مع تصاعد حدة المعارك ووصولها لمناطق كانت تُصنَّف سابقاً كمناطق آمنة، بدأت واجهات إعلام الجيش تتحدث عن وقف لإطلاق النار وتسريبات عن مفاوضات سرية.. في الظاهر تبدو هذه التحركات وكأنها انفراجة إنسانية، لكن في الجوهر هي محاولة مكشوفة لإعادة التقاط الأنفاس وترتيب الأوراق استعداداً لجولة جديدة من التصعيد..
اليوم، يحاول الجيش شراء الوقت إنه لا يسعى للسلام، بل لحرب أخرى أكثر شراسة.. التفاوض السري أو الهدنة التي يروّج لها ليست سوى استراحة محارب خاسر يتطلع إلى دعم دولي جديد من دول الإرهاب، وربما يسعى لإمتلاك سلاح نوعي يحاول به تغيير موازين الميدان ويبعد عنه أذى المسيرات التي ألحقت به خسارة هائلة للأسلحة التي وصلت حديثاً إلى شط البحر فاحترقت بين يابسة مخازن القواعد العسكرية وملح البحر.. وسلاسل إمداد لوجستي استمر سعيرها ما يقارب الأسبوع…
حديث واجهات إعلام الجيش عن مفاوضات سرية غير أنه مكسب للوقت فهو أيضاً دخان إعلامي يُستخدم لتضليل الرأي العام المحلي والدولي، ولخلق انطباع بوجود نية حقيقية للحل السياسي..
ما يُراد من هذه التلميحات عن “تفاوض” ليس وقف الحرب، بل إدارتها وفق إيقاع جديد يفرضه الطرف الذي فشل في الجولة الأولى.. ولذلك، فإن التعاطي مع هذه الدعوات يجب أن يكون بحذر بالغ، وفهم عميق للنية الحقيقية الكامنة خلفها.. ويُحمد للدعم السريع أنه فهم كيد الجيش وأعلن عن لا تفاوض سراً أو علناً مع الإرهاب..
الذي يسرب للإعلام فرية التفاوض، ذاته من ظن أن الحسم سيكون سهلاً، وأدرك الآن أنه أمام معركة طويلة ومعقّدة، وأن من يواجههم ليسوا مجرد خصوم عابرين، بل أصحاب قضية وصمود.. وما يحتاجه اليوم ليس فقط سلاحاً، بل رواية جديدة لتبرير إخفاقاته، وهذه الرواية تبدأ من “تفاوض سري” “هدنة مشروطة” ستنتهي بجولة أكثر دموية يجهز لها تحت سماء خالية من الدخان..
بورتسودان التي أُستهدفت وتستهدف الآن هي مهرب قادة الجيش ورؤوس الفتنة بالحركة الإسلامية ولم تكن مجرد ملاذ آمن للسلطة بعد هزيمتهم في الخرطوم، بل كانت ملحقاً سياسياً ومنصة لتصدير خطاب “الدولة”.. واستهداف أهداف عسكرية ولوجستية داخلها كشف هشاشة الرهان على الجغرافيا كخط دفاع أخير..
منذ الساعات الأولى تعاطى إعلام الدولة القديمة مع الحرب بوصفها معركة محسومة، حرب “ساعات” لا أكثر.. أو قل أيام غير أن الميدان رسم صورة أخرى: مقاومة صلبة، تفكك إداري، وضربات موجعة طالت العمق السياسي والعسكري لمعسكر البرهان. والآن، بعد أن بدأت الأرض تضيق حتى في بورتسودان، بدأت الأبواق الإعلامية تلوّح بشيء جديد: مفاوضات سرية..
إن من يُلمّح للمفاوضات عبر إعلامه، عليه أولاً أن يعترف بأن المعركة لم تكن نزهة، وأن “النصر السريع” كان سراباً.. وعليه أيضاً أن يخرج من عباءة التحالفات العقائدية التي اختطفت قرار الجيش، وأدخلت البلاد في نفق دموي طويل..
بعدها لكل “حدس حديس”.





