رأي

عمار سعيد يكتب : أفريقيا خارج احتكار بورتسودان… حكومة السلام أمام اختبار الدبلوماسية والمساءلة

كاتب وباحث في الشأن السياسي السوداني

لم تنجح سلطة بورتسودان في إغلاق باب التحقيق الدولي في حرب السودان. قرار مجلس حقوق الإنسان تمديد ولاية البعثة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق عاماً إضافياً، بتأييد 28 دولة مقابل رفض عشر دول وامتناع تسع، أبقى ملف الانتهاكات مفتوحاً، وأكد أن استمرار الحرب لا يمنح أطرافها فرصة دفن الأدلة تحت ركام المدن وذاكرة الضحايا. وفي تقديري، تحمل هذه النتيجة دلالة سياسية تتجاوز التجديد الإجرائي: ثمة حدود لقدرة بورتسودان وحلفائها على فرض روايتهم على العالم.

المشكلة في خطاب بورتسودان أنها تريد الاستفادة من موقعها في المؤسسات الدولية، ثم ترفض مقتضيات التعاون مع آليات تلك المؤسسات حين تقترب من ملفات الانتهاكات. ترفع السيادة في مواجهة التحقيق، بينما السيادة مسؤولية عن حماية الإنسان وصون حقوقه. وأي سلطة تعترض على الوصول المستقل إلى الضحايا ومواقع الجرائم تضع نفسها أمام سؤال لا تجيب عنه البيانات الغاضبة: كيف تطلب الثقة في روايتها، وتحجب الوسائل التي تتيح اختبارها؟

لا تحمي السيادة من المسؤولية، ولا تتحول مؤسسات الدولة إلى ملكية خاصة لمن استولى على قرارها. ومن حق السودانيين معرفة من قصف منازلهم، ومن اعتقل أبناءهم، ومن هجّرهم، ومن موّل الجرائم وسهّل ارتكابها. هذا الحق يسبق مصالح الأطراف المتحاربة وحسابات حلفائها.

لكن أكثر ما يستحق التوقف عنده في التصويت هو الموقف الأفريقي. فقد انضمت غامبيا ومالاوي وموريشيوس، للمرة الأولى، إلى جنوب أفريقيا في تأييد استمرار البعثة. هنا يتراجع الأساس السياسي للحجة التي تصور التحقيق الدولي باعتباره استهدافاً غربياً للسودان؛ فدول أفريقية اختارت أن تقف إلى جانب استمرار تقصي الحقيقة والمساءلة.

هذا تطور ينبغي قراءته بحجمه الحقيقي. تأييد البعثة لا يمثل اعترافاً دبلوماسياً بحكومة السلام، لكنه يفتح أمامها مساحة للعمل، ويضعف محاولات اختزال الموقف الأفريقي في خطاب بورتسودان. والفرصة المتاحة لتحالف السودان التأسيسي هي أن يخاطب هذه المساحة بمشروع سياسي واضح، والتزامات يمكن التحقق منها، وعلاقة مباشرة مع المؤسسات الأفريقية.

أما الامتناع الأفريقي عن التصويت، فلا أراه حكماً نهائياً ضد التحقيق أو حكومة السلام. أرجّح أن تفضيل بعض الدول للمعالجة عبر مؤسسات الاتحاد الأفريقي يشكل أحد دوافعه، مع ضرورة التمييز بين هذا التقدير السياسي وبين الموقف المعلن لكل دولة. والقارة لديها بالفعل مسارها للتحقيق؛ فقد مددت اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب ولاية بعثتها المشتركة لتقصي الحقائق عاماً إضافياً، ودعت جميع الأطراف إلى ضمان الوصول الآمن والمستقل والسري إلى الأشخاص والمواقع والمعلومات.

ومن هنا، فإن التعامل مع الدول الممتنعة باعتبارها خصوماً سيكون خطأ دبلوماسياً. المطلوب فهم حساباتها ومخاطبة أولوياتها، وإثبات أن التعاون مع البعثة الدولية يعزز العمل الأفريقي. وقد أصدرت البعثتان الدولية والأفريقية بياناً مشتركاً بشأن الحرب، بما يؤكد وجود أساس عملي للتنسيق بينهما. وعلى حكومة السلام أن تبني على هذا الأساس، وتعرض تعاوناً متساوياً مع المسارين.

حتى التصويت الرافض لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لقطع التواصل. تجربة بوروندي تقدم مثالاً مهماً: فبحسب البيان المنشور لتحالف تأسيس، استقبل الرئيس إيفاريست ندايشيميي، بصفته رئيس بوروندي ورئيس الاتحاد الأفريقي، وفداً من حكومة السلام برئاسة وزير شؤون مجلس الوزراء إبراهيم الميرغني، وبمشاركة البروفيسور القوني مصطفى. وتسلم رسالة من رئيس المجلس الرئاسي محمد حمدان دقلو، وناقش مع الوفد رؤية تأسيس لإنهاء الحرب.

قيمة هذا اللقاء أنه أتاح عرض الرؤية مباشرة أمام قيادة أفريقية مؤثرة. فالموقف من قرار حقوقي محدد لا يغلق بالضرورة أبواب الحوار السياسي، كما أن الاستقبال لا يكفي وحده لإثبات الاعتراف. وبين الأمرين توجد مساحة واسعة تحتاج إلى متابعة واتصالات ومقترحات عملية. النجاح الدبلوماسي يُقاس بما يبنى بعد اللقاء: هل نشأت قناة مستمرة؟ هل وصلت الرؤية إلى مؤسسات صنع القرار؟ وهل تحولت الاتصالات إلى خطوات تساعد على حماية المدنيين وإنهاء الحرب؟

وفي السياق نفسه، تحمل التحركات المشار إليها نحو توغو أهمية تتصل بتوسيع دائرة التواصل السياسي والاقتصادي. حكومة السلام تحتاج إلى علاقات أفريقية تتجاوز شرح موقفها من الحرب، وتصل إلى بحث الخدمات والتجارة والتعاون المصرفي وإعادة بناء الحياة المدنية. فالعواصم الأفريقية ستتعامل بجدية أكبر مع مشروع يستطيع الإجابة عن احتياجات الناس، إلى جانب تقديم رؤية لتسوية الصراع.

غير أن الانفتاح الدبلوماسي يضع حكومة السلام أمام اختبار واضح: تحويل استعدادها المعلن للتعاون مع التحقيق إلى إجراءات ملزمة. الدعوة إلى زيارة مناطق إدارتها يجب أن تقترن بضمانات مكتوبة لحرية الحركة، وسرية المقابلات، وحماية الشهود من الانتقام، والوصول إلى المواقع والسجلات ذات الصلة، ومنع تدخل الأجهزة السياسية والعسكرية في عمل المحققين.

وهنا تتحدد قوة الموقف الأخلاقي لتحالف تأسيس. دعم المساءلة يقتضي قبولها حين تتناول انتهاكات الخصوم، وحين تتناول انتهاكات القوى المرتبطة بالتحالف أيضاً. ولأنني أدعم مشروع حكومة السلام، فإنني أرى أن صدقيته تتعزز بقبول هذا الالتزام كاملاً. لا يستطيع مشروع يريد تأسيس سودان جديد أن يجعل العدالة رهينة هوية المتهم أو موقعه العسكري.

وينطبق ذلك على جميع الملفات، من القصف الجوي والطائرات المسيّرة إلى الاعتقال والعنف الجنسي والتهجير، وصولاً إلى الاتهامات باستخدام عوامل كيميائية. هذه الملفات تحتاج إلى توثيق متخصص، وحفظ للأدلة، وفحص مستقل، وإسناد للمسؤولية وفق النتائج. وكلما كان الملف منضبطاً وقابلاً للتحقق، ازدادت قوته أمام المؤسسات الدولية، وتعذر اختزاله في سجال سياسي.

الخطوة التالية ينبغي أن تكون برنامج عمل أفريقياً واضحاً: تثمين مواقف الدول المؤيدة، وفتح حوار منظم مع الممتنعة، ومواصلة التواصل مع الرافضة حيث توجد فرصة، وبناء علاقة مؤسسية مع الاتحاد الأفريقي واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. وعلى حكومة السلام أن تعرض في هذا التواصل ما تستطيع تنفيذه الآن: تسهيل التحقيق، وحماية المدنيين، وتيسير الإغاثة، وتحسين الإدارة والخدمات.

لا يكفي أن تتراجع قدرة بورتسودان على إقناع العالم حتى تتقدم حكومة السلام تلقائياً. التقدم يحتاج إلى أداء يراه المواطن أولاً: أمن يحميه، وإدارة تحترم حقوقه، وخدمات تخفف معاناته، ومؤسسات تسمح بمحاسبة المسؤول. تلك هي المادة الحقيقية التي تمنح الخطاب الدبلوماسي وزنه.

قرار التمديد أبقى الحقيقة على جدول العمل الدولي، والمواقف الأفريقية الجديدة وسعت مجال التحرك. أمام حكومة السلام الآن فرصة لإثبات أن مشروعها قادر على تحمل مسؤولية الحكم والتعاون مع العدالة. فإذا فتحت مناطقها للتحقيق، وقبلت نتائجه، وربطت حضورها السياسي بحماية الإنسان، فسوف تقدم لأفريقيا والعالم حجة يصعب تجاهلها: أن مستقبل السودان يمكن أن يُبنى على السلام والمساءلة، وأن تمثيل شعبه أوسع من السلطة التي تحتكر الحديث باسمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى