حين تُهدر الأموال الطائلة على الدعاية الرخيصة وحملات الترويج المضللة عبر منصات صُنّاع التفاهة ومحترفي التزييف، لتصوير الخرطوم وكأنها واحة للاستقرار وجنة على الأرض، فإن الواقع المعاش يعود ليصفع الجميع بقسوة بالغة.
إن الخرطوم اليوم ليست سوى امتداد لمدن أشباح تقف على أنقاض دمار هائل؛ حيث تحولت الشوارع التي سكنها الأمان يوماً إلى مسارح للخراب، وبات الإنسان السوداني المحاصر بظروف أمنية واقتصادية طاحنة هدفاً سهلاً ومصيدة جاهزة لشبكات الاستقطاب والتجنيد القسري.
لقد سعت الدوائر المستفيدة من استمرار الأوضاع إلى ضخ المليارات في تجميل وجه الخرطوم الافتراضي، محاولةً طمس آثار المأساة الإنسانية والنزوح والدمار الممنهج للبنى التحتية. بيد أن الحقيقة على الأرض تصرخ بعكس ذلك؛ فالمواطن البسيط الذي يعاني من أتون الحرب المستعرة يجد نفسه غارقاً في فراغ معيشي وأمني مطبق، حيث لا توجد مقومات للحياة سوى الخوف وانعدام الخدمات الأساسية وضنك العيش الذي لا يرحم.
ولا يمكن فصل هذا التردي الميداني عن الواقع الاقتصادي المتهالك الذي تعيشه البلاد؛ إذ تقف السياسات المالية والجبائية التي يقودها أنصار الحرب شاهدة، وفق هذا الطرح، على إدارة أزمة تقوم على المنفعة الضيقة وتثبيت أركان التحالفات السياسية الخاصة، بدلاً من الالتفات إلى معاناة المواطنين. واستمرت سياسات تكوين مراكز النفوذ والمصالح الحزبية الضيقة، مما أدى إلى جفاف تام في منابع الاقتصاد الحقيقي، وتحويل الاقتصاد إلى مجرد أداة لخدمة المستفيدين من «اقتصاد الحرب».
وفي قلب هذه المأساة تبرز، وفق المقال، المنهجية التي تعمل بها المنظومة العسكرية للجيش السوداني، حيث تتعمد هندسة التجفيف الاقتصادي للمواطنين عبر شل حركة الأسواق وتجفيف مصادر الدخل وقطع سبل العيش، وصولاً إلى إضعاف القدرة الشرائية ودفع الكتلة البشرية إلى حافة الإملاق والجوع المدقع.
وهذا الحصار المعيشي الممنهج، بحسب هذا الطرح، لم يكن عبثاً، بل وُظّف كأداة ضغط قسري لدفع الشباب والمواطنين المأزومين نحو خيار واحد: الالتحاق بمعسكرات التجنيد، قسراً أو طوعاً، تحت شعارات رنانة وفضفاضة مثل «معركة الكرامة».
وحين يفقد الإنسان كل مقومات البقاء وتتلاشى قدرته على إطعام أسرته، يتم استغلال ضعفه وحاجته عبر ابتزازه عاطفياً ووطنياً، ليتحول البائس من ضحية تبحث عن لقمة عيش إلى رقم جديد في دفاتر الاستقطاب والحروب العبثية.
إن الأزمة الهيكلية الأعمق التي تفاقم كل هذه التحديات تكمن، وفق رؤية المقال، في استمرار سيطرة المنظومة العسكرية، وما يصفه النص باختطافها لصالح تيارات حزبية شمولية، وفي مقدمتها الحركة الإسلامية التي أعادت تموضعها عبر واجهات متعددة للسيطرة على مفاصل القرار طيلة عقود.
ويرى المقال أن هذا التحالف بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية، بوصفها تياراً فكرياً وسياسياً، يجهض بشكل ممنهج أي أفق حقيقي للحل أو الانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية، ويجعل استمرار الحرب خياراً استراتيجياً لبقاء هذه النخب في السلطة، على حساب دماء السودانيين ووحدة ترابهم.
إن الخرطوم التي تكتوي بنيران الحرب والاستبداد، وفق رؤية المقال، لا تحتاج إلى مساحيق تجميل إعلامية ولا إلى وعود زائفة من جنرال أو منتفع، بل تحتاج إلى تفكيك جذري وشامل لآليات السلطة الحالية، ووقف نزيف الحرب، وتأسيس مشروع وطني مدني يعيد للإنسان السوداني كرامته وحريته المسلوبة.





