بقلم توم جاردنر، لمجلة «الإيكونوميست»
ترجمة الطيب علي حسن
لا نهاية في الأفق للحرب الأهلية الكارثية في السودان، لعدم اهتمام المجتمع الدولي
إنه لا توجد مدينة في السودان تشهد قتالاً شرسًا إلى جانب العاصمة الخرطوم، أكثر من مدينة الفاشر، غربي أقليم دارفور؛ حيث ظلت المدينة تحت حصار مشدد من قبل قوات الدعم السريع (RSF)، التي قضت أكثر من 18 شهرًا وهي تحاول هزيمة القوات المسلحة السودانية (SAF)، والسيطرة على مواقعها وعلى الولاية. وتبعا لذلك، كانت الفاشر هي المكان الذي بدأت فيه المجاعة، والتي باتت تهدد الآن باستنزاف البلاد بأكملها، وبالنظر لضراوة القتال هناك -الفاشر- فذلك يجعلها مكانا مفيدا لاستشراف وفهم الوجهة القادمة التي قد ينتقل إليها الصراع، الذي يرجح أن يكون الأكبر والأكثر كارثية في جميع أرجاء العالم حاليا.
وحتى نشر هذه المقالة، ظلت مدينة الفاشر تمثل آخر المعاقل الحضرية للقوات المسلحة السودانية في إقليم دارفور، حيث أسقطت قوات الدعم السريع واستولت على جميع حامياتها الأخرى في الإقليم، وذلك قبل أشهر عديدة من حصار الفاشر هذا. وكان مراقبون قد توقعوا سقوط المدينة منذ مدة ليست بالقصيرة، وأن يلي ذلك تطهير عرقي من قبل قوات الدعم السريع التي تتكون من أغلبية عربية، وذلك بحق الجماعات الأفريقية المحلية (الزرقة). هذا، وكان مئات الألوف من المدنيين قد فروا بالفعل، لينضموا إلى أكثر من 20% من سكان البلاد البالغ عددهم 50 مليونًا، والذين أجبروا على الفرار من منازلهم منذ بدء الحرب في أبريل 2023.
ستزداد الحرب الأهلية في السودان وحشية:
وبالرغم من تفوق قوات الدعم السريع من حيث التسلح والعدد، إلا أن القوات المسلحة السودانية قد استطاعت الصمود في الفاشر، وفي أماكن أخرى أيضًا، كما أن تقدم قوات الدعم السريع السريعة شرقًا وجنوبًا والذي بدأ في النصف الأول من عام 2024، قد توقف نتيجة موسم الأمطار. وفي أقصى الجنوب، أصبح صراع ذو ثلاثة جبهات، مع الجيش وحركة تمرد محلية. أما في الخرطوم ومحيطها، فقد بدأت القوات المسلحة السودانية تستعيد تدريجيا، تلك الأراضي التي فقدتها في الأشهر الأولى من الحرب. وفي بداية 2024، قام محمد حمدان دقلو، قائد قوات الدعم السريع (المعروف باسم حميدتي)، بجولة ظافرة في عواصم المنطقة، مما أثار -وقتها- الحديث عن انتصار كامل لقوات الدعم السريع، ويبدو أنه -الحديث- أقل احتمالا الآن.
وعوضا عن توقفها، إلا أن المرجح أن تزداد الحرب الأهلية في السودان وحشية، وأن تتعقد بشكل أكبر من إمكانية الوصول إلى حل لها. وكما هو الحال في الفاشر، حيث تقاتل جماعات مسلحة متباينة من المجتمعات المحلية في دارفور، إلى جانب القوات المسلحة السودانية، فإن من المرجح أيضا، أن تنتشر مجموعات الدفاع عن النفس والميليشيات في أماكن أخرى. وتشمل هذه المليشيات التي تقاتل إلى جانب الجيش، ألوية جهادية ذات صلة بالجيش، إضافة إلى كتائب مكونة من أعضاء سابقين في أجهزة المخابرات الوطنية السودانية سيئة السمعة. وتفيد التقارير أن هذه الجماعات الجهادية، مسؤولة عن القمع الوحشي والحملات الانتقامية التي حدث في المناطق المحررة من قوات الدعم السريع، وذلك خلال النصف الثاني من عام 2024. ومن المرجح أيضا، أن يؤدي هذا العنف، وفي بعض الأماكن، إلى تأجيج الصراع العرقي، الأمر الذي سيؤدي إلى تآكل النسيج الاجتماعي السوداني الهش مسبقا.
أما في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، فمن المتوقع أن تكون هناك مقاومة. فحتى وإن كانت قوات السيد دقلو -الدعم السريع- ماهرة في حرب المدن، إلا أنهم بترهيبهم للمواطنين من على ظهر عربات الجيب (Jeep) والدراجات النارية، أصبحوا مكروهين على نطاق واسع في جميع أنحاء السودان، حيث ارتكبوا فظائعا بشكل دوري؛ كما أن ليس لديهم تجربة في الحكم، ونظرا لذلك، فإنه من المرجح أن يكون حكمهم، حتى وإن سيطروا على المزيد من الأراضي، محفوفًا بالمخاطر.
وكانت المحادثات التي تهدف إلى التوصل إلى وقف إطلاق النار، قد حققت تقدمًا ضئيلًا، ويبدو أن من غير المرجح أن يتغير هذا -الحال- في عام 2025. وترى القوات المسلحة السودانية نفسها كالحكومة الشرعية للسودان، وترفض الجلوس مع من تراه مليشيا مارقة. ولعل ضمان الجيش السوداني لدعم روسيا، وتلقيه أسلحة من إيران خلال العام 2024، قد عزز موقف الذين يعارضون وقف إطلاق النار داخل القيادة العليا للجيش. هذا، ومن بين هؤلاء المعارضين للوصول إلى وقف إطلاق النار، الإسلاميين المتطرفين من أعضاء حزب الديكتاتور السوداني السابق عمر البشير(المؤتمر الوطني)، والذين يرون الحرب فرصة للعودة إلى السلطة، إضافة إلى نخبة رجال الأعمال الذين يرونها فرصة للثراء.
ومن جانبها أيضا، لا ترى قوات الدعم السريع سببًا وجيهًا لتقديم تنازلات، حيث تحظى بدعم الإمارات العربية المتحدة، التي ظلت تواصل تزويدها بالأسلحة، بما في ذلك الطائرات بدون طيار (المسيرات)؛ وذلك على الرغم من الاستهجان واسع النطاق. ويبدو أن الإمارات العربية المتحدة تفعل ذلك، نظرا لأنها تعتقد بحق أنها تستطيع الإفلات من العقاب.
على الرغم من الخسائر البشرية المروعة، وتعاظم إمكان انتشار حالة عدم الاستقرار -الصراع- إلى خارج الحدود، إلا أن الحرب الأهلية في السودان لا تحظى إلا بقدر ضئيل من الاهتمام الدولي، الذي ينصب على الحروب في كل من الشرق الأوسط وأوكرانيا. هذا، وما تزال عمليات إيصال المساعدات للتخفيف مما يتوقع أن يكون -وفقا لخبراء- أسوأ مجاعة منذ “قفزة الصين العظيمة للأمام”، غير كافية على الإطلاق. ومن المتوقع أن يموت أكثر من 10 ملايين شخص على مدار العامين المقبلين، ولن يتم فعل الكثير لمنع ذلك.





