في عمق صحارى السودان وقمم جباله، حيث تتسلل خيوط الشمس عبر الأفق معلنة بدء يوم جديد من الشقاء، يتدفق الآلاف من المعدنين الأهليين، حاملين آمالهم الثقيلة في دلو صغير، ومعاولهم المهترئة، بحثاً عن “الجرام الذهبي” الذي قد يغير مصيرهم. هؤلاء ليسوا رجال أعمال، ولا مدعومين من مؤسسات أو شركات، بل هم مواطنون أنهكتهم الحروب، ودفعتهم الحاجة والفقر إلى مجاهل الأرض لعلها تبوح لهم بسر من أسرارها.
لكن ما كان يفترض أن يكون باباً لحياة كريمة، تحوّل إلى مصيدة، وأداة استغلال جديدة في يد من احترفوا إشعال الحروب والمتاجرة بدماء الناس ومعاناتهم.
اليوم، يكشف الواقع المؤلم في السودان عن أن قطاع التعدين الأهلي للذهب، خاصة في مناطق شمال وشرق السودان، أصبح ساحة موازية للصراع السياسي والعسكري. في الوقت الذي تُقصف فيه المدن، ويُهجّر فيه المدنيون من ديارهم، يظهر قادة الحركات المسلحة ( المشتركة) كمنتصرين لا في الميدان، بل في أسواق الذهب والصفقات المشبوهة.
حقيبة وزارة المعادن… بوابة للثراء المشبوه
قد لا يدرك كثير من الناس السر الكامن وراء الإصرار اللافت من حركة مني أركو مناوي على الاحتفاظ بحقيبة وزارة المعادن ضمن التشكيلات الحكومية، سواء في الخرطوم ما قبل الحرب أو من خلال النفوذ الذي تمارسه في مناطق سيطرتها. فالأمر لا يتعلق بإصلاح القطاع أو حماية البيئة أو دعم المعدنين الأهليين، بل بتحويل الوزارة إلى واجهة رسمية لإدارة شبكات مصالح معقدة تمتد من التصاديق الحكومية وحتى الأسواق الموازية لتجارة الذهب.
ومع خسارة الحركات لمواقعها في مناطق التعدين التقليدية بدارفور وكردفان، نتيجة للحرب الدائرة هناك في تلك المناطق ، اتجهت أعينهم نحو مناطق جديدة في جبال البحر الأحمر، ونهر النيل، وبعض مناطق كسلا، حيث تتواجد ثروات غير مستغلة. هناك، بدأ الآلاف من الجنود التابعين لتلك الحركات يمارسون أعمال التعدين أو يسيطرون على مربعات تعدين عبر الترهيب والابتزاز، في ظل غياب أي رقابة حكومية فعلية.
“تحرير الذهب” بدل “تحرير السودان”
من المفارقات الساخرة أن من حملوا السلاح تحت شعارات تحرير السودان من التهميش والفقر، أصبحوا اليوم يتصدرون مشهد النهب المنظم لموارده. فبدلاً من الانشغال بترسيخ قيم العدالة، أصبح بعض قادة تلك الحركات ينشغلون بتجارة الذهب، وشراء السيارات الفارهة، وبناء قصورهم في الخارج، بينما يظل المعدن البسيط في الخنادق يواجه الموت من أجل بضعة جرامات لا تكفي لوجبة يوم.
الأسوأ من ذلك، هو ما يواجهه أهالي المناطق المستضيفة للتعدين: من تدهور بيئي متسارع بسبب استخدام المواد الكيميائية السامة مثل الزئبق والسيانيد، إلى انعدام تام للخدمات الأساسية كالصحة والتعليم، في مشهد يبدو أقرب إلى استعمار داخلي جديد تمارسه مجموعات مسلحة ضد المواطنين، في ظل صمت مريب من السلطة الانقلابية في بورتسودان.
تحالف الصمت والنهب
الحقيقة المرة أن حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، والتي تدّعي السيادة، تعجز عن لجم تلك الممارسات، بل تبدو شريكة فيها، من خلال التغاضي المتعمد، وتوفير الغطاء القانوني والسياسي لبعض اللاعبين في هذا القطاع المنهوب. لم يعد هناك قانون ينظم، ولا دولة تراقب، بل شبكة مصالح معقدة تتقاطع فيها السياسة بالسلاح، والذهب بالدم.
المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر
وسط هذا المشهد العبثي، يقف المواطن السوداني مغلوباً على أمره. فإما أن يموت تحت قذيفة طيران في مناطق الحرب المفتوحة، أو أن يُدفن حياً ببطء، بفعل أمراض مثل السرطان الناتجة عن التلوث بالمواد السامة المستخدمة في التعدين، أو يموت جوعاً في مناطق ما زالت بلا مياه أو مستشفيات أو مدارس، رغم أنها تطفو على بحيرات من الذهب.
إن ما يحدث اليوم ليس فقط استغلالاً اقتصادياً، بل جريمة سياسية وإنسانية كاملة الأركان، تُرتكب على مرأى ومسمع من الجميع. ذهب السودان، الذي كان يمكن أن يبني مستشفيات ومدارس ويشيد دولة قوية، يُستخدم اليوم في شراء السلاح، وتأجيج الحروب، وإطالة أمد الخراب.
لقد آن الأوان لفتح هذا الملف المسكوت عنه، بكل ما فيه من فساد وسلاح ودم، وأن يُدرك السودانيون أن معركتهم الحقيقية ليست فقط مع من يقصفهم من الجو أو من يسلبهم من الأرض، بل أيضاً مع من يبيع آمالهم وأرضهم ومستقبلهم في أسواق الذهب





