
حين تُدار البلاد بقرارات طوارئ تعزل الأقاليم عن بعضها، وتُستخدم معيشة المواطنين كورقة ضغط، وحين تتكرس سياسات “نحن” و“هم”، فإن خطر الانفصالسواء كان رسمياً أو فعلياًيصبح احتمالاً قائماً. فالتاريخ القريب للسودان يؤكد أن الحصار الاقتصادي والتهميش المناطقي كانا من أبرز المقدمات التي سبقت انفصال الجنوب.
تحذيرات سياسية ودعوات للتراجع
في هذا السياق، حذرت قوى سياسية، من بينها «حزب الأمة القومي» من خطورة القرارات المتبادلة بمنع تدفق السلع بين الأقاليم، واعتبرتها استخداماً مباشراً للاقتصاد كسلاح حرب، ودعت إلى إلغائها فوراً، وفتح حركة التجارة دون قيود، حمايةً للمواطنين ومنعاً لانهيار ما تبقى من الدولة.
خلاصة
ما يجري اليوم في الشمالية ليس حدثاً معزولاً، بل مؤشر على مسار بالغ الخطورة. فاستمرار الحرب دون أفق سياسي، مقروناً بسياسات اقتصادية عقابية ذات طابع مناطقي، يهدد بتحويل السودان من دولة ممزقة بالحرب إلى دولة مفككة اجتماعياً وجغرافياً.
إن وقف الحرب، وإبعاد الاقتصاد عن ساحات الصراع، وإعادة الاعتبار لمبدأ المواطنة المتساوية، لم تعد شعارات أخلاقية، بل شروط بقاء للدولة السودانية نفسها.





