*حكاية الماضي التليد بين “نورة حميد ” وآفاق المجد الموعود*
*تابعت خلال الأيام الماضية مقالاً جميلاً لكاتب سوداني، كتب فيه عن السودان من زاوية قصيدة الشاعر الراحل محمد الحسن سالم حميد:*
*”ما عرفتِن نورة إنتن؟*
*قولن إنتن شن عرفتن؟”*
وأعترف أنني توقفت طويلاً عند هذه الكلمات.
ليس لأنني أريد أن أعيد كتابة ما كتبه هذا الكاتب، ولا لأنني أريد أن أكرر قراءته الجميلة لقصيدة حميد.
ولكن لأنني وجدت في *نورة* شيئاً آخر…
شيئاً يقودني إلى سؤال أكبر.
وأوسع.
وأشد وجعاً.
*من هي نورة؟*
في قراءته، كانت نورة هي السودان الجميل…
السودان الذي يعطي أكثر مما يأخذ.
والذي يحمل غيره على كتفيه، بينما ينسى أن يسأل عن نفسه.
السودان الذي يعمل…
ويزرع…
ويعلّم…
ويعطي…
ثم يعود آخر النهار إلى بيته مثقلاً بالتعب.
لكنني، وأنا أقرأ، وجدت نفسي أذهب أبعد من ذلك.
*قلت لنفسي:* *إذا كانت نورة هي السودان…*
فماذا حدث للسودان الذي عرفناه؟
ماذا حدث لذلك الوطن الذي كان له مكان بين الأمم؟
*للبلد الذي كان مواطنه السوداني يدخل عواصم العالم، فيُعرف قبل أن يتحدث؟*
ماذا حدث للمعلم السوداني الذي كان يحمل العلم إلى مدرسة بعيدة؟
وللطبيب الذي كان يذهب إلى بلد عربي أو إفريقي فيُستقبل باعتباره صاحب خبرة؟
وللقاضي…
والمهندس…
والإداري…
والدبلوماسي…
ولذلك المواطن البسيط الذي كان يحمل جوازه السوداني، ويحمل معه في الوقت نفسه *سمعة وطنه*؟
ماذا حدث للسودان الذي كانت له كلمة في إفريقيا؟
وفي العالم العربي؟
وفي المحافل الدولية؟
ماذا حدث لدولة كان دبلوماسيوها يجلسون في موائد العالم، ثم صار اسمها يرتبط بالعقوبات والعزلة والانقلابات والحروب؟
*متى بدأ الانحدار؟*
وأين أخطأنا؟
وهل كانت المشكلة في السودان نفسه؟
أم في الذين أداروا السودان؟
أم في أننا، في لحظة ما، فقدنا القدرة على أن نعيش مع اختلافاتنا كما كنا نفعل؟
ذلك هو السؤال الذي أريد أن أذهب إليه في هذا المقال.
لن أكتب عن نورة من جديد.
فقد كتب عنها جميل الفاضل بما يستحق القراءة.
ولن أعيد شرح قصيدة حميد.
لكنني سأستعير من نورة *السؤال فقط*…
ثم أتركها تمضي في طريقها.
وأمضي أنا في طريق آخر.
*طريق السودان…*
منذ أن كان يعرف نفسه.
ومنذ أن كان العالم يعرفه.
وحتى اليوم…
حين أصبح السوداني، في كثير من الأماكن، مضطراً إلى أن يشرح للعالم من هو.
*حين كان للسودان صوتٌ يسمعه العالم:*
كنت في مقالي الماضي *”البكاء على الأطلال ”* أكتب والدموع لا تفارقني، من السطر الأول حتى ختمت المقال بالدعاء أن تعود الخرطوم أجمل وأفضل مما كانت.
لكن الغصة لا تزال في الحلق…
والدموع لا تزال تسكن المآقي.
فكلما فتحنا صفحة من ذلك الماضي التليد، وقلّبنا فيها النظر، وجدنا أنفسنا نسأل السؤال ذاته: *كيف كنا؟*
*وكيف أصبحنا؟*
ولم يكن السودان يوماً مجرد بلدٍ يعيش على هامش العالم.
كان له صوت.
وكان له موقف.
وكانت له دبلوماسية تعرف كيف تتحدث، ومتى تتحدث، وماذا تقول.
كان السودان يعرف العالم…
وكان العالم يعرف السودان.
وفي الأمم المتحدة، وقف رجالٌ سودانيون يتحدثون باسم وطنهم، لا بارتباك الدول الصغيرة التي تبحث عن مكانٍ في الصف، وإنما بثقة دولة تعرف وزنها، وتعرف قضيتها، وتعرف ماذا تريد أن تقول.
ومن بين تلك الأصوات، يبرز اسم *محمد أحمد المحجوب*.
الشاعر.
والمفكر.
ورجل الدولة.
ووزير الخارجية الذي حمل قضية السودان إلى المنابر الدولية، وتحدث بلغةٍ إنجليزية رصينة، قوية، لا تنقصها الحجة ولا تفتقد شجاعة الموقف.
وفي واحدة من تلك اللحظات التي بقيت في الذاكرة السودانية، تحدث المحجوب عن المخاطر التي كانت تحيط بوحدة السودان، وعن خطر تمزيق وطنٍ واحد إلى أوطان.
ثم قال عبارته التي تختصر موقفه كله:
*No separation for one nation.*
ولم يقلها مرة واحدة…
بل كررها أمام المنصة ثلاث مرات.
*لا انفصال لوطنٍ واحد.*
كان المحجوب يتحدث يومها عن المستقبل.
وكان يرى ما قد يحدث إذا تمزقت البلاد.
وكان يحذر من أن الجرح الذي يبدأ سياسياً قد لا يتوقف عند السياسة، وأن الوطن الذي يفقد جزءاً منه لا يستطيع أن يخرج من التجربة كما دخلها.
لكن التاريخ كان يمضي في اتجاهٍ آخر.
مرت السنوات.
وتبدلت الحكومات.
وتوالت الانقلابات.
وتغيرت الخرائط السياسية.
وتراجعت قدرة الدولة على إدارة خلافاتها الداخلية.
ثم جاء اليوم الذي وقع فيه ما كان المحجوب يخشاه.
*وللأسف…*
*انفصل الجنوب.*
*ذلك الجنوب الذي ظل جزءاً من السودان الكبير لعقودٍ طويلة، أصبح دولةً مستقلة.*
وكانت تلك اللحظة واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في تاريخ السودان الحديث.
ليس لأن الانفصال حدث فقط…
بل لأن رجلاً كان قد حذر منه قبل عقود، وقف ذات يوم في قلب العالم يقول:
*لا انفصال لوطنٍ واحد.*
*ثم جاء الزمن ليقول لنا: لقد حدث الانفصال.*
وهنا لا نريد أن نحاكم التاريخ بالصراخ.
يكفينا أن نضع المشهدين جنباً إلى جنب.
*المحجوب…*
*ثم الانفصال.*
*التحذير…*
*ثم الحقيقة.*
*السودان الذي كان يتحدث بثقة في الأمم المتحدة، أصبح بعد سنواتٍ طويلة يتحدث من موقعٍ مختلف.*
بدأت الانقلابات العسكرية تتوالى.
واضطربت الحياة السياسية.
وتراجعت المؤسسات.
وتشابكت أزمات الداخل مع ضغوط الخارج.
ثم جاءت *العقوبات* *والمقاطعات* *والعزلة* *الدولية*، حتى وجد السودان نفسه في مرحلةٍ من تاريخه الحديثة *بعيداً عن كثيرٍ من المنابر التي كان صوته فيها مسموعاً.*
والأشد إيلاماً من ذلك كله…
*أن السودان لم يفقد جزءاً من أرضه فقط.*
*بدأ يفقد شيئاً من صورته.*
*ومن مكانته.*
*ومن قدرته على أن يكون ذلك البلد الذي يعرفه الآخرون ويحترمون موقفه، حتى عندما يختلفون معه.*
*وهنا ربما علينا أن نتوقف قليلاً.*
*فالسؤال ليس فقط: كيف تراجع السودان دبلوماسياً؟*
*إنما السؤال الأعمق:* *كيف تراجع السودان في أعين العالم، بينما ظل السوداني نفسه محتفظاً بصورةٍ مختلفة عن وطنه؟*
*لأن الدولة شيء…*
*والإنسان شيء آخر.*
وحين ضعفت الدبلوماسية الرسمية، لم يختف السوداني من العالم.
*بل خرج السودانيون إلى العالم يحملون وطنهم معهم.*
*ودخل المدارس والمستشفيات والمحاكم والجامعات ومؤسسات الدولة.*
*لم يكن يحمل علم السودان في حقيبته، لكن كثيرين عرفوا السودان من خلاله.*
جلس في مكاتب القرار.
وحمل سماعته الطبية.
ومسطرة المهندس.
وقلم المعلم.
وحذاء لاعب الكرة.
*ولم يكن يحمل معه علم السودان في حقيبته…*
لكن كثيرين عرفوا السودان من خلاله.
*كانت تلك هي* *الدبلوماسية الشعبية*.
دبلوماسية لا تحتاج إلى سفارة.
ولا إلى سيارة رسمية.
ولا إلى بدلة تحمل شارة الدولة.
*كان السوداني نفسه سفيراً لوطنه، أينما حل.*
*وحين كانت الدولة تتراجع خطوة*…
*كان المواطن السوداني يتقدم خطوة.*
*وحين كان الصوت الرسمي يخفت…*
*كان صوت الإنسان السوداني يظل حاضراً.*
وهنا تعود *نورة* إلى المشهد، ولكن ليس لكي نعيد ما كتبه ذلك الكاتب عنها، ولا لكي نكرر قصيدة حميد.
*فالسؤال الذي بدأ من نورة لم يعد سؤالاً عن امرأةٍ في قصيدة.*
لقد أصبح سؤالاً عن الإنسان السوداني نفسه.
*فمن حمل السودان عندما خرج من حدوده؟*
*من حمل صورته إلى العالم؟*
*من جعل الآخرين يعرفون السودان، قبل أن يعرفوا حكوماته؟*
*من كان سفيراً لهذا الوطن دون أن يحمل جوازاً دبلوماسياً؟*
ربما كان ذلك الطبيب السوداني الذي فتح عيادته في مدينةٍ خليجية.
وربما كان ذلك المعلم الذي دخل فصلاً صغيراً في مدرسةٍ لم يكن فيها أحد يعرف السودان.
وربما كان ذلك القاضي الذي حمل معه ميزان العدالة.
وربما كان ذلك المهندس الذي شارك في بناء مدينةٍ لم تكن قد اكتملت بعد.
وربما كان ذلك اللاعب الذي دخل ملعباً عربياً، فتعرف الناس من خلاله إلى بلدٍ اسمه السودان.
*وهكذا…*
لم يكن السودان غائباً تماماً.
*كانت دولته تتراجع أحياناً…*
*لكن شعبه كان يمشي إلى الأمام.*
*وهذه واحدة من المفارقات التي تستحق أن نكتب عنها.*
*السودان الذي فقد جزءاً من حضوره الرسمي، لم يفقد حضوره الإنساني.*
*بل ربما كانت الدبلوماسية الشعبية السودانية واحدة من أعظم الثروات التي امتلكها هذا البلد دون أن يعرف كيف يستثمرها.*
ومن هنا يمكن أن نفهم شيئاً آخر.
السودان لم يكن يوماً بلداً مغلقاً على نفسه.
كان بلداً تعرفه إفريقيا…
ويعرفه العالم العربي…
ويعرفه العالم أجمع.
*وكان له حضور في القارة الإفريقية، وفي الجامعة العربية، وفي الأمم المتحدة، وفي حركة عدم الانحياز، وفي المحافل الدولية.*
وكانت الخرطوم نفسها، في لحظةٍ من التاريخ العربي، مدينةً تستضيف القادة حين كانت المنطقة كلها تبحث عن موقف.
*خرطوم 1967.*
كلمتان، لكنهما تحملان وراءهما تاريخاً كاملاً…
*لا صلح.*
*لا اعتراف.*
*لا تفاوض.*
*اللاءات الثلاث التي خرجت من الخرطوم بعد نكسة يونيو، والتي جعلت من المدينة لحظةً سياسيةً فارقة في التاريخ العربي.*
*ولم تكن الخرطوم يومها مجرد مكانٍ اجتمع فيه القادة.*
*كانت هي التي تستضيف.*
*وكانت هي التي تجمع.*
*وكان السودان جزءاً من صناعة الموقف، لا مجرد متلقٍ له.*
*وهكذا كان السودان في ذلك الزمن:*
*صوتاً في إفريقيا.*
*وصوتاً في العالم العربي.*
*وصوتاً في العالم.*
*ثم بدأ كل شيء يتغير…*
*ببطءٍ في البداية.*
*ثم بسرعة.*
*حتى أصبح السؤال الذي يطاردنا اليوم ليس:*
*ماذا كان السودان يقول للعالم؟*
*بل:*
*ماذا بقي للعالم أن يسمعه من السودان؟*
*ومع ذلك…*
لا أريد أن أكتب هذه السطور لأرثي السودان.
*لقد بكينا بما يكفي.*
*وما زال في القلب متسعٌ لدمعةٍ أخرى…*
لكن خلف الدموع سؤالاً أكبر.
*هل انتهت الحكاية؟*
*أم أن السودان الذي عرفه العالم يوماً، ما زال موجوداً في مكانٍ ما داخل هذا الشعب؟*
في طبيبه…
في معلمه…
في قاضيه…
في مهندسه…
في لاعبه…
*وفي نورة نفسها.*
تلك المرأة التي ربما لم تدخل قاعة الأمم المتحدة يوماً…
*لكنها حملت وطناً كاملاً على كتفيها.*
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لأننا إذا أردنا أن نفهم كيف فقد السودان صوته…
*علينا أن نعرف أولاً:* *كيف كان هذا الصوت عظيماً؟*
*وماذا كان السودان يملك، حين كان يتحدث العالم إليه…*
*ويصغي العالم إليه؟*
*”ولم تكن تلك الدبلوماسية الشعبية حكراً على مكاتب التعليم والمستشفيات والملاعب… بل تطاولت قممها لتبلغ أعنان السماء ووكالات الفضاء!*
من يستحضر اسم السودان، لا يملك إلا أن يقف إجلالاً أمام عقولٍ باهرة أوجدت لنا موطئ قدم في أعلى المراجع العلمية؛
*كالعالمة والبروفيسورة ‘وداد المحبوب’* التي أضاءت أبحاثها الفلكية ممرات وكالة ‘ناسا’ الفضائية.
*والبروفيسور التجاني الماحي* رائد الطب النفسي الإفريقي والعربي.
*والبروفيسور عبد الله الطيب* الذي أذهل معاهد الشرق والغرب ببلاغته وموسوعيته.
*والأديب الخالد الطيب صالح* الذي حمل شجون القرية السودانية ليضعها في صدارة الأدب العالمي.
*رجالٌ وعالماتٌ لم ينتظروا قرار وزير ولا جلباباً رسمياً.*
*بل كانوا هم المصل والوقاية، ورسالة الوطن المكتوبة بمداد المجد إلى العالم.*
*ثم علينا أن نسأل السؤال الأصعب:* *كيف يمكن لهذا الصوت أن يعود؟*
ربما لا نحتاج إلى إجابةٍ معقدة كما نظن.
فالسودان الذي عرفناه لم يكن قوياً لأنه كان متشابهاً.
كان قوياً لأنه كان *متعدداً*.
*قبائل.*
*وثقافات.*
*ولغات.*
*وأديان.*
*وأقاليم.*
*وألوان من الناس…*
*اجتمعت، رغم كل خلافاتها، تحت اسمٍ واحد:*
*السودان.*
وربما يكون مفتاح المستقبل موجوداً في تلك الحقيقة القديمة نفسها.
*أن نتعلم كيف نعيش معاً من جديد.*
*السودان الذي كان يعرف كيف يجمع أبناءه:*
إذا كان السودان قد فقد شيئاً من صوته في العالم، فإن السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو:
*هل فقد السودان، في الوقت نفسه، قدرته على أن يسمع أصوات أبنائه؟*
ربما هنا تبدأ الحكاية من مكانٍ آخر.
من الداخل.
من السودان نفسه.
فالسودان الذي عرفناه لم يكن قوياً لأنه كان متشابهاً، بل كان قوياً لأنه كان متعدداً.
لم يكن شعباً واحداً من لونٍ واحد، ولا قبيلةً واحدة، ولا ثقافةً واحدة، ولا لغةً واحدة.
*كان السودان، منذ وقتٍ طويل، اجتماعاً بشرياً هائلاً.*
تلتقي فيه أشياء كثيرة…
وتختلف فيه أشياء أكثر.
قبائل جاءت من الشمال…
وأخرى من الغرب…
وأخرى من الشرق…
ومجموعات عاشت في الوسط، وعلى ضفاف النيل، وفي السهول، وفي الجبال، وفي البادية، وفي المدن.
عرب…
وبجا…
ونوبيون…
ونوبة…
وفور…
ومساليت…
وزغاوة…
وبرنو…
وبرقو…
ومسيرية…
ومجانين…
وجوامعة…
وكبابيش…
وشايقية…
وجعليين…
ودناقلة…
ورفاعة…
وكنانة…
وبديرية…
وعشرات وعشرات من المجموعات الأخرى.
*وكان بينهم اختلاف في اللغة أحياناً…*
*وفي اللهجة…*
*وفي العادات…*
*وفي أنماط الحياة…*
*وفي الملبس…*
*وفي الطعام…*
*وفي الأرض التي عاشوا عليها.*
*لكن كل ذلك لم يمنع شيئاً واحداً:* *أن يكونوا، في النهاية،* *سودانيين*.
وهذه الحقيقة تبدو اليوم بسيطة إلى درجة أننا نكاد لا ننتبه إلى عظمتها.
*لأننا نعيش في زمنٍ صار فيه السؤال عن أصل الإنسان أحياناً أهم من السؤال عن إنسانيته.*
*وصار بعض الناس يسألون: من أي قبيلة أنت؟*
*قبل أن يسألوا: من أنت؟*
*وصار الانتماء، الذي كان يمكن أن يكون مساحةً للمحبة والذاكرة والاعتزاز، يتحول أحياناً إلى جدار.*
وهنا تبدأ المأساة.
فالقبيلة لم تكن هي المشكلة.
والتنوع لم يكن هو المشكلة.
والاختلاف لم يكن يوماً عيباً في السودان.
*المشكلة بدأت عندما دخلت السياسة إلى هذا التنوع، لا لكي تديره بعدالة، وإنما لكي تستخدمه.*
*وحين اكتشف السياسي أن القبيلة يمكن أن تكون صندوق أصوات…*
*وأن المنطقة يمكن أن تكون خزاناً للمقاتلين…*
*وأن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى وقود…*
بدأ شيء عميق في بنية المجتمع السوداني يتغير.
*لم يعد السؤال: كيف نعيش معاً؟*
*بل بدأ يصبح: من معنا؟*
ومن ضدنا؟
ومن ينتمي إلينا؟
ومن لا ينتمي؟
ومن يستحق؟
ومن لا يستحق؟
*ثم جاءت سنوات طويلة من الانقلابات والصراعات والحروب، وتداخلت فيها السياسة بالجهوية، والسلطة بالقبيلة، والمركز بالأطراف، والهوية بالخوف.*
وفي كل مرة كان الوطن يدفع الثمن.
ليس فقط من أرضه.
ولا من اقتصاده.
ولا من مؤسساته.
بل من *صورته عن نفسه*.
*وهذه ربما كانت الخسارة الأكبر.*
لأن الوطن يستطيع أن يعيد بناء شارعٍ تهدم.
ويمكنه أن يعيد تشغيل مصنعٍ توقف.
ويمكنه أن يعيد بناء مدرسةٍ احترقت.
*لكن كيف يعيد بناء الثقة بين إنسانٍ وإنسان؟*
كيف تقنع سودانياً بأن السوداني الذي يقف أمامه ليس غريباً عنه؟
*كيف تعيد إلى القبيلة مكانها الطبيعي باعتبارها ذاكرةً اجتماعية وانتماءً ثقافياً، لا بطاقةً تمنح صاحبها حقاً في الوطن وتحرم الآخر منه؟*
وهنا نصل إلى سؤال شديد الحساسية…
لكنه لا بد أن يُطرح.
*متى بدأ السوداني في الشك في سودانية السوداني الآخر؟*
ربما لم يبدأ ذلك في يومٍ واحد.
وربما لم يكن له تاريخ محدد يمكن أن نضع تحته خطاً.
لقد كان تراكمات.
سياسةً فوق سياسة.
وحرباً فوق حرب.
وخطاباً فوق خطاب.
*حتى أصبحت بعض الكلمات التي كان يمكن أن تمرّ على مسامع السودانيين باعتبارها مجرد أوصاف، تتحول مع الزمن إلى تهم.*
وهكذا أصبح الإنسان يُختصر أحياناً في قبيلته.
أو في منطقته.
أو في لون بشرته.
أو في لهجته.
أو في المكان الذي ولد فيه.
*وكأن كل ذلك يستطيع أن يلغي الحقيقة الأولى: أنه سوداني.*
لكن التاريخ نفسه يقف هنا شاهداً علينا.
*فإذا أردنا أن نعرف كيف كان السودان يرى نفسه قبل أن تتكاثر حوله هذه الجدران، فعلينا أن نعود إلى واحدة من أكثر الوثائق إثارةً للاهتمام في تاريخ الدولة السودانية.*
وثيقة لم يكتبها شاعر.
ولا سياسي.
ولا ناشط.
ولا خصم لقبيلة أو مؤيد لها.
*بل كتبتها الدولة نفسها*.
*في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وقبل الاستقلال مباشرة، أُجري أول تعداد سكاني شامل في السودان، في 1955/1956.*
*وكان ذلك التعداد أكثر من مجرد عدٍّ للسكان.*
*لقد حاول أن يرسم صورةً للمجتمع السوداني كما كان موجوداً في ذلك الوقت، وسجل مئات المجموعات القبلية ضمن تصنيفات أكبر. وتشير المصادر التي تناولت التعداد إلى تسجيل* * 597 مجموعة قبلية ضمن 56 مجموعة رئيسية*.
وهنا تصبح الوثيقة مثيرةً ليس بسبب أرقامها فقط…
*بل بسبب السؤال الذي تتركه لنا بعد أكثر من سبعين عاماً.*
ففي ذلك الزمن، كانت الدولة تنظر إلى هذا المجتمع المتنوع…
وتسجله…
وتعده…
وتضع أسماء مجموعاته في وثيقة رسمية.
لم تقل له:
*أنت سوداني أكثر من هذا.*
*وأنت سوداني أقل من ذاك.*
ولم تكن الهوية الوطنية بحاجة إلى محكمةٍ تمنح هذا شهادةً بالسودانية، وتحجبها عن ذاك.
*بل كان السودان، بكل تعقيده، موجوداً أمام الدولة.*
*كما هو.*
بكل تنوعه.
بكل اختلافاته.
بكل أسمائه.
وهنا يصبح السؤال الذي سنعود إليه بعد قليل أكثر إلحاحاً:
*إذا كانت الدولة السودانية نفسها قد جلست، قبل أكثر من سبعين عاماً، إلى هذا المجتمع المتنوع وسجلت أبناءه ومجموعاته، فمن نحن اليوم حتى نعيد تعريف السودان على مقاس الحرب؟*
*ومن نحن حتى نقرر أن هذا سوداني…*
*وذاك ليس سودانياً بما يكفي؟*
ومن نحن حتى نحول القبيلة من ذاكرةٍ اجتماعية إلى جواز مرور؟
ومن نحن حتى نسمح للحرب بأن تفعل ما لم تستطع أن تفعله الجغرافيا ولا القرون؟
أن تفصل السوداني عن السوداني؟
لقد كان السودان متعدداً قبل أن تكون لدينا كل هذه الأحزاب.
وقبل كل هذه الانقلابات.
وقبل كل هذه الحروب.
وقبل أن تصبح الهوية نفسها ساحةً للقتال.
ولذلك فإن التعدد ليس شيئاً نحتاج إلى اختراعه اليوم.
*إنه موجود قبلنا.*
*نحن فقط بحاجة إلى أن نتعلم كيف نحميه.*
*وهنا أعود إلى نورة مرة أخرى.*
فالمرأة التي حملت ما يكفيها من أثقال الحياة، لم تكن تسأل عن السودان بوصفه خريطةً مرسومة على الورق.
كانت تمثل الإنسان.
ذلك الإنسان الذي يعمل…
ويزرع…
ويحمل…
ويصبر…
ثم يريد في النهاية شيئاً بسيطاً:
أن يعيش.
أن يأمن.
أن يجد مكاناً له ولأبنائه.
أن يعرف أن جاره، مهما اختلف عنه، ليس عدوه.
وأن القبيلة التي ينتمي إليها ليست سبباً لكي يخاف من قبيلة أخرى.
وربما لهذا فإن *التعايش* الذي نبحث عنه اليوم ليس فكرةً مستوردة.
وليس شعاراً سياسياً جديداً.
إنه، في جوهره، محاولة للعودة إلى شيء عرفه السودان قبل أن ننساه.
أن يكون الاختلاف ممكناً…
دون أن يصبح الاختلاف حرباً.
وأن يكون الانتماء إلى القبيلة ممكناً…
دون أن يصبح الانتماء إليها نفياً للآخر.
*وأن يستطيع السوداني أن يقول: أنا من هذه القبيلة…*
*وفي الوقت نفسه: أنا سوداني.*
دون أن يشعر أن عليه أن يختار بين الاثنين.
فالسودان لا يحتاج إلى سوداني واحد يشبه الجميع.
*السودان يحتاج إلى سودانيين مختلفين، يعرفون أنهم جميعاً ينتمون إلى وطنٍ واحد.*
وهنا ربما تكون المسألة أعمق مما تبدو.
فالوطن ليس أن نتشابه.
*الوطن أن نختلف…*
*ثم لا نقتل بعضنا بسبب اختلافنا.*
أن نختلف في السياسة…
*ولا نختلف في حق بعضنا في الحياة.*
أن تختلف القبائل…
*ولا تختلف في حقها جميعاً في الوطن.*
أن تختلف الأقاليم…
*ولا تتحول حدود الجغرافيا إلى حدودٍ للكرامة.*
أن تختلف الأفكار…
*ولا يصبح صاحب الفكرة الأخرى عدواً يجب التخلص منه.*
لم يكن تعدد السودان هو أزمته.
*إنما عجزنا عن تحويل هذا التعدد إلى قوة هو أزمتنا.*
وربما لهذا السبب بالذات، فإن العودة إلى السودان لن تبدأ فقط من إعادة بناء الخرطوم.
ولا من إصلاح الطرق.
ولا من تشغيل المصانع.
ولا من إعادة فتح المدارس.
كل ذلك مهم.
لكن هناك بناءً أسبق من كل ذلك.
*أن نعيد بناء الإنسان السوداني في عيني أخيه السوداني.*
أن نعيد إليه اليقين بأن هذا الوطن يتسع لهما معاً.
وأن السودان ليس ملكاً لقبيلة.
ولا لحزب.
ولا لإقليم.
ولا لطائفة.
ولا لجماعةٍ تحمل السلاح.
*السودان أكبر من كل ذلك.*
وهنا تبدأ الوثيقة القديمة في الكلام مرة أخرى.
ليس بالأرقام فقط…
وإنما بالأسماء.
أسماء جماعات ومجموعات كانت موجودة في السودان يوم كان الوطن نفسه يستعد للخروج من مرحلة الاستعمار إلى مرحلة الدولة المستقلة.
وحين نقرأ بعض هذه الأسماء اليوم، ثم نضع أمامها ما يقال عن السودانية في زمن الحرب، نشعر بأن هناك شيئاً غير طبيعي قد حدث.
*نحن لم نكتشف السودان اليوم.*
السودان كان يعرف نفسه منذ زمن.
لكننا نحن الذين نسينا.
ولهذا سنفتح، في الفقرات التالية، تلك الوثيقة القديمة مرة أخرى…
لا لكي نغرق في الأرقام.
بل لكي نترك *الأرقام نفسها تتحدث*.
فخلف كل رقم…
إنسان.
وخلف كل اسم قبيلة…
تاريخ.
وخلف كل مجموعة…
سودانيون كانوا هنا.
قبل الحرب.
وقبل الكراهية.
وقبل أن يصبح الوطن سؤالاً.
وهنا…
*ربما تبدأ الوثيقة في هزيمة النسيان.*
*حين تكلمت الوثيقة… ولم تكذب:*
ربما أجمل ما في بعض الوثائق القديمة أنها لا تعرف كيف تجامل.
لا تبكي.
ولا تغضب.
ولا تدافع عن أحد.
ولا تكره أحداً.
فقط…
تقول ما كان.
ولهذا ربما علينا أن نعود، مرة أخرى، إلى ذلك التعداد الذي جرى في السودان في 1955/1956.
لم يكن السودان يومها قد دخل بعد في كل الدوائر التي ستقوده لاحقاً إلى الانقلابات والحروب الطويلة.
كان السودان يقف على عتبة الاستقلال.
وكانت الدولة الجديدة تستعد لأن تعرف نفسها.
فجلست إلى شعبها…
وسألته:
من أنتم؟
وأين أنتم؟
وكم عددكم؟
*وسجلت ما استطاعت تسجيله.*
كان ذلك أول تعداد سكاني شامل للسودان، وأصبح لاحقاً واحداً من أهم السجلات الإحصائية في تاريخ الدولة السودانية.
*لكنني لا أريد أن أتناول التعداد هنا باعتباره جدولاً إحصائياً.*
فالجدول يهم الباحث.
*أما نحن، فيهمنا شيء آخر.*
ما الذي تقوله هذه الوثيقة عن السودان؟
*تقول لنا، ببساطة، إن هذا الوطن الذي نتنازع اليوم حول من ينتمي إليه، كان منذ أكثر من سبعين عاماً يعرف نفسه باعتباره مجتمعاً شديد التنوع.*
*وكانت الدولة تعرف ذلك.*
وتسجله.
وتوثقه.
وتضعه في أوراقها الرسمية.
ولهذا فإن العودة إلى تلك الأوراق اليوم ليست عودة إلى الماضي من أجل الماضي.
إنها عودة إلى ذاكرة المواطنة نفسها.
فحين نقرأ أسماء المجموعات التي سجلها ذلك التعداد، ثم نتذكر ما يقال اليوم عن بعض أبناء السودان، نشعر بأن التاريخ يضع أمامنا مرآة قاسية.
مرآة لا تستطيع الحرب أن تكسرها.
ولا يستطيع خطاب الكراهية أن يمحو ما كتب فيها.
فالسودان لم يبدأ يوم اندلعت هذه الحرب.
ولم يولد السوداني يوم حمل السلاح.
ولم تبدأ سودانية الإنسان من موقفه السياسي.
هناك سودان كان موجوداً قبل كل ذلك.
وهناك سودانيون كانوا هنا…
وكانوا سودانيين.
ولذلك، حين نجد في الوثائق القديمة أسماء مجموعات وقبائل كثيرة، فإننا لا نقرأ مجرد أسماء.
نحن نقرأ شهادة تاريخية لوطن كامل.
نقرأ السودان كما كان.
لا كما تريد الحرب أن ترسمه.
ولا كما يريد خطاب الكراهية أن يعيد تعريفه.
ولا كما يريد هذا الطرف أو ذاك أن يختصره.
*ومن بين الأسماء التي تظهر في تلك الذاكرة القديمة، نجد أسماءً يعرفها السودانيون جيداً.*
بل تشمل كل أسماء القبائل السودانية التي تتحرك في التراب السوداني اليوم بلا استثناء ولو كانت ممثلة بمجموعات صغيرة لا تتعدى عدة آلاف، فكلهم سودانيون، وكانت الدولة تعرف أنهم سودانيون.
وكان الوطن يتسع لهم جميعاً.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
*إذا كانت الدولة السودانية قد سجلت هؤلاء جميعاً في وثيقتها الرسمية، فمن نحن اليوم حتى نأتي بعد أكثر من سبعين عاماً لنمنح بعضهم شهادة المواطنة، ونحجبها عن بعضهم؟*
*من نحن حتى نقول: هذا سوداني…*
*وذاك ليس سودانياً بما يكفي؟*
*من نحن حتى نقرر أن قبيلةً ما هي «الأصل»، وأن أخرى ضيفٌ على وطنها؟*
*من نحن حتى نجعل تاريخاً عمره قرون يخضع لمزاج بندقية؟*
إن الحرب قد تستطيع أن تهدم بيتاً.
وقد تحرق قرية.
وقد تقتل إنساناً.
*لكنها لا تستطيع أن تعيد كتابة التاريخ.*
والتاريخ هنا لا يقف معنا ولا ضدنا.
*إنه فقط يقول: كان هؤلاء هنا.*
وكان هؤلاء جزءاً من السودان.
وهذا وحده كافٍ.
بل إن الأمر لا يتوقف عند القبائل التي نعرفها في غرب السودان أو شرقه أو وسطه أو شماله او جنوبه.
فالتعداد نفسه يعكس مجتمعاً واسع التنوع في اللغات والثقافات والمناطق.
وهنا تتضح الصورة أكثر.
السودان لم يكن مشروعاً قبلياً كبيراً يبحث عن قبيلة تجمعه.
كان مجتمعاً متعدداً يبحث عن دولة عادلة تجمعه.
وهذا فرق هائل.
فالقبيلة كانت موجودة قبل الدولة.
واللغة كانت موجودة قبل الدولة.
والثقافة كانت موجودة قبل الدولة.
والجغرافيا كانت موجودة قبل الدولة.
*لكن الدولة جاءت لتقول لكل هؤلاء: أنتم جميعاً السودان.*
وهنا كانت المهمة الحقيقية.
ليست أن تجعل الناس متشابهين.
بل أن تجعل اختلافهم آمناً.
أن تجعل المسيري مسيرياً…
والمسلاتي مسلاتياً…
والمجنوني مجنونياً…
والنوبي نوبياً…
والبجاوي بجاوياً…
والفوراوي فوراوياً…
*وفي الوقت نفسه: سودانياً.*
وهذه الكلمة الأخيرة هي التي يجب ألا نخسرها.
لأننا إذا خسرناها…
فلن يبقى من الوطن إلا أسماء متجاورة.
قبيلة هنا.
وقبيلة هناك.
وإقليم هنا.
وإقليم هناك.
وذاكرة تتهم ذاكرة.
وجغرافيا تخاف من جغرافيا.
*ثم نسأل بعد ذلك: لماذا انهار السودان؟*
*ربما لأننا حاولنا أن نجعل الاختلاف مشكلة…*
*بدلاً من أن نجعل منه ثروة.*
وربما لأننا تأخرنا كثيراً في بناء الدولة التي تستطيع أن تجعل كل سوداني يشعر بأن الوطن له كما هو للآخر.
لكن الوثيقة القديمة تعطينا درساً آخر.
درساً لا علاقة له بالحرب.
ولا بالسياسة.
ولا بالخطابات.
*إنها تقول لنا: كان السودان متعدداً قبل أن نختلف حول تعدده.*
ولهذا فإن العودة إلى السودان لا تعني العودة إلى سودانٍ أبيض وأسود.
ولا إلى سودانٍ يبحث عن نسخة واحدة من نفسه.
العودة الحقيقية هي أن نعيد اكتشاف السودان الذي كان يعرف أن له وجوهاً كثيرة…
لكن له اسماً واحداً.
*السودان.*
وهنا، للمرة الأولى، أشعر أن الوثيقة التي بدأنا بها لم تعد مجرد وثيقة.
أصبحت وجوهاً.
وأصبحت قرى.
وأصبحت بيوتاً.
وأصبحت أمهاتٍ يحملن أطفالهن.
ورجالاً يسوقون ماشيتهم.
ومزارعين يزرعون الأرض.
وشباباً كانوا يحلمون بحياة بسيطة.
كل اسم ظهر في تلك الوثيقة كان وراءه إنسان.
وكان له بيت.
وكان له أب.
وكانت له أم.
وكان له حلم.
وربما كان له حفيد يعيش اليوم، ولا يعرف أن جده كان يوماً اسماً في وثيقة رسمية عمرها أكثر من سبعين عاماً.
وهنا تتحول الوثيقة إلى شيء آخر.
*تصبح ذاكرة.*
*وتصبح الأسماء شاهداً على أن السودان لم يكن يوماً ملكاً لأحد وحده.*
*كان ملكاً لكل الذين عاشوا فيه.*
ولكل الذين زرعوا أرضه.
ولكل الذين حملوا لبنه.
ولكل الذين علموا أبناءه.
ولكل الذين دافعوا عنه.
ولكل الذين ماتوا وهم يظنون أن أبناءهم سيعيشون في وطنٍ أفضل.
*ولهذا…*
فإن أخطر ما يمكن أن نفعله اليوم ليس أن نختلف.
فالاختلاف طبيعي.
بل أن ننسى.
أن ننسى أن الآخر كان هنا قبل أن تبدأ الحرب.
وأن ننسى أن اسمه كان في دفاتر الدولة.
وأن ننسى أن أجداده كانوا جزءاً من هذا الوطن.
وأن ننسى أن السودان لم يكن يوماً قبيلة واحدة.
وهنا أفهم أخيراً لماذا كان لابد أن نمر عبر هذه الوثيقة قبل أن نصل إلى الحديث عن المستقبل.
لأن المستقبل الذي لا يعرف ماضيه…
يمكن أن يعيد أخطاءه.
أما المستقبل الذي يعرف من كان السودان…
*فيمكنه أن يعيد بناءه.*
.




