15/أبريل/2024
في 15/ أبريل العام الماضي، اندلعت حرب عنيفة، بين كل من القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع؛ وهما القوتان اللتان تشكلان دستوريًا الجيش الرسمي للدولة السودانية. وتأتي هذه الحرب نتيجة خلافات سياسية بين قيادة القوات المسلحة من جهة، وقيادة قوات الدعم السريع من جهة أخرى. وهي خلافات، كشفت الحرب التي تكمل الآن عامها الأول، أنها تتجاوز البعد العسكري/السياسي، لتشمل البعد الاجتماعي معها. ذلك أنه وأثناء سير العمليات العسكرية للحرب، ظهرت وتعززت انقسامات حادة داخل المجتمع السوداني، كنتيجة مباشرة لهذا الانقسام داخل المؤسسة العسكرية الرسمية. وهي انقسامات تؤكدها عمليات التصدعات الحادة داخل الكيانات السياسية والمجتمعية. وعمليات العسكرة والاستنفار على أساس الجهة، وكذلك ظهور تحالفات سياسية وعسكرية جديدة، مثل التحالف العسكري بين القوات المسلحة مع بعض الحركات المسلحة في حربها ضد الدعم السريع. والذي سنحاول هنا أن نوضح طبيعته ومآلاته وتحديد ما إذا كان تحالفا استراتيجيا أم لا.
بالعودة إلى الخلاف بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، والذي يعد عاملًا ودافعًا مهما لنشوء التحالف المذكور آنفا بين الحركات المسلحة والجيش، فإنه يمكن تتبع مساره التاريخي لتقرير: إن أول ظهور له على السطح كان عقب انقلاب 25/ أكتوبر/2021. ففي يوم 19/ فبراير 2023م، وفي تحول جذري في موقفه، اعترف قائد قوات الدعم السريع الفريق أول محمد حمدان دقلو “حميدتي” بأن إجراءات 25/ أكتوبر، هي انقلاب عسكري وأعتذر للشعب السوداني عنه بحجة أن الانقلاب تقف خلفه قوى النظام القديم، وأنه أعاد الإسلاميين جزئيا إلى السلطة. في حين مضى قائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الانقلاب رفقة حلفاءه السياسيين الجدد أي الحركات المسلحة، وكذلك الإسلاميين حلفاءه القدماء.
إن من المهم هنا، أن نفهم انقلاب 25/أكتوبر كلحظة مفصلية في تاريخ السودان الحديث، ذلك غير أنه كان بمثابة الخطوة الأولى الممهدة لعودة الإسلاميين إلى السلطة؛ إلا أنه كان أيضًا، التمظهر الأول لإرهاصات تغيرات جذرية في بنية السلطة، خاصة داخل المؤسسة العسكرية الرسمية منذ التغيير الذي حدث في 11/ أبريل 2019. وأنا هنا أقصد التغيير السياسي الذي حدث عقب سقوط النظام الإسلامي بواسطة حراك ثورة ديسمبر المجيدة. ولا يخفى ذلك على أحد. وعلى هذا فإننا نرجع بوادر الانقسام الذي حدث بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بشكل تاريخي إلى لحظة 25/ أكتوبر.
أيضا، كان انقلاب 25/ أكتوبر بمثابة إعلان واضح وصريح لتغيرات جذرية أخرى تتعلق ببنية التحالفات السياسية المؤسسة لعملية تقاسم الثروة والسلطة في البلاد عقب الثورة. وهي تحالفات قائمة بشكل أساسي بين تشكيلات سياسية مختلفة. لعل أهم نموذج للتحالف السياسي الذي كان بين الأحزاب السياسية المدنية من جهة، والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا من جهة أخرى. والتحالف الآخر الذي كان بين هذا التحالف الذي سمي قوى الحرية والتغيير، والمؤسسة العسكرية الرسمية من جهة أخرى. ذلك أن الانقلاب، كان بمثابة لحظة فض الشراكة السياسية التي تمثلت في حكومة الفترة الانتقالية. وهي الحكومة التي تكونت بموجب الوثيقة الدستورية في 17/ أغسطس 2019. وهي الوثيقة الموقعة بين كل من المكون السياسي المدني، المتمثل في أحزاب وحركات قوى إعلان الحرية والتغيير، والمجلس العسكري الذي يتكون من الجيش والدعم السريع.
أبعد من ذلك، إنه وكنتيجة مباشرة لانقلاب 25/ أكتوبر؛ انقسم تحالف قوى الحرية والتغيير الحاكم للفترة الانتقالية مناصفة مع المؤسسة العسكرية، إلى تحالفين سياسيين هما: تحالف الحرية والتغيير المجلس المركزي، وتحالف الحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية. وهنا يمكن أن نلاحظ أن الانقلاب أدى أيضا، إلى تحولات سياسية ذات أبعاد سلطوية عميقة. ولعل أهم هذه التحولات؛ تحول تحالف الحرية والتغيير المجلس المركزي إلى موقف المعارضة عقب استبعادهم من السلطة. في حين وعبر تحالفهم مع الجيش وتوصيفهم لانقلاب 25/ أكتوبر كإجراءات تصحيحية؛ عزز تحالف الحرية والتغيير الكتلة الديمقراطية – يتكون في معظمه من الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا- من وجوده في السلطة. بل وقد حصلوا على مكاسب سياسية وسلطوية جديدة نتيجة دعمهم للانقلاب وتأمين الغطاء السياسي له. وعلى هذا فإن انقلاب 25/ أكتوبر يمكن أن يعد كحجر الأساس أو اللحظة التدشينية لهذا التحالف بين كل من الجيش والحركات المسلحة.
تجدر الإشارة هنا أيضا، إلى أن الاتفاق الإطاري الذي ظهر عقب انقلاب 25/ أكتوبر بفترة قصيرة كمبادرة لحل الأزمة السياسية قبل الإنقلاب، والذي كان برعاية دولية مكونة من الآلية الرباعية والآلية الثلاثية ومنظمة الإيقاد؛ كان أيضا لحظة مفصلية أخرى في انهيار وتشكل التحالفات السياسية في السودان. وقد كان كذلك عاملا مهما في تفكيك وإعادة صياغة هذه التحالفات بشكل جذري، ليس على المستوى السياسي فقط، وإنما حتى على المستويين العسكري والاجتماعي. ذلك أن الموقف منه (دعم، رفض) كان أحد الأسباب الرئيسية في انقسام المؤسسة العسكرية الرسمية في البلاد. فقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان أعلن رفضه للاتفاق الإطاري بعد أن وقع على مبادئه الأولية في 5/ ديسمبر 2022م بضغط من حلفاءه الإسلاميين. أما قائد قوات الدعم السريع فقد أبدى دعمه ومضيه فيه قدما بعد أن وقع على مبادئه الأولية أيضا. وهنا لابد من التأكيد على أن موقف الدعم السريع من الاتفاق الإطاري جعل الجيش والدعم السريع في حالة تناقض. ذلك أن الاتفاق الإطاري كان أساسا بغرض إنهاء لانقلاب وسينهي أيضا حالة تعدد الجيوش التي تعيشها الدولة السودانية. وبمعنى آخر فإن الاتفاق الإطاري كان بمثابة فعل سياسي يحاول أن يقطع الطريق أمام عودة الإسلاميين، ومن جهة أخرى فهو فعل يستأنف المسار الثوري في البلاد.
إن هذا التناقض الذي ظهر بين الدعم السريع والجيش والذي أدى إلى الحرب، لا ينبغي أن يفهم على أنه تناقض سياسي فقط، وإنما هو تناقض ذو جذر اجتماعي عميق. ذلك أن الدعم السريع -الذي يتكون بشكل أساسي من مجتمعات عرب غرب السودان- والذي لا يمكن أن يعد قوات مؤدلجة نتيجة لطبيعته وأسباب نشوئه؛ وعبر دعمه للاتفاق الإطاري، كان بذلك يتخذ موقفا سياسيا واجتماعيا مختلفا عن موقف الجيش. هذا إذا ما فهمنا أن الجيش تتحكم فيه الحركة الإسلامية ويمثل مصالحها. إضافة إلى أنه يتكون بشكل أساسي من مجتمعات الشمال-على مستوى القيادة- ويمثل مصالحها الاجتماعية بالتبع.
استنادا إلى هذه الاعتبارات المذكورة آنفا، فإنه يمكن فهم هذه الحرب التي تدور حاليا بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، على أنها تمظهر لتناقض على المستوى الاجتماعي وبالتالي تناقض في المصالح الاجتماعية. وهو تناقض يعود بالدرجة الأولى إلى الاختلاف -على مستوى القيادة والجنود- من حيث التكوين الاجتماعي بين كل من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. ويمكن القول هنا ببساطة: إنه ونتيجة لمتغيرات اجتماعية وسياسية، أهمها حرب دارفور، نجحت حكومة المركز في عسكرة أعداد مهولة من المجتمعات العربية بغرب السودان. وبواسطة الجيش، وبدعم مباشر منه توجت عمليات العسكرة بإنشاء قوات الدعم السريع كقوات مساندة للجيش في حربه ضد الحركات المسلحة – تتكون من المجتمعات الأفريقية- بدارفور إلى أن أصبح قوات دستورية ذات ثقل عسكري، ولها استقلالية نسبية عن الجيش. ويمكن أن نقرر هنا أيضا، أنه ومع الثورة والمتغيرات التي طرحتها، تحول الدعم إلى قوة عسكرية لها وزنها السياسي وذلك عندما أصبح قائدها نائبا لرئيس مجلس السيادة حينها. وهذا يعني بالتالي أنها أصبحت قوى ذات مصالح اجتماعية مستقلة. وهذه الملاحظة لا تنطبق على الدعم السريع فقط، بل على كل من الجيش والحركات المسلحة، فجميعها، مع وجود تفاوت بينها تمثل مصالح قوى اجتماعية مختلفة ومحددة.
بالعودة إلى التحالف بين القوات المسلحة والحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، وأنا هنا أعني حركة جيش تحرير السودان قيادة مناوي، وحركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم، وحركة تحرير السودان قيادة مصطفى تمبور، والحركة الشعبية شمال قيادة مالك عقار: يمكن أن نلاحظ أن هذه الحركات المسلحة مثلها مثل الدعم السريع. تختلف في طبيعتها الاجتماعية عن الجيش. ذلك يعود بشكل أساسي إلى أنها نشأت نتيجة للوعي بمظالم تاريخية في إقليمي دارفور والنيل الأزرق. وقد كانت نشأتها محصورة وبشكل أساسي في عدة قبائل أفريقية. وهذا ما يفسر الطبيعة القبلية لكل من هذه القوات. ولابد من القول هنا: إن المظالم التاريخية التي نشأت من أجلها هذه الحركات المسلحة، يمكن تلخيصها في: أن بنية الدولة وجهاز سلطتها على المستوى العسكري والسياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، ذو طابع جهوي، تحتكر فيه السلطة قلة من مجتمعات الشمال والوسط. وبسبب بنيتها الجهوية هذه والتي تكرس للتهميش على أسس اجتماعية، أعلنت هذه الحركات المسلحة التمرد على الدولة في إقليمي دارفور والنيل الأزرق، في فترات مختلفة.
إن ما يجب أن نقرره هنا نتيجة لهذه الاعتبارات، أن هذه الحركات المسلحة نشأت نتيجة لتناقض اجتماعي بين المجتمعات التي تمثل قواعدها الاجتماعية والدولة، وبالتبع بينها وبين الجيش الذي يمثل السلطة الفعلية التي تم التمرد ضدها وقتالها لسنين. ولابد من التذكير هنا أن الدعم السريع نشأ أيضا نتيجة هذا التناقض بين الحركات المسلحة والدولة خاصة في إقليم دارفور، فنتيجة للطابع الجهوي للدولة وللتمرد والقاعدة الاجتماعية الضيقة لكلا الطرفين، تحولت الحرب في دارفور إلى حرب عرقية. ونتيجة لذلك نجحت الدولة مستقلة التهديد الوجودي الذي كانت تشكله الحركات المسلحة على المجتمعات العربية ومصالحها في إقليم غرب السودان؛ نجحت الدولة في عسكرة هذه المجتمعات في عدة قوات، ولكن أكبرها وأهمها هي قوات الدعم السريع. ومنذ العام 2013م، أصبحت قوات الدعم السريع القوات الرئيسية التي تقاتل الحركات المسلحة في إقليمي كردفان ودارفور.
إنه وعقب الثورة وقعت هذه الحركات المسلحة والجيش الذي كان يتكون لحظتها من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في 3/أكتوبر 2020م، ما عرف باتفاق سلام جوبا، الذي ضمن وقفا للقتال بين الطرفين، وتمثيلا سلطويا لهذه الحركات في حكومة الفترة الانتقالية. وعقب انقلاب 25/ أكتوبر عززت هذه الحركات المسلحة تحت مسمى الكتلة الديمقراطية كما ذكرت سابقا مكاسبها السلطوية، وتحولت إلى حليف سياسي صريح للجيش. أما بعد حرب 15/ أبريل، فقد تحولت هذه الحركات المسلحة إلى حليف عسكري للجيش، بعد تردد دام لعدة أشهر، فمن المعلوم أن الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام جوبا، أعلنت موقف الحياد في بداية الحرب. وبهذا المعنى فإن تحالف الجيش والحركات المسلحة الذي تأسس بشكل واضح وصريح عقب انقلاب 25/ أكتوبر؛ قد تم تجميده -صوريا- بموقف الحياد الذي اتخذته هذه الحركات المسلحة في بداية الحرب. فالحركات أبدت لحظتها استعدادا للمشاركة والوساطة بين الطرفين للوصول إلى وقف إطلاق النار بين الطرفين. ولكن ونتيجة لكون موقف الحياد، موقف غير مرضي بالنسبة للقوات المسلحة، أصبحت مكاسبهم السلطوية مهددة بواسطة الجيش، فالاستمرار في السلطة كحليف سلطوي للجيش، يتطلب الوقوف من الجيش والإسلاميين في حربهم. وهذا أحد أهم أسباب التي تفسر تحولهم من حالة الحياد إلى دعم القوات المسلحة.
إنه يمكن القول هنا: إن هذا التحالف السياسي والعسكري، لا يتأسس على جذور عميقة، أعمق من التي كانت تربط الدعم السريع بالجيش. وهو بشكل أساسي، تحالف مرحلي قائم على ارتباط المصالح السلطوية للحركات المسلحة بالتحالف مع القوات المسلحة. وهذا ما يفسر أيضا تردد الحركات المسلحة في دعم الجيش في حربه ضد الدعم السريع عند اندلاعها. ولكن، لعل أهم دليل على هشاشة هذا التحالف وكونه تحالف مرحلي، أنه وبمجرد أن أعلنت بعض الحركات المسلحة (عقار، طمبور، مناوي، جبريل) عن تحولها من الحياد إلى الوقوف مقاتلة في صف الجيش؛ حتى انقسمت هي أيضا. وخرجت منها مجموعة سياسية وعسكرية مهمة. وتمثل هذا الحدث في خروج كل من الطاهر حجر قائد تجمع قوى التحرير، والهادي إدريس قائد جيش تحرير السودان المجلس الانتقالي، من القوة المشتركة لحركات الكفاح المسلحة عقب أن أصبحت الحركات الأخرى حليفًا عسكريًا للقوات المسلحة في حربها. وهو موقف قوبل بإبعاد كل من الهادي إدريس والطاهر حجر في نوفمبر-2023 من السلطة . وهو أمر كانت تخشاه بقية الحركات المسلحة إذا ما بقيت في الحياد والسبب الرئيس الذي دخلت من أجله الحرب في صف القوات المسلحة. كما أن هنالك انشقاقات أخرى داخل الحركات المسلحة، لعل أهم إنقسام كهذا هو انشقاق القائد العام لقوى تجمع تحرير السودان عن الحركة بجزء من قوات الحركة، وكذلك انشقاق نائب رئيس حركة جيش تحرير السودان صلاح رصاص بجزء من قوات الحركة.
إن اختلاف الطبيعة الاجتماعية لكل من الحركات المسلحة والقوات المسلحة، لهو أهم مؤشر على كون تحالفهم هذا تحالف مرحلي وليس استراتيجي. فالطرفين وإن اتحدا ضد الدعم السريع، الذي استطاع أن يسقط الجيش في أربعة ولايات من أصل خمسة في أقليم دارفور: إلا أنهما يتناقضان من حيث المصالح الاجتماعية ومن حيث الأيديولوجيا. ففي حين يمثل الجيش كما هو معرف في أدبيات هذه الحركات المسلحة قبل الحرب، غطاء عسكريًا واقتصاديًا لمصالح مجتمعات الشمال، ويمثل أيضا الأداة الرئيسية التي يحتكرون عبرها الثروة والسلطة. كما أنه سياسيا يمثل مصالح المجتمعات الإسلاموعروبية ومشاريعهم السياسية. أما الحركات المسلحة فذات توجه علماني أفريقي، يناقض أيديولوجيا الجيش والإسلاميين. ولعل كون هذا التحالف مرحلي وليس استراتيجي، لسبب آخر، وهو أن القوات المسلحة ونتيجة لسيطرة الإسلاميين عليها، لا يمكن أن تكون على وفاق مع الحركات المسلحة ومجتمعاتها، خاصة في ظل وجود المظالم التاريخية التي قامت من أجلها الحركات كما هي، وعدم تغيير النهج الإقصائي للحركة الإسلامية، فالقوات المسلحة التي أعلنت الحرب على الدعم السريع وهي من أنشأته، وقد كانت العلاقة بينهما تحالفا عسكريا واجتماعيا أقوى من هذا التحالف الذي نناقشه الآن، لا يمكن بحال أن يعقد تحالفا استراتيجيا مع الحركات المسلحة التي نشأت في الأساس مقاتلة ضدها كما أن .لها أيديولوجيا نقيض.
بالعودة إلى معطيات سير الحرب، فإنه يمكن القول، إن دخول الحركات المسلحة للقتال بجانب الجيش، لم يكن متغيرا ذا شأن على المستوى العسكري، فالحركات المسلحة أبدت ترددا حتى في القتال إلى جانب الجيش، ولم تشارك معه في معظم المعارك التي خاضها ضد الدعم السريع. وتجدر الإشارة هنا، إلى أن هذا التحالف العسكري، يأتي كمحاولة لتعويض النقص في قوات المشاة الذي خلفه انقسام المؤسسة العسكرية الرسمية، ذلك أن الدعم السريع كان بمثابة قوات مشاة الجيش السوداني. ومن هنا فإنه ينبغي التأكيد على أن هذا التحالف، تحالف مرحلي لارتباطه بهذا المشكل، فالجيش يعاني من نقص حاد في المشاة حاول سده بإرجاع جهاز الأمن وكتائب الإسلاميين والاستنفار والمقاومة الشعبية، وكلها حلول لم تنجح، ويأتي هذا التحالف العسكري بينه وبين الحركات المسلحة لسد هذا النقص في المشاة. وذلك ما يدفعنا للاستنتاج أنه تحالف رهين بمدى الكفاءة العسكرية لهذه الحركات في القتال ضد الدعم السريع. ولكن إلى الآن نشاهد سخطا واسعا من قبل إعلام القوات المسلحة على أداء الحركات المسلحة في الحرب بعد إعلانها في أوقات مختلفة التواجد في مواقع الجيش والخطوط الأمامية لميادين القتال.
بإختصار هنا، نقرر أن هذا التحالف بين القوات المسلحة والحركات المسلحة هو تحال مرحلي، ذلك بالنظر إلى أنه لا يملك أي من الخصائص المحددة للتحالفات الاستراتيجية على ثلاث مستويات مهمة. أولها المستوى العسكري، فكون التحالف مربوط ومشروط بالكفاءة العسكرية للحركات المسلحة في قتالها مع القوات المسلحة، فإن ذلك يجعله عرضة للانهيار حال لم تحقق الحركات المسلحة انتصارات على قوات الدعم السريع. وبالتالي فإن هذا التحالف عسكريا تحالف هش و أرجح أن لا يصمد أمام متغيرات الحرب التي تأتي في شكل تحديات عسكرية وسياسية. أما على المستوى السياسي، فإن التوافق الفكري أو الأيديولوجي مهم لأي تحالف استراتيجي بين أي قوى سياسية وعسكرية. وهنا نلاحظ تباين الأيديولوجيا السياسية لكل من الحركات والجيش، وهو تباين يرقى لدرجة التناقض فقد كان أساس الحرب بين الحركات المسلحة والجيش لعقود. وأنا أرى أنه لا زال موجودا ولكنه أختفى من دائرة الفعل السياسي نتيجة كون الدعم السريع وتقدمه في الحرب يجعل التحالف متماسكا، لأن ذلك مهدد جودي للحليفين. وهذا ما يجعلنا نقرر أيضا أنه تحالف قابل للانهيار في أي لحظة. أخيرا فيما يتعلق بالمستوى الاجتماعي، فإنه يمكن القول: إن المصالح الاجتماعية لكلا الحليفين متناقضة، حتى وإن أختفى ذلك تحت ستار المصالح الاقتصادية الناتجة المرتبطة بالسلطة. ولكن مع تسارع انهيار اقتصاد الدولة نتيجة خروج إقليمي كردفان ودارفور من اقتصاد الدولة، وإعلان الحكومة عدم قدرتها على تصدير البترول، وكذلك إعلان وزير المالية بأنهم سيتجهون لبيع أصول الدولة لتمويل الحرب، كل ذلك يعني أن ميزانية الحرب في حالة عجز. ومن هنا فإنه سيتحتم على جيش الحركة الإسلامية تقليل عدد المستفيدين من خزينة الدولة التي تعاني اقتصاديا. وسنفترض هنا أن مواصلة استفادة الحركات المسلحة المتحالفة مع الجيش رهين بإنجازهم الحربي ضد الدعم السريع في ميدان المعارك. وهذا هو الأساس الذي يقوم عليه التحالف بشكل أساسي. وبهذا المعنى فإن تحالف الجيش والحركات المسلحة تحالف مرحلي يقوم على مصالح سلطوية ضيقة ويمكن أن ينهار إذا ما لم يتم الحصول عليها. وبالتالي فإنه ليس بتحالف استراتيجي أبدًا.





