في لحظة مفصلية من تاريخ دارفور، وبحضور مهيب من الخبراء والباحثين والمختصين في الشأن الاقتصادي من مختلف ولايات الإقليم، شهدت مدينة نيالا انعقاد المؤتمر الاقتصادي الأول، تحت شعار يختصر التحدي والأمل: “من رماد الحرب تُبنى التنمية.”
نيالا اليوم لا تحتضن مؤتمراً اقتصادياً فحسب، بل تحتضن ميلاد فكر جديد يعيد صياغة معادلة الاقتصاد والسياسة في دارفور. لقد تحولت المدينة التي كانت في الأمس القريب عنواناً لمعاناة الحرب والنزوح إلى منبر علمي رفيع، يناقش بصراحة وجرأة تحديات الواقع الاقتصادي ويقترح حلولاً تنبع من تجربة دارفور العميقة.
تناولت الأوراق العلمية المقدمة قضايا بالغة الحساسية والدقة، في مقدمتها “اقتصاديات الحرب والتنمية المكانية”، حيث لم تُدرس الحرب كمأساة فقط، بل كمصدر للمعرفة السياسية والاقتصادية، وكمحرّك لتغيير أنظمة التوزيع غير العادل للثروة والسلطة. من قلب الجراح تولد الرؤى، ومن رماد الحرب تنبثق نظريات التنمية المكانية.
قدّمت الأوراق رؤىً لا تكتفي بالتشخيص، بل تفتح أبواباً لحلول واقعية، مبنية على اقتصاد المقاومة، توظيف الإيرادات المحلية، وخلق نظم تمويل بديلة قادرة على تعزيز الاستقرار في المناطق المتأثرة بالنزاعات. النقاشات لم تكن صدى لنظريات مستوردة، بل انطلقت من معاناة الناس وتجاربهم الحقيقية في أرض المعركة.
وقد كان لافتاً حجم ونوعية الحضور؛ شخصيات علمية مرموقة، اقتصاديون مخضرمون، وإداريون أصحاب خبرة ميدانية، اجتمعوا جميعاً ليؤكدوا أن العقول النيرة لم تغب، بل كانت تنتظر لحظة الصدع بالكلمة الجادة. في هذا المشهد، أن يُعقد المؤتمر في نيالا هو في حد ذاته موقف سياسي واقتصادي يعيد الاعتبار لدارفور كمركز قرار لا هامش تابع.
وأكد أحد المشاركين في كلمته: “الحديث عن التنمية في دارفور دون معالجة البنية السياسية للاقتصاد هو كمن يبني على رمال متحركة.” وفي هذا السياق، برزت الدعوة الجريئة إلى تفكيك مركزية السلطة وبناء اقتصاد يعكس الإرادة المحلية ويرتكز على خصوصية الموارد المكانية.
لقد تجاوز المؤتمر الطابع الأكاديمي التقليدي، ليصبح حدثاً مفصلياً يُعلن بداية مسار جديد. ما بعد هذا المؤتمر لن يكون كما قبله، فقد وُضعت أول لبنة في بناء اقتصاد السلام لا اقتصاد الحرب. إنها لحظة تاريخية تعلن بوضوح: دارفور لم تعد تنتظر التنمية من الخارج، بل تصوغها من رحم تجربتها وتاريخها ومعاناتها.
من هنا تبدأ كتابة التاريخ الاقتصادي الجديد لدارفور، بقلم خبرائها وصوت مجتمعاتها. مؤتمر نيالا





